مسلم, رغم أنفه!

تتجلى حرية الإنسان بأبهى صورها ومعانيها في أن يكون حراً في تكوين قناعاته، وحراً في إيمانه، وحراً في اختيار معتقداته، وحراً في اعتناق أي رأي دون أي رأي أخر، وقد استند الإنسان  في ممارسة حريته إلى مشيئة الله الذي لم يشأ أن يخلق الناس على صورة واحدة، أو لون أو عرق واحدة أو لغة واحدة، وهو القادر على فعل ذلك، بل خلقهم مختلفين في الشكل واللون  والانتماء واللسان، كما جاء في القرآن :” إنّا خلقناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا”. كما لم يشأ أيضاً أن يجبر أحداً من الناس، ولم يكره أحداً منهم على الالتزام بدين أو مذهب معين، بل ترك لجميع البشر حرية الاختيار. ففي الآية 256 من سورة البقرة : “لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي”. وليس هذا فحسب، بل إن الله لم يشأ لأي إنسان في هذه الدنيا أن يكون عابداً أو ساجداً له بالإكراه،  وتجلت عظمة الله في خلق الإنسان حراً من القيود والأغلال، فترك لجميع بني البشر حرية الاختيار في أن يؤمنوا به أو لا يؤمنون، وهذا ما ورد أيضا في الآية 29 من سورة الكهف :  “وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر”.  وقد سبق ليسوع المسيح أن قال : وإن سمع أحد كلامي ولم يؤمن به فأنا لا أدينه لأني لم آت لأدين العالم بل لأخلص العالم” (يوحنا 12/47)

مناسبة هذا الكلام هو أن الهيئة العامة محكمة النقض في سورية خالفت كل ما تقدم، عندما صادقت على قرار المحكمة الشرعية رقم 72/498 تاريخ 15/2/1998 المتضمن الحكم للمدعية وفق دعواها وذلك بإعلان إشهار إسلام المدعى عليه وتثبيت زواج المدعية رغم رفض المدعى عليه وتمسكه بدينه…الخ

وتتلخص وقائع هذه القضية أنه سبق لشخص ينتمي إلى الديانة المسيحية أن تزوج من فتاة مسلمة بعقد خارج المحكمة، ونتيجة للخلافات التي نشبت بينهما أقدمت الزوجة على رفع دعوى ضد الزوج المسيحي وطلبت في استدعاء الدعوى إشهار إسلامه وتثبيت زواجها منه ومن ثم تثبيت نسب الجنين حين ولادته ونسبه إلى والده المسلم، وإلزامه بدفع المهر المعجل وبنفقة شهرية قدرها خمسة آلاف ليرة وإلزامه بالرسم والمصاريف.

وقد ادعت الزوجة أن زوجها المسيحي قد نطق بالشهادتين وأعلن إسلامه أمامها وبحضور والدتها وشقيقتها ، وقد استمعت المحكمة الشرعية بدمشق لشهادة الشهود الذين أكدوا أن الزوج المدعى عليه نطق بالشهادتين وأعلن أسلامه أمامهم، فأخذت المحكمة بأقوال الشهود بالرغم من اعتراض المدعى عليه الزوج على سماع شهادتهم بسبب صلة القرابة المباشرة بين الشهود والزوجة المدعية، ورغم تأكيده وإصراره على أنه مازال على دينه المسيحي، إلا أن المحكمة الشرعية كان لها رأي أخر، حيث قررت الحكم للزوجة المدعية وفق دعواها وذلك بإعلان إشهار إسلام المدعى عليه وتثبيت زواج المدعية منه وتثبيت نسب المولودة لوالدها وإلزامه بمعجل المهر والنفقة.

فتقدم المدعى عليه بطعن ضد القرار المذكور أمام الغرفة الشرعية لدى محكمة النقض التي صدقت القرار بعد أن رفضت طعن المدعي بقرارها رقم 515 أساس 905 الصادر بتاريخ 18/5/1999 /. ولم يبق أمام المدعى عليه إلا أن تقدم بطلب مخاصمة القرار الصادر عن الغرفة الشرعية، أمام الهيئة العامة لمحكمة النقض، حيث أكد في طلب المخاصمة على أنه متمسك بدينه المسيحي، وأنه كان على المحكمة أن تعتبره مرتداً عن الإسلام  وتوقع الفرقة بينه وبين زوجته المسلمة، إلا أن غرفة المخاصمة ردت دعوى المخاصمة شكلاً ، بعد أن اعتبرت أن النطق بالشهادتين يكفي لإشهار الإسلام، وإن الشرائط الواجب توافرها بتسجيل مدعي المخاصمة مسلماً في قيود الأحوال المدنية لا تحول دون اعتباره مسلماً ولو لم تتوافر لأن مجرد النطق بالشهادتين يجعل المدعي بالمخاصمة مسلماً.. /قرار رقم 197 أساس 352 بتاريخ 14/6/1999.

علماً أن هناك إجراءات يجب أن يتبعها من يرغب باعتناق الإسلام، فيجب أن يتقدم بطلب أولاً إلى لجنة في المحافظة التي ينتمي إليها صاحب الطلب، وبعد أن يُدرس الطلب من قبل اللجنة المذكورة، وبعد أن تتأكد من أن دوافع الشخص الذي يرغب باعتناق الإسلام نابعة من داخله ،وأنه يريد اعتناق الإسلام عن قناعة وإيمان، يتم إبلاغ رئيس الطائفة التي ينتمي إليها صاحب الطلب بالأمر، فيوفد رئيس الطائفة موفداً عنه، للوقوف على الأسباب التي دفعته لاعتناق الإسلام محاولاً إقناعه بالعدول عن طلبه، فإذا أصر الشخص على طلبه، أرسلت اللجنة كتاباً إلى الأمن السياسي  لبيان رأيها في رغبة صاحب الطلب باعتناق الإسلام، فإذا رفض الأمن السياسي الطلب، يطوى الأمر وكأن شيئاً لم يكن، إما إذا وافق الأمن السياسي، فتطلب اللجنة من صاحب الطلب أن يسمعها عدداً من الآيات، وذلك للتثبت من أنه مطلع وقارئ للقرآن الكريم ، وأخيراً تطلب اللجنة منه  النطق بالشهادتين أمامها، وبعد ذلك تزوده اللجنة بكتاب موقعاً من المحافظ، يفيد أن الشخص قد أشهر أسلامه أمام اللجنة، ثم يأخذ الشخص الكتاب لتقديمه إلى القاضي الشرعي الأول طالباً منه إصدار قرار بذلك، ويصدر القرار بإشهار إسلام صاحب الطلب عن القاضي الشرعي بالصفة الولائية بعد أن يتأكد القاضي أيضاً من الشخص يرغب باعتناق الإسلام عن قناعة وإيمان.

وهكذا، بالرغم من أن حرية الإنسان شكلت محور الرسائل السماوية والأساس التي بنيت عليها مختلف العهود والمواثيق، بصفتها أعظم هبة من الله منحها لجميع بني البشر بصرف النظر عن دينهم أو جنسهم أو عرقهم، هبة منحها الله للإنسان ليس باعتباره مسيحياً أو مسلماً أو يهودياً أو صابئاً أو هندوسياً أو بوذياً أو وثنياً..إلخ، بل باعتباره إنساناً.