أنظمة الحقيقة ودور المثقف

لم يعد الاختلاف بين المثقفين يدور اليوم حول حقائق بعينها، وإنما غدا يمتد إلى مقومات الحقيقة ونظام إنتاجها. أصبح المثقفون يختلفون، ليس حول صحة القضايا و صوابها، وإنما حول الخطابات التي تتمحور حولها الحقيقة، حول معايير الحقيقة و سبل التوصل إليها، حول منابر الحقيقة وفضاءات إنتاجها. مجمل القول إن الصراع الثقافي أصبح يدور اليوم حول إقرار نظام بعينه لإنتاج الحقيقة. إنه صراع بين من يحاولون أن يرسخوا في الأذهان أن الحقيقة ليست بنت هذه الأرض، وأنها قيلت منذ غابر الأزمان، وأنها لا تغزى غزوا، ولا تكتسح اكتساحا، و إنما تدرك توّا، فتؤخذ عمن لهم الحق في نقلها… انه يدور بين هؤلاء و بين من يسعون إلى أن يبيّنوا أن الحقائق ليست طاهرة نقية، وإنما هي ملطخة بالزمن عالقة بالتاريخ، إنها أخطاء تم تصحيحها، فهي لا تتجلى عند نور أول صباح، وإنما تنتزع انتزاعا، فتشق دروبها عبر توترات و تعثرات و صعوبات و عوائق. إنها وليدة حروب وآلام. وهي لا تنفك تضمد جراحها وتصحح نفسها، بل إنها لا تنفك تعيد النظر في أدوات تمحيصها ومعايير صدقها ومناهج بحثها.

لن تغدو مهمة المثقف، والحالة هذه، إقناع الناس بحقائق بعينها، و “نشر الوعي بينهم” و هديهم إلى سواء السبيل، وإنما تغيير نظام إنتاج الحقيقة الذي يعيشون في حضنه. معنى ذلك أن هذه المهمة لا تنحصر في دور المنطقي الذي يعيّن معايير الصدق و الصلاحية، و لا في دور الإبيستمولوجي الذي يحدد “قواعد المنهج”، و لا في دور الإيديولوجي الذي “يفند عقيدة الآخر”، ولا في دور الأخلاقي الذي ينصح بتجنب الأكاذيب، وإنما تتمثل في دور من يرعى “سياسة الحقيقة” و يعمل من أجل إقرار القواعد التي يدبر بها أمر الحقيقة في المجتمع، وسَنّ الأنظمة التي تتحكم في توليد الخطابات و نشرها و تداولها. ليست مهمة المثقف إذن الدفاع عن الحقيقة، إنما مهمته تغيير “اقتصادها السياسي”.