
ما الذي يحصل للعبقري؟ ولماذا ينتقل من النقيض إلى النقيض: أي من أعلى القمم إلى حافة الهاوية؟ لماذا يتميز العباقرة بشخصيات خطرة جدا من الناحية النفسية: أي من ناحية التوازن العقلي أو بالأحرى اللاتوازن؟ لا أحد يعرف..وهل هناك تفسير لسر العبقرية؟ كل ما نلاحظه هو غلبة هذه الخصائص عليهم. فمثلاً كان الأطباء النفسانيون قد اهتموا جيداً بدراسة حالة هولدرلين، ذلك الشاعر الألماني الكبير الذي جُنَّ بعد الثلاثين بقليل. واتفقوا جميعاً على القول بأنه كان مصاباً بعصاب خطير جداً يصل إلى حد انفصام الشخصية. فكان يقول مثلاً بأنه أصبح شخصاً آخر، ولم يعد له نفس الاسم. وراح يخشى البشر ويرتجف عندما يراهم ويقدم لهم كل آيات الخضوع والذل ويعتذر منهم بدون أي سبب لكأنه مذنب أو مجرم أبدي! وكان ينادي أي شخص يزوره: سيادتكم، جلالتكم، أعتذر لفخامتكم، الخ… وأصبح مهزوزاً لا يثق بأي شيء تقريباً. وراح يعتزل كلياً وينطوي على نفسه، وظل معتكفاً أكثر من أربعين سنة حتى مات. وعندما كنت تقترب من غرفته كنت تسمع صوتاً عالياً فتعتقد أن عنده أحد الزوار. ولكنه في الواقع كان يتحدث مع نفسه…مونولوغ داخلي لا بداية له ولا نهاية..
ينبغي العلم بأن الجنون يختلط بالإبداع لدى الشخصيات الاستثنائية إلى حد أننا لا نستطيع أحياناً التمييز بينهما. فالجنون الكامن هو الذي يحرض على الإبداع، ولكن إذا ما زاد عن حده فإنه يقتل الإبداع الذي يتحول عندئذ إلى مجرد هذيان. وهذا ما حصل لهولدرلين. فالثلاثون سنة الأولى من عمره كانت تمثل المرحلة الإبداعية المتفجرة حيث قدم للشعر الألماني بعضاً من أشهر قصائده، والثلاثون أو الأربعون سنة التالية كانت تمثل المرحلة الجنونية الكاملة حيث انقطع عن الإبداع. ولكن بينهما كانت هناك مرحلة وسطى مترجرجة كتب فيها بعضا من أجمل القصائد الاستسلامية. كان يخربش على الورق خربشة.. وهي التي ترجمها الفرنسيون ونشروها تحت عنوان: قصائد الجنون لهولدرلين. وبالتالي فالجنون هو انعدام القدرة على الإبداع كما يقول ميشيل فوكو. يظل العبقري غير مجنون ما دام قادراً على الإنتاج حتى ولو بدا مهتز الشخصية أو غريب الأطوار او فاقدا للتوازن. ولكنه يصبح مجنوناً بالفعل عندما يتفكك كلياً ويصبح عاجزاً عن إبداع أي شيء متماسك. وبالتالي فهناك جرعة معينة من الجنون مفيدة جدا للإبداع، ولكن لا ينبغي أن تزيد عن حدها. كان الطبيب النفساني كريتشمير قد قام بتحليل معمَّق لشخصية الشاعر الكبير رينيه ماريا ريلكه. واكتشف أنه كان يقضي سنوات طويلة وكأنه نائم يسير على حافة الهاوية. إنه على وشك الوقوع في كارثة الانفصام العقلي، ولكن دون أن يغطس كلياً كما حصل للمسكين هولدرلين. كان القلق العميق والإحساس بالغرابة يرافقان ريلكه على مدار أعماله كلها. يقول مثلاً: لقد عملت شيئا ضد الخوف. بقيت جالساً طيلة الليل وأنا أكتب… في الواقع إن عذاب الطفولة غير المفهومة كان يلاحقه باستمرار. وكان يقول دائماً: إني أبدع من خلال القلق. وربما لولا القلق القاتل لما أصبح شاعرا كبيرا. ولكن القلق أحيانا كان يرهقه إلى درجة انه يشله عن الإبداع. وأما كيركغارد الملاحق أيضا من قبل إخطبوط مرعب فكان يقول: نعم إن المرض النفسي هو النابض المحرك لكل عملية إبداعية. فعن طريق الإبداع أشفي نفسي. عن طريق الإبداع أسترد الصحة والعافية.
كان لويس ألتوسير يقول: أنا وميشيل فوكو كنا نمشي على خيط رفيع جدا جدا فوق هاوية سحيقة لا قرار لها، هو نجا منها وأنا هويت..والواقع أن فوكو كان مهددا بالجنون طيلة حياته الأولى كلها. ولم ينج منه إلا بعد أن كتب أجمل كتاب عن تاريخ الجنون في اللغة الفرنسية. وعندما قرأ التوسير المقدمة الأولى للكتاب عرف بان فوكو نجا من جنونه بعد أن حجمه وسيطر عليه بضربة إبداعية خارقة.وللأسف فان فوكو حذف هذه المقدمة من الطبعات التالية على الرغم من أنها تشكل نصا رائعا شكلا ومضمونا. انه نص نيتشوي متفجر، نص يوحي بالانتصار على الذات بعد معركة ضارية.
وحدهم المثقفون العرب لا يجنون ولا يعانون ولا يأتيهم الباطل من بين أيديهم ولا خلفهم..
عندما يصل العبقري إلى حافة الهاوية، إما أن يسقط فيها عن طريق الانتحار أو الجنون، وإما أن يحميه الإبداع الصاعق من السقوط. يمكن أن نذكر من النوع الأول همنغواي، أو الموسيقار الروسي تشايكوفسكي، أو الرسام غوغان، أو فان غوغ، عشرات غيرهم. فهمنغواي انتحر عام 1961 برصاص بندقية صيد كما هو معلوم. ولكن الشيء الذي قد لا نعرفه هو أن أباه انتحر أيضاً بنفس الطريقة عام 1928، وكذلك فعل أخوه وأخته. فهل الانتحار قضية وراثية؟ لا يستبعد الأطباء وجود علاقة بين الجنون والعوامل العائلية. وأما تشايكوفسكي فقد انتحر عام 1893. ولكن عائلته والدعاية السوفييتية غطّت على ذلك وقالت بأنه مات بالكوليرا. في الواقع إنه انتحر عشية اندلاع فضيحة جنسية تخصه. فقد كانوا على وشك اتهامه بالشذوذ الجنسي، ولذلك، ومن شدة خوفه من أن تشوه سمعته قتل نفسه!. وأما الرسام الشهير غوغان فقد وقع في إحباط نفسي شديد بعد أن تركته زوجته وماتت ابنته العزيزة على قلبه. وعندئذ فكر في الانتحار بشكل جدي، بل وصرح بذلك علناً. ولكن قبل أن ينتحر راح ينخرط بشكل جنوني في رسم لوحة رائعة تدعى: من أين جئنا؟ من نحن؟ إلى أين المصير؟ وبعدئذ توغل في الجبال الوعرة البعيدة حتى وصل إلى مكان ناء. وهناك تناول جرعة كبيرة من سمّ الزرنيخ. ولكن الطبيعة انتقمت منه. فقد تقيأ السمّ غصباً عنه، ولم يمت إلا بعد خمس سنوات قضاها في المرض والتقهقر والذل…
وأما فان غوغ فقد كان طفلاً بديلاً. بمعنى أنه ولد بعد موت أخيه الأكبر منه، فحلّ محلّه. وقد أخذ اسم ومكانة الطفل الذي سبقه. وولّد لديه ذلك إحساساً عميقاً بالذنب. يضاف إلى ذلك أن المرض العقلي كان منتشراً في عائلته بشكل وراثي. فأخوه”تيو” مات في المستشفى العقلي، وأما أخوه الأصغر فقد انتحر. وكذلك أمضت أخته سنوات عديدة في مستشفى المجانين. وبالتالي فالمسألة هنا وراثية بشكل واضح. ولكن بعد عودته إلى مدينة “اوفير” لم يكن هناك شيء يرهص بأنه سيقدم على فعلته تلك. وقد انخرط في رسم ثلاث لوحات رائعة قبيل موته بشهرين أو ثلاثة أشهر. ولكن ريشة الرسام كانت تسقط من يده في بعض الأحيان بسبب الإحباط والإعياء النفسي. وقال:”لقد رسمت مساحات واسعة من القمح تحت سماء مضطربة. ولم أتردد في التعبير عن الحزن الأقصى والحنين الغامض والوحدة العميقة”. ثم شحن مسدسه وأطلق طلقة في صدره. وهكذا انتهى واحد من أعظم الرسامين على مر العصور…
وأما سلفادور دالي فقصته مختلفة. فهو أيضاً كان مهدداً بالجنون طيلة حياته كلها. ولكنه عرف كيف يتغلّب عليه عن طريق التحدث عنه باستمرار. وهكذا “تداويت منها بها” كما يقول الشاعر العربي. فقد كان يقوم بحركات استعراضية أو مسرحية بهلوانية أمام الزوار، ويلوح بعصاه حتى ليكاد يضربك وأنت جالس أمامه، ثم يفتل شاربيه الطويلين جداً والمعقوفين كالمنجل بطريقة تهديدية تقريبا، ويحملق فيك بشكل مرعب، ويطلق صرخات مجلجلة ترعب الحاضرين. وهكذا استطاع أن يسيطر على جنونه عن طريق إطلاق العنان له لا عن طريق كبته أو إخفائه عن عيون الناس كما يفعل الكثيرون. كان يهذي كما يشاء ويشتهي أمام الناس ويعبر عن هلوساته بكل صراحة لكي يتحرر منها. وقد بلور هذه المنهجية الدفاعية الخاصة به دون غيره بعد لقائه بالدكتور جاك لاكان. ودعا هذه الطريقة: بالمنهجية البارونائية النقدية (أو الهذيانية-النقدية).وهي من أقوى المناهج في الإبداع الفني. وهي المسؤولة عن توليد لوحاته المذهلة. ونجحت العملية معه إلى حد أنه كان يقول: الفرق الوحيد بيني وبين المجنون هو أنني، أنا، لست مجنوناً!… ولكن الشيء الأساسي الذي نجّى سلفادور دالي من الجنون هو إبداعه بالذات، واعتراف معظم الناس بعبقرية لوحاته، وبيعها بعشرات الملايين من الدولارات. فبعد أن كان فقيراً مدقعاً أصبح من أغنى الأغنياء، وبعد أن كان مغموراً أصبح أشهر من نار على علم في كل الأوساط الفنية والأدبية. فلماذا يجنّ إذن؟ لقد وصل… وحماه إبداعه من السقوط في تلك الهاوية التي كانت تفغر فاها وتنتظره، هاوية الجنون. ومع ذلك فقد كان مضطراً لإظهار جنونه بشكل مسرحي لكي يتحرر منه. وهذا دليل على عمق الأزمة النفسية التي كانت تعتريه من الداخل، وكيف أنه اضطر لاستخدام كل الأسلحة لمواجهتها واتقاء شرها.
هكذا نجد أن العبقري يقع تحت ضغط قوى هائلة ومتناقضة فيما يحاول المحافظة على توازنه الهش من خلال إبداعه. ولكن لا ينبغي أن يذهب بعيداً أكثر من اللزوم في استكشاف لاوعيه أو في تحديه للظلمات المطموسة والأعماق المظلمة لداخليته الجوانية. فقد يدفع الثمن باهظاً: قد يجن أو ينتحر. وذلك لأن هناك خطاً أحمر لا يمكن لبشري على وجه الأرض أن يتجاوزه دون أن يُصْعق في أرضه. وقد عبّر أحد كبار المحللين النفسانيين المعاصرين “أندريه غرين” عن هذه النقطة بكل وضوح. وكان مما قاله: إن موت الفنانين المبكر أو انتحارهم يثير الاستغراب والتساؤل في معظم الأحيان. انه محاط بالغموض والأسرار. وأنا أدافع عن الأطروحة التالية: اعتقد أن الفنان الذي يتخطّى الحدود المسموح بها لمعرفة اللاوعي يدفع حياته ثمناً لذلك. صحيح أن الشاعر أو الكاتب بشكل عام يريد أن يغوص إلى أبعد مدى ممكن في أعماقه لكي يستكشفها، ولكن هناك حدود معينة لا ينبغي أن يتجاوزها، وإلا فإنه يدخل في الدائرة الحمراء للخطر. في الواقع إن جميع الأعمال الإبداعية الكبيرة ناتجة عن تلك القارة المظلمة المترجرجة القابعة في أعماق أعماقنا والتي يدعوها التحليل النفسي: باللاوعي. ولكن الغوص في أعماق اللاوعي يشبه الغوص على اللؤلؤ في أعماق البحار.فقد تخرج بالذهب المصفى.. ولكن إذا غصت أكثر من اللزوم قد تغرق كلياً ولا تستطيع أن تطلع إلى السطح بعدئذ. وهذا هو الجنون بعينه. وتخسر عندئذ اللؤلؤ ونفسك في آن معاً. فحذار إذن. حذار من المبالغة في انتهاك الأعماق النائية والأقاصي. وأكبر دليل على ذلك رامبو الذي ذهب إلى أبعد مدى ممكن في الاستكشاف الشعري فدفع ثمن ذلك باهظاً. لقد خاض كل التجارب الحياتية حتى اقترب من منطقة الجنون الأعظم وتوقف فجأة عن العطاء. بل ووصل به الأمر فيما بعد إلى حد التّنكر لشعره لكي يحمي نفسه منه. فهو يعرف إلى أين أوصلته المغامرة الإبداعية بعد أن رأى الخطر الأحمر بأم عينيه. وعندئذ نكص على أعقابه وتراجع. ولكن هل يمكن أن نلومه على ذلك؟ هل يمكن أن نلوم شخصاً وصل إلى التخوم القصوى التي ولّدت “القارب السكران”أو “فصل في الجحيم” و”الإشراقات”؟ من يستطيع أن يذهب إلى أبعد من ذلك؟ ربما نيتشه أو لوتريامون…ولكن نيتشه، الذي يمثل اكبر عبقرية فلسفية أنجبتها ألمانيا بعد كانط وهيغل، جن بالخالص. وبقي مجنونا احد عشر عاما حتى مات عام 1900 دون أن يستفيق من غيبوبته.وكان الناس يجيئون من كل أنحاء ألمانيا للتفرج عليه أو الانحناء أمامه دون أن يشعر بشيء.وهكذا نراه في الصورة مقعدا في أريكة بحواجبه الكثيفة وشاربيه الكبيرين الشهيرين الذين يغطيان نصف وجهه. صورة ولا أروع.. وأما لوتريامون فلم يتح له الوقت الكافي لكي يجن. فقد وجدوه ميتا في غرفته بالفندق وهو في الرابعة والعشرين..ولكنه كان قد ضرب ضربته الكبرى: أناشيد مالدورور..
لكن لنعد إلى رامبو. في الواقع إن شبح الجنون يتراءى خلف السطور في ديوانه: فصل في الجحيم. هناك حيث يقول: “الهلوسات لا عدّ لها ولا حصر…كنت متعودا على الهلوسات البسيطة: كنت أرى بكل صراحة مسجدا مكان مصنع، مدرسة طبول مصنوعة من قبل الملائكة، عربات خيول على دروب السماء، صالونا في نهاية بحيرة، الوحوش، المجاهيل، عنوان مسرحية هزلية ينتصب أمامي ويرسم أشياء مرعبة، مخيفة.
كل أشكال الجنون عرفتها – بما فيها الجنون الذي يسجنونه في المصحات العقلية- أستطيع أن أعددها كلها، وأمسك بالنظام جيداً. كانت صحتي مهددة. والرعب آتيا. نمت أياماً عديدة. وعندما استيقظت واصلت الأحلام الأكثر حزناً. كنت جاهزاً للمنيّة، وعن طريق درب الأخطار قادني ضعفي إلى التخوم القصوى للعالم والسيميريا: وطن الظلال والأعاصير…” (السيميريا هي منطقة تمثل أبواب الجحيم بحسب ما تقول الأسطورة، أو هي بلاد البرابرة الدمويين السيميريين).
كان ديوانه فصل في الجحيم، وبشكل خاص، ليلة الجحيم، يمثل تتويجاً سوداوياً مرعباً -وعبقريا- لحياته الشعرية. ويبدو أنه بكتابته له، بعد “الإشراقات” أو قبلها، وضع حداً لعبقريته ولتجربة حياته كلها. لقد وصل إلى التخوم النهائية ورأى كل ما يمكن أن يراه، فماذا بعد ذلك؟ لقد انتهت رحلة الرائي ولم يعد أمام رامبو إلا أن يصمت كليا. وأعطانا درساً بليغاً في احترام الشعر. لا ينبغي على الشاعر أن يكثر (أو يكرر نفسه) بعد أن يحقق فتوحاته الأساسية. ينبغي أن يسكت فورا أو يكتب شيئا آخر.. ويرى الناقد ايتيامبل أن إطلاق النار عليه من قبل فيرلين كان بمثابة رصاصة الرحمة التي أيقظته من غفوته. لقد استيقظ رامبو أخيراً من أجمل مغامرة شعرية عرفها القرن. كان ينبغي أن تطلق عليه النار لكي يستيقظ.. وهكذا عاد إلى بيته العائلي في نهاية يوليو/1873 وأكمل ديوانه “فصل في الجحيم” الذي كان قد ابتدأه في شهر أبريل من نفس العام. ويبدو أن أخته ايزابيل نقلت عنه هذه العبارة: لم أعد أستطيع الاستمرار. لقد أصبحت مجنوناً.. وهكذا انتهت الحياة الشعرية لآرثر رامبو، لكي تبتدئ حياة أخرى في حرار، والحبشة، واليمن، وبلاد العرب… وهي لا تقل تطرفاً استكشافياً عن المغامرة الشعرية ذاتها…لقد ظل شاعرا في كلتا الحالتين..
ينبغي العلم بأن الجنون يختلط بالإبداع لدى الشخصيات الاستثنائية إلى حد أننا لا نستطيع أحياناً التمييز بينهما. فالجنون الكامن هو الذي يحرض على الإبداع، ولكن إذا ما زاد عن حده فإنه يقتل الإبداع الذي يتحول عندئذ إلى مجرد هذيان. وهذا ما حصل لهولدرلين. فالثلاثون سنة الأولى من عمره كانت تمثل المرحلة الإبداعية المتفجرة حيث قدم للشعر الألماني بعضاً من أشهر قصائده، والثلاثون أو الأربعون سنة التالية كانت تمثل المرحلة الجنونية الكاملة حيث انقطع عن الإبداع. ولكن بينهما كانت هناك مرحلة وسطى مترجرجة كتب فيها بعضا من أجمل القصائد الاستسلامية. كان يخربش على الورق خربشة.. وهي التي ترجمها الفرنسيون ونشروها تحت عنوان: قصائد الجنون لهولدرلين. وبالتالي فالجنون هو انعدام القدرة على الإبداع كما يقول ميشيل فوكو. يظل العبقري غير مجنون ما دام قادراً على الإنتاج حتى ولو بدا مهتز الشخصية أو غريب الأطوار او فاقدا للتوازن. ولكنه يصبح مجنوناً بالفعل عندما يتفكك كلياً ويصبح عاجزاً عن إبداع أي شيء متماسك. وبالتالي فهناك جرعة معينة من الجنون مفيدة جدا للإبداع، ولكن لا ينبغي أن تزيد عن حدها. كان الطبيب النفساني كريتشمير قد قام بتحليل معمَّق لشخصية الشاعر الكبير رينيه ماريا ريلكه. واكتشف أنه كان يقضي سنوات طويلة وكأنه نائم يسير على حافة الهاوية. إنه على وشك الوقوع في كارثة الانفصام العقلي، ولكن دون أن يغطس كلياً كما حصل للمسكين هولدرلين. كان القلق العميق والإحساس بالغرابة يرافقان ريلكه على مدار أعماله كلها. يقول مثلاً: لقد عملت شيئا ضد الخوف. بقيت جالساً طيلة الليل وأنا أكتب… في الواقع إن عذاب الطفولة غير المفهومة كان يلاحقه باستمرار. وكان يقول دائماً: إني أبدع من خلال القلق. وربما لولا القلق القاتل لما أصبح شاعرا كبيرا. ولكن القلق أحيانا كان يرهقه إلى درجة انه يشله عن الإبداع. وأما كيركغارد الملاحق أيضا من قبل إخطبوط مرعب فكان يقول: نعم إن المرض النفسي هو النابض المحرك لكل عملية إبداعية. فعن طريق الإبداع أشفي نفسي. عن طريق الإبداع أسترد الصحة والعافية.
كان لويس ألتوسير يقول: أنا وميشيل فوكو كنا نمشي على خيط رفيع جدا جدا فوق هاوية سحيقة لا قرار لها، هو نجا منها وأنا هويت..والواقع أن فوكو كان مهددا بالجنون طيلة حياته الأولى كلها. ولم ينج منه إلا بعد أن كتب أجمل كتاب عن تاريخ الجنون في اللغة الفرنسية. وعندما قرأ التوسير المقدمة الأولى للكتاب عرف بان فوكو نجا من جنونه بعد أن حجمه وسيطر عليه بضربة إبداعية خارقة.وللأسف فان فوكو حذف هذه المقدمة من الطبعات التالية على الرغم من أنها تشكل نصا رائعا شكلا ومضمونا. انه نص نيتشوي متفجر، نص يوحي بالانتصار على الذات بعد معركة ضارية.
وحدهم المثقفون العرب لا يجنون ولا يعانون ولا يأتيهم الباطل من بين أيديهم ولا خلفهم..
عندما يصل العبقري إلى حافة الهاوية، إما أن يسقط فيها عن طريق الانتحار أو الجنون، وإما أن يحميه الإبداع الصاعق من السقوط. يمكن أن نذكر من النوع الأول همنغواي، أو الموسيقار الروسي تشايكوفسكي، أو الرسام غوغان، أو فان غوغ، عشرات غيرهم. فهمنغواي انتحر عام 1961 برصاص بندقية صيد كما هو معلوم. ولكن الشيء الذي قد لا نعرفه هو أن أباه انتحر أيضاً بنفس الطريقة عام 1928، وكذلك فعل أخوه وأخته. فهل الانتحار قضية وراثية؟ لا يستبعد الأطباء وجود علاقة بين الجنون والعوامل العائلية. وأما تشايكوفسكي فقد انتحر عام 1893. ولكن عائلته والدعاية السوفييتية غطّت على ذلك وقالت بأنه مات بالكوليرا. في الواقع إنه انتحر عشية اندلاع فضيحة جنسية تخصه. فقد كانوا على وشك اتهامه بالشذوذ الجنسي، ولذلك، ومن شدة خوفه من أن تشوه سمعته قتل نفسه!. وأما الرسام الشهير غوغان فقد وقع في إحباط نفسي شديد بعد أن تركته زوجته وماتت ابنته العزيزة على قلبه. وعندئذ فكر في الانتحار بشكل جدي، بل وصرح بذلك علناً. ولكن قبل أن ينتحر راح ينخرط بشكل جنوني في رسم لوحة رائعة تدعى: من أين جئنا؟ من نحن؟ إلى أين المصير؟ وبعدئذ توغل في الجبال الوعرة البعيدة حتى وصل إلى مكان ناء. وهناك تناول جرعة كبيرة من سمّ الزرنيخ. ولكن الطبيعة انتقمت منه. فقد تقيأ السمّ غصباً عنه، ولم يمت إلا بعد خمس سنوات قضاها في المرض والتقهقر والذل…
وأما فان غوغ فقد كان طفلاً بديلاً. بمعنى أنه ولد بعد موت أخيه الأكبر منه، فحلّ محلّه. وقد أخذ اسم ومكانة الطفل الذي سبقه. وولّد لديه ذلك إحساساً عميقاً بالذنب. يضاف إلى ذلك أن المرض العقلي كان منتشراً في عائلته بشكل وراثي. فأخوه”تيو” مات في المستشفى العقلي، وأما أخوه الأصغر فقد انتحر. وكذلك أمضت أخته سنوات عديدة في مستشفى المجانين. وبالتالي فالمسألة هنا وراثية بشكل واضح. ولكن بعد عودته إلى مدينة “اوفير” لم يكن هناك شيء يرهص بأنه سيقدم على فعلته تلك. وقد انخرط في رسم ثلاث لوحات رائعة قبيل موته بشهرين أو ثلاثة أشهر. ولكن ريشة الرسام كانت تسقط من يده في بعض الأحيان بسبب الإحباط والإعياء النفسي. وقال:”لقد رسمت مساحات واسعة من القمح تحت سماء مضطربة. ولم أتردد في التعبير عن الحزن الأقصى والحنين الغامض والوحدة العميقة”. ثم شحن مسدسه وأطلق طلقة في صدره. وهكذا انتهى واحد من أعظم الرسامين على مر العصور…
وأما سلفادور دالي فقصته مختلفة. فهو أيضاً كان مهدداً بالجنون طيلة حياته كلها. ولكنه عرف كيف يتغلّب عليه عن طريق التحدث عنه باستمرار. وهكذا “تداويت منها بها” كما يقول الشاعر العربي. فقد كان يقوم بحركات استعراضية أو مسرحية بهلوانية أمام الزوار، ويلوح بعصاه حتى ليكاد يضربك وأنت جالس أمامه، ثم يفتل شاربيه الطويلين جداً والمعقوفين كالمنجل بطريقة تهديدية تقريبا، ويحملق فيك بشكل مرعب، ويطلق صرخات مجلجلة ترعب الحاضرين. وهكذا استطاع أن يسيطر على جنونه عن طريق إطلاق العنان له لا عن طريق كبته أو إخفائه عن عيون الناس كما يفعل الكثيرون. كان يهذي كما يشاء ويشتهي أمام الناس ويعبر عن هلوساته بكل صراحة لكي يتحرر منها. وقد بلور هذه المنهجية الدفاعية الخاصة به دون غيره بعد لقائه بالدكتور جاك لاكان. ودعا هذه الطريقة: بالمنهجية البارونائية النقدية (أو الهذيانية-النقدية).وهي من أقوى المناهج في الإبداع الفني. وهي المسؤولة عن توليد لوحاته المذهلة. ونجحت العملية معه إلى حد أنه كان يقول: الفرق الوحيد بيني وبين المجنون هو أنني، أنا، لست مجنوناً!… ولكن الشيء الأساسي الذي نجّى سلفادور دالي من الجنون هو إبداعه بالذات، واعتراف معظم الناس بعبقرية لوحاته، وبيعها بعشرات الملايين من الدولارات. فبعد أن كان فقيراً مدقعاً أصبح من أغنى الأغنياء، وبعد أن كان مغموراً أصبح أشهر من نار على علم في كل الأوساط الفنية والأدبية. فلماذا يجنّ إذن؟ لقد وصل… وحماه إبداعه من السقوط في تلك الهاوية التي كانت تفغر فاها وتنتظره، هاوية الجنون. ومع ذلك فقد كان مضطراً لإظهار جنونه بشكل مسرحي لكي يتحرر منه. وهذا دليل على عمق الأزمة النفسية التي كانت تعتريه من الداخل، وكيف أنه اضطر لاستخدام كل الأسلحة لمواجهتها واتقاء شرها.
هكذا نجد أن العبقري يقع تحت ضغط قوى هائلة ومتناقضة فيما يحاول المحافظة على توازنه الهش من خلال إبداعه. ولكن لا ينبغي أن يذهب بعيداً أكثر من اللزوم في استكشاف لاوعيه أو في تحديه للظلمات المطموسة والأعماق المظلمة لداخليته الجوانية. فقد يدفع الثمن باهظاً: قد يجن أو ينتحر. وذلك لأن هناك خطاً أحمر لا يمكن لبشري على وجه الأرض أن يتجاوزه دون أن يُصْعق في أرضه. وقد عبّر أحد كبار المحللين النفسانيين المعاصرين “أندريه غرين” عن هذه النقطة بكل وضوح. وكان مما قاله: إن موت الفنانين المبكر أو انتحارهم يثير الاستغراب والتساؤل في معظم الأحيان. انه محاط بالغموض والأسرار. وأنا أدافع عن الأطروحة التالية: اعتقد أن الفنان الذي يتخطّى الحدود المسموح بها لمعرفة اللاوعي يدفع حياته ثمناً لذلك. صحيح أن الشاعر أو الكاتب بشكل عام يريد أن يغوص إلى أبعد مدى ممكن في أعماقه لكي يستكشفها، ولكن هناك حدود معينة لا ينبغي أن يتجاوزها، وإلا فإنه يدخل في الدائرة الحمراء للخطر. في الواقع إن جميع الأعمال الإبداعية الكبيرة ناتجة عن تلك القارة المظلمة المترجرجة القابعة في أعماق أعماقنا والتي يدعوها التحليل النفسي: باللاوعي. ولكن الغوص في أعماق اللاوعي يشبه الغوص على اللؤلؤ في أعماق البحار.فقد تخرج بالذهب المصفى.. ولكن إذا غصت أكثر من اللزوم قد تغرق كلياً ولا تستطيع أن تطلع إلى السطح بعدئذ. وهذا هو الجنون بعينه. وتخسر عندئذ اللؤلؤ ونفسك في آن معاً. فحذار إذن. حذار من المبالغة في انتهاك الأعماق النائية والأقاصي. وأكبر دليل على ذلك رامبو الذي ذهب إلى أبعد مدى ممكن في الاستكشاف الشعري فدفع ثمن ذلك باهظاً. لقد خاض كل التجارب الحياتية حتى اقترب من منطقة الجنون الأعظم وتوقف فجأة عن العطاء. بل ووصل به الأمر فيما بعد إلى حد التّنكر لشعره لكي يحمي نفسه منه. فهو يعرف إلى أين أوصلته المغامرة الإبداعية بعد أن رأى الخطر الأحمر بأم عينيه. وعندئذ نكص على أعقابه وتراجع. ولكن هل يمكن أن نلومه على ذلك؟ هل يمكن أن نلوم شخصاً وصل إلى التخوم القصوى التي ولّدت “القارب السكران”أو “فصل في الجحيم” و”الإشراقات”؟ من يستطيع أن يذهب إلى أبعد من ذلك؟ ربما نيتشه أو لوتريامون…ولكن نيتشه، الذي يمثل اكبر عبقرية فلسفية أنجبتها ألمانيا بعد كانط وهيغل، جن بالخالص. وبقي مجنونا احد عشر عاما حتى مات عام 1900 دون أن يستفيق من غيبوبته.وكان الناس يجيئون من كل أنحاء ألمانيا للتفرج عليه أو الانحناء أمامه دون أن يشعر بشيء.وهكذا نراه في الصورة مقعدا في أريكة بحواجبه الكثيفة وشاربيه الكبيرين الشهيرين الذين يغطيان نصف وجهه. صورة ولا أروع.. وأما لوتريامون فلم يتح له الوقت الكافي لكي يجن. فقد وجدوه ميتا في غرفته بالفندق وهو في الرابعة والعشرين..ولكنه كان قد ضرب ضربته الكبرى: أناشيد مالدورور..
لكن لنعد إلى رامبو. في الواقع إن شبح الجنون يتراءى خلف السطور في ديوانه: فصل في الجحيم. هناك حيث يقول: “الهلوسات لا عدّ لها ولا حصر…كنت متعودا على الهلوسات البسيطة: كنت أرى بكل صراحة مسجدا مكان مصنع، مدرسة طبول مصنوعة من قبل الملائكة، عربات خيول على دروب السماء، صالونا في نهاية بحيرة، الوحوش، المجاهيل، عنوان مسرحية هزلية ينتصب أمامي ويرسم أشياء مرعبة، مخيفة.
كل أشكال الجنون عرفتها – بما فيها الجنون الذي يسجنونه في المصحات العقلية- أستطيع أن أعددها كلها، وأمسك بالنظام جيداً. كانت صحتي مهددة. والرعب آتيا. نمت أياماً عديدة. وعندما استيقظت واصلت الأحلام الأكثر حزناً. كنت جاهزاً للمنيّة، وعن طريق درب الأخطار قادني ضعفي إلى التخوم القصوى للعالم والسيميريا: وطن الظلال والأعاصير…” (السيميريا هي منطقة تمثل أبواب الجحيم بحسب ما تقول الأسطورة، أو هي بلاد البرابرة الدمويين السيميريين).
كان ديوانه فصل في الجحيم، وبشكل خاص، ليلة الجحيم، يمثل تتويجاً سوداوياً مرعباً -وعبقريا- لحياته الشعرية. ويبدو أنه بكتابته له، بعد “الإشراقات” أو قبلها، وضع حداً لعبقريته ولتجربة حياته كلها. لقد وصل إلى التخوم النهائية ورأى كل ما يمكن أن يراه، فماذا بعد ذلك؟ لقد انتهت رحلة الرائي ولم يعد أمام رامبو إلا أن يصمت كليا. وأعطانا درساً بليغاً في احترام الشعر. لا ينبغي على الشاعر أن يكثر (أو يكرر نفسه) بعد أن يحقق فتوحاته الأساسية. ينبغي أن يسكت فورا أو يكتب شيئا آخر.. ويرى الناقد ايتيامبل أن إطلاق النار عليه من قبل فيرلين كان بمثابة رصاصة الرحمة التي أيقظته من غفوته. لقد استيقظ رامبو أخيراً من أجمل مغامرة شعرية عرفها القرن. كان ينبغي أن تطلق عليه النار لكي يستيقظ.. وهكذا عاد إلى بيته العائلي في نهاية يوليو/1873 وأكمل ديوانه “فصل في الجحيم” الذي كان قد ابتدأه في شهر أبريل من نفس العام. ويبدو أن أخته ايزابيل نقلت عنه هذه العبارة: لم أعد أستطيع الاستمرار. لقد أصبحت مجنوناً.. وهكذا انتهت الحياة الشعرية لآرثر رامبو، لكي تبتدئ حياة أخرى في حرار، والحبشة، واليمن، وبلاد العرب… وهي لا تقل تطرفاً استكشافياً عن المغامرة الشعرية ذاتها…لقد ظل شاعرا في كلتا الحالتين..