في الراهن العربيّ الإسلاميّ

مثل اكتشاف الحديد وتقنية استخدامه في صناعة المحاريث والأسلحة طفرة في المعنى لدى الجماعات البشرية، سواء على صعيد تحسين سيطرتها على الطبيعة، أو على صعيد توازنات القوة بينها وبين الجماعات البشرية التي تأخرت في اكتشاف الحديد..

وأظن أن الجماعات الأخيرة قد واجهت ما يواجهه الآن العالم العربي- الإسلامي من بلبلة وتشوش حول هذا السؤال: هل عليه أن يدير ظهره لأنظمة التفكير التي تقف وراء هذا الخلل الراهن في توازنات القوة مع الغرب ؟أم يغامر في خيار التعلم من العدو ، وما يجر ذلك من تبعات التماهي العقلي معه وصولا إلى فقدان الهوية ؟

لا شك أن الخيارين يتصارعان منذ قرنين، دون أن يصبح أحدهما الخيار الذي لا عودة عنه..ولا شك أن دون ذلك طريقا طويلا يمر على ما لا يحصى من العقبات و التعقيدات و التفرعات، التي تفضي إلى الدوران في المكان و تبديد الوقت و الجهد و تضييع البوصلة.

ذلك أنّ الخيارين ليسا على ما يبدوان عليه للوهلة الأولى من الوضوح و التمايز. فما قد يبدو أرضا لهذا الخيار قد تكون لذاك. و ما يبدو نصراً يتكشف عن هزيمة، مثالي على ذلك: أن ما بدا في منتصف القرن العشرين، نقلةً على صعيد الوعي، بفعل تغلغل الفكر الاشتراكي في أوساط النخب الريفية التي صعدت للإمساك بدفة التغيير، تكشف بعد نصف قرن عن ريع هزيل على كل المستويات. و إذا أخذنا في الحسبان التراجع الخطير للرأي العام حيال وجهي الغرب: التفوق في المعنى إرادة الهيمنة ( 1 ) فإن النتيجة تتجاوز هزال الريع إلى الخسارة المفتوحة على التضخم مع الوقت، جراء هذا النكوص الجماعي إلى أنظمة التفكير الأكثر يبساً و تكلساً من الفضاء الثقافي الإسلامي .

بدءاً من منتصف القرن الماضي راح الوجه الجذاب للغرب “وجه التفوق في المعنى ” يختفي من الخطاب الفكري –السياسي للنخبة العربية – الإسلامية لمصلحة الوجه القبيح ” وجه الهيمنة ” . لقد ساهمت في إحداث هذا التبدل على صورة الغرب عدة عوامل أراها على الوجه التالي:

1- العامل السوفييتي: لعب المعسكر الاشتراكي من موقع الثقة الذي أحرزه بفضل الدعم متعدد الوجوه : اقتصادا– أسلحة – دعما سياسيا للقضايا التي صنفها العالم العربي كقضايا ذات أولوية (القضية الفلسطينية على سبيل المثال ) لعب دوراً رئيسياً في ضخ ثقافة الكراهية للغرب الرأسمالي و تعميق هذا الميل التدريجي للأنتلجنسيا العربية لتصعيد موقفها النقدي من الغرب إلى مستويات فنتازية .

و عبر الأيديولوجيتين: الماركسية – اللينينية و القومية – الاشتراكية، وسع العامل السوفييتي أرضية العداء للغرب و عمم مفهوماً للوطنية يضبط منسوبه على منسوب الكراهية للغرب الرأسمالي.

2- العامل الديني: أيقظ التدخل الغربي في شؤون العالم العربي – الإسلامي الشعور بالتمايز الديني. فلقد استدعت الهوية المسيحية للغرب توأمها على المقلب الآخر: الإسلام. سيما أن الذاكرة التاريخية للمنطقة احتفظت بالصليبية كعنوان جاهز لتوصيف ميل الهيمنة الذي أبداه هذا الغرب في أعقاب الطفرة في المعنى التي أحرزها بعد إنجازه الحداثة.

و بالرغم من التحول الكبير الذي حصل على نظم التعليم في العالم العربي: الانتقال من الكتاتيب و المساجد إلى المدارس و الجامعات، إلا أن تراجع إستراتيجية التعليم بعيد انتهاء المرحلة الكولونيالية من تعليم يتوخى بناء نخبة حديثة، إلى تعليم يتوخى محو الأمية، قد فتح الباب على مصراعيه أمام الأيديولوجية الدينية لتستولي بالتدريج على الفضاء العقلي لمؤسسات التعليم الحديث. فتحولت الجامعات إلى جهاز تفريخ يعمل بطاقته القصوى لإنتاج كوادر للإسلام السياسي. و أدى محو الأمية على نطاق واسع إلى ارتفاع مذهل في مستوى سيطرة الظاهرة الدينية على حياة المسلمين. لقد أتيح أخيراً لقطاعات واسعة أن تطلع على التراث المكتوب الذي راكمه الإسلام عبر القرون. لا شك في أن المشهد الراهن وليد لهذا الانقلاب الذي أحدثته مؤسسات تعليم انبنت منذ منتصف القرن الماضي تحت السقف الواطئ لمحو الأمية.و لقد تحول على خلفية ذلك الدين الإسلامي من دين شفهي متصالح مع أنواع الشفهية ( 2) التي سبقته إلى دين كتابي (3) يمتلك من تماسك الذاكرة ما يكفي لإنتاج مستويات مذهلة من التعصب .

3- العامل التنموي: تمخضت مشاريع التنمية في العالم العربي التي تفتقت من عبقرية بيروقراطيات مزودة بهذه الأيديولوجية الثورية أو تلك، و تحت راية هذا الجنرال أو ذاك، عن اتساع الهوة بين الطلب المرتفع على الاستهلاك بفضل التعليم ذي الطابع الجماهيري، و بين الإمكانيات المتاحة بعد حسم حصة الأسد منها لصالح النخب الحاكمة.

إن عتبة الإحساس بالفقر التي زحزحها عن موضعها التعليم الجماهيري، قد فاقمت كثيراً مستوى الاحتقان الاجتماعي. و سواء كانت صواعق التفجير تعمل بحشوة ماركسية أم بحشوة إسلامية، فإن أسهم الكراهية تلاقت على قبلةٍ واحدة هي الغرب الرأسمالي.

و رغم أن هذا الأخير يتحمل قسطه من المسؤولية في فشل التنمية جراء إحجامه عن ضخ المال و التكنولوجيا إلى المنطقة، و قبوله صيغة للتسوية مع النخب الحاكمة لا تأخذ بعين الاعتبار مصالح الطيف الاجتماعي الأوسع – و هي سياسة قصيرة النظر يحصد الغرب نتائجها في عقر داره هذه الأيام – إلا أن وعياً لا يرى المسؤولية إلا في هذا المقلب وعي مزاجي. و في مطلق الأحوال انتهازي يكتفي بامتطاء موجة الكراهية ليحصد امتيازات لاحقة.

4- العامل الديمقراطي: تمخضت الحرب العظمى الثانية عن توازن قوةٍ دولي جديد.

تراجعت بريطانيا و فرنسا عن صدارة التنافس لمصلحة الولايات المتحدة الأمريكية و الإتحاد السوفييتي. و أدى ذلك إلى وضع نهاية سريعة للمرحلة الكولونيالية. و تبلورت تسوية مع العالم العربي – الإسلامي نفذت على مرحلتين:

المرحلة الأولى: انسحبت الجيوش الإنكليزية – الفرنسية بعد أن زرعت نظاماً سياسياً – اجتماعياً يستند إلى دعم البرجوازية – و الملاكين العقاريين. و يدير هذا التحالف لعبة إنتاج السلطة في إطار المفهوم الليبرالي للدولة بنسختيها الأكثر تداولاً: الملكية الدستورية ، و الجمهورية البرلمانية .

و سرعان ما سقطت هذه الصيغة جراء تلاقي منبعين للضغط: دولي ” الإتحاد السوفييتي الولايات المتحدة الأمريكية ” و محلي ” المؤسسة العسكرية ”

المرحلة الثانية: تقاسم كلٌّ من السوفييت و الأمريكان الانقلابات العسكرية التي وضعت صندوق الاقتراع على الرف، و استبدلته بجنرال و ديماغوجيا و جهاز أمن يعد الأنفاس. و من اندونيسيا إلى الجزائر تسللت الجيوش إلى السلطة بمباركة إحدى الدولتين العظميين. و لم يبك أحدٌ على البرلمانات المنهارة لأنها كانت رمزاً لسيطرة تحالف مغلق على كبار الملاكين العقاريين و برجوازية متحدرة من نفس الأرومة.

و في البلدان التي صعد فيها الجيش إلى السلطة بمباركة سوفييتية، تبرع السوفييت بفذلكة مشتقة من الماركسية – اللينينية تقرن الدكتاتورية بالديمقراطية الشعبية فيما يشبه الزواج بالإكراه. و أدى سقوط البرلمانات الوليدة إلى سحب السياسة من التداول، فلم يبق في الميدان إلا العنف وسيلة للتغيير. و هو عنف متبادل بدأ مكتوماً ثم انفجر تحت رايات متنوعة تبدأ بالألوية الحمراء الماركسية، و لا تنتهي بتنظيمات الجهاد “البنلادنية ” .

من هذه السيرورة السياسية – الاجتماعية التي تلوّت يمينا ويسارا تحت ضغط الشرطين الدولي و المحلي بعد الحرب العظمى الثانية، انبثق المأزق الراهن للعالم العربي – الإسلامي. مأزق تدور فيه هذه المجتمعات على نفسها دون أن تستطيع الإفلات إلى مدار لولبيٍ صاعد. و تغرق انتلجنسيا هذه المجتمعات بالتدريج في الماضي بعد أن “عامت” قليلاً على سطح الحاضر دون أن تتعلم السباحة. فقرار التعلم من العدوّ لم يتخذ بعد. و تتضاءل حظوظ اتخاذ هذا القرار مع مضي الوقت..

هوامش

(1)-انظر محمد أركون “الإسلام أوربا الغرب “-دار الساقي

(2)- الفكر الإسلامي:قراءة علمية ” مركز الإنماء القومي-ص69-70

(3)-للتوسع أنظر أعمال ميلتون روكيش في ما يخص الدوغمائية ،عرض بيير ديكوشي في مجلة “علم اجتماع الأديان “رقم -30 -/1970/ص -6