كيف ينظر الخطاب السلطوي لعامة الرعية؟

في الوقت الذي يخيل فيه للبعض أن التسلط حكر على الخطاب السياسي دون غيره من الخطابات الأخرى، يصادف المرء كلا من التسلط اللغوي، الذي يمارس العنف عبر الرموز والإيحاء، والتسلط الديني، الذي يوهم معتنقيه أنهم يمتلكون ناصية الحقيقة المطلقة وأن ما عداه من خطابات أخرى محض وهم وضلال…إلخ. ومن ثم يكاد استبداد الخطاب وتسلطه يتجلى في كافة الأصعدة ومختلف المستويات.

وبحسب ميشيل فوكو (ت 1984)، فليس ثمة سلطة واحدة، وإنما سلطات متعددة منتشرة فوق الجسد الاجتماعي بأكمله، وفي كل هذه السلطات، أو في داخلها هناك ضروب من المقاومة والنضالات المحددة. وهي حاضرة في كل مكان، لا لأنها تمتاز بتجميع كل شيء ضمن وحدتها التي لا تقهر، بل لأنها تنتج ذاتها في كل وقت وحين. وطبقا لرؤيته هذه، يجب اعتبار السلطة وما تستدعيه من مقاومة سمة كلية الوجود للتفاعل الإنساني.

والأمر ذاته، ينطبق بصورة أو بأخرى، على تسلط الخطاب عامةً والذي يوجد في كل مكان وقد ينشأ عن السعي وراء أي هدف كما يمكن تحليل استخداماته طبقا لأكثر الاعتبارات المساعدة والتقويمية تنوعا. ذلك أن تسلط الخطاب إنما يستتر– كمونا وظهورا- بين شبكيات العلائق الفردية والمجتمعية، كما ينزع دائما إلى الظهور مولدا حالة من الاغتراب تعد بمثابة النواة الأولية لكافة ضروب العنف والمقاومة.

فعلى مستوى الخطاب السياسي، نلحظ أن الغرض الأساسي منه ليس الإقناع والمجادلة، وإنما الخضوع والانصياع، وبحسب آلن غولد شليغر، يستلزم الخطاب السياسي السلطوي بنية هرمية لفهم معناه، ومن ثم فوحدها قمة الهرم السلطوي تحصل على المعنى الحقيقي والكامل، فيما لا تحصل القاعدة الجماهيرية إلا على انعكاس باهت له، وهكذا لا يبقى أمام الآخرين سوى أن يقبلوا بالعلاقة المحدودة التي تصلهم، أو ما تبقى لهم من فتات المعرفة!

وتبعا لتعدد أنماط السلطة وأشكالها تتعدد أيضا طرق اشتغال التسلط داخل بنى الخطابات والسلطات هذه. فالسلطة الدينية، وبصورة خاصة، يمتاز خطابها بالطابع الأحادي حيث لا حقيقة تعلو فوق رغبة مرجعيتها، الأمر الذي دفع فوكو لأن يقول ذات مرة: آه! لقد أصبحت الحياة الآن أحد أغراض السلطة! ومن ثم، يجب التخلي عن الطرح السلطوي لخطاب السلطة والذي تُنعت به أجهزة الدولة فقط وكأن الخلايا الاجتماعية الأخرى بريئة منه!

ومثل هذا التنظير الذي نتبناه هنا لظاهرة السلطوية في المجتمع إنما يرمي إلى التنقيب عن ينابيع البنيات السلطوية وعن السبل الكفيلة بالإصلاح: إصلاح البنيات العملية التي تهيكل العمل اليومي في جميع الفضاءات، ومن ضمنها الخطابات المناهضة والتي تسعى لإيجاد بديل لتسلط الخطابات المهيمنة. فكيف ينشأ التسلط الخطابي؟ وما مدى انعكاس ذلك في سياق تنميطه لفئات المجتمع وطبقاته العاملة؟ وما موقع الرعية من هذا الخطاب السلطوي؟ وكيف نشأ في المقابل من ذلك خطاب إنساني تميز به المتصوفة دون الفقهاء والفلاسفة في الفضاء الإسلامي؟!

واقع الأمر أن المتسلط يسعى دائما وأبدا لفرض آرائه/أحكامه على جموع الجماهير، وبدل أن تقاومه الأخيرة تسعى إلى التماهي/التآخي معه والإعجاب به والاستسلام كلية لإرادته المتسلطة في حالة من التبعية الشاملة. وفيما يُعظِمُ المقهورُ أمرَ المتسلط المستبد ينهار اعتباره لذاته، فلا يرى في الأول سوى نوع من الإنسان الفائق الذي له حق السيادة، ولا يرى لنفسه سوى فضيلة المهانة والخنوع!

ومن هنا، تبرز حالات الاستزلام والتزلف والتقرب، ويتحدد الاعتبار الذاتي انطلاقا من درجة القرب من المتسلط المستبد. كما لو أن الاستكانة والمهانة جزء من طبيعة العوام!! حيث تنغرس في نفسية الجماهير مشاعر الخوف والهلع، كحالة من عدمية الوعي التي خلفتها السلطة، كل سلطة قائمة. وفي كل الأحوال تظل مثل هذه الجماهير الغفيرة في حالة من السكون القاتل الذي يخيم فوق الرؤوس ولا تقطعه سوى فقاعات تمرد فردي، لا تلبث هي الأخرى أن تغيب، مخلفة ورائها مزيدا من القناعة باستحالة الخلاص! فكيف ينظر الخطاب الفلسفي والسلطوي للعامة؟ وما هي محددات وأسباب تلك النظرة ومآلاتها في دنيا الواقع؟!

يمكن القول: إن كلا الخطابين، الفلسفي والسلطوي، يعانيان من التمييز في النظر إلى الناس وعدم المساواة فيما بينهم. فعلى مستوى الخطاب الفلسفي، يكفي ما كتبه أرسطو في كتابه “السياسة” من أن الفطرة هي التي أرادت أن يكون البرابرة عبيدا لليونان، وأن الآلهة خلقت نوعين من البشر: نوعا رفيعا زودته بالعقل والإرادة، وهم اليونانيون بطبيعة الحال، ونوعا آخر لم تزوده الآلهة إلا بالقوة الجسمانية وما يتصل بها، وهم البرابرة، من غير اليونانيين. وأن الآلهة قد شاءت أن يكون التقسيم على ذلك النحو، ليسد البرابرة النقص الموجود عند اليونانيين، الأمر الذي يستوجب أن يظل هؤلاء عبيدا مسخرين لخدمة الجنس الأرقى، ذي العقل الرشيد!

وللأسف الشديد، ظل هذا الخطاب سائدا لفترات طويلة في التاريخ، متجليا في أشد الممارسات شوفينية، فعندما أقر الإسلام التقوى معيارا للمفاضلة بين الناس، كانت شريعة روما هي السائدة في بلاد الشام، وفي ظلها، كان الناس يُقسمون إلى أحرار وغير أحرار. والأحرار بدورهم ينقسمون إلى طبقتين: أحرار أصلاء، وهم الرومان، وأحرار غير أصلاء، وهم اللاتينيون. وهؤلاء بدورهم كانوا أربعة أنواع: الأرقاء، والمعتقين، وأنصاف الأحرار، والأقنان التابعين للأرض.

وفي السياق ذاته، كان الأحرار الأصلاء يتمتعون وحدهم بكافة الحقوق السياسية والمدنية، فيما يحرم غيرهم من مباشرة العمل السياسي حتى ولو كانوا أحرارا غير أصلاء! ومن ثم، طبع الخطاب اليوناني الفلسفي في ذهنية السلطة أن عوام البشر أخساء بالطبع وأنهم خلقوا من طبيعة ترابية بحتة، وأنهم أقرب إلى الأنعام، تُختزل حاجياتهم في المأكل والمشرب والتناسل ليس إلا! لدرجة أن كان اليونانيون ينفرون من الأعمال اليدوية وممن يقومون بها، ويرونها أمرا خليقا بالوضعاء من العبيد والإماء!     

ومع انتصاف القرن الثالث الهجري، تبلورت فئتان من مثقفي الإسلام شغلتا القرون اللاحقة وهما: المتصوفة والفلاسفة، وفيما كان الأقطاب يعبرون عن النهج الأشد تكاملا للتصوف في منحاه الاجتماعي والسياسي، كان الفيلسوف متعاليا على الخلق قريبا من السلطة بعيدا عن الناس في الوقت الذي يُفترض فيه للمثقفية الفلسفية أن تتلبس أرقى حالات الوعي الاجتماعي.

وفي المقابل، ظل الفقهاء والفلاسفة يعولون على سياسة التمييز بينهم كطبقة عليا في هرمية المجتمع الإسلامي وبين العامة من الرعية فيما استمر التصوف الإسلامي مرتهنا إلى هذا المسلك، التحيز للطبقات الدنيا، دون الفلسفة، ربما لأن الأصل المشائي الذي قامت عليه الفلسفة الإسلامية قد ساهم بدوره في إقصائها عن قضايا الجمهور، أو لأنها قد نشأت، في الأساس، وترعرعت في كنف السلطة ورعايتها. ومعلوم أن كل سلطة قائمة إما أن تنتمي إلى أنظمة الاستقرار السياسي، أو أن تبقى متسلطة فتنتمي إلى أنظمة الطفرة والتحولات الفجائية حتى على مستوى خطابها السياسي، ولا أدل على ذلك مما يسود الخطابات السياسية المعاصرة من تحقير للشارع العربي تارة أو كيل قصائد المدح فيه تارة أخرى. فما مصدر التسلط الذي يحكم علاقة ممثلي السلطة بالرعية في كل الأحوال؟

واقع الأمر أن مصدر التسلط إنما ينتج في الأساس بسبب أن عملية السلطة تفرز تناقضا في مصالح القائمين بها والمتعاملين معها. ومن هنا، يكون تسخير وتوظيف الأشخاص والمؤسسات التي تأسست بفعل وعي السلطة بذاتها، أو بفعل الوعي الفردي لمن بيده مقاليد الأمور. وبديهي أن يكون وعي السلطة منحازا لها لا يهمه بناء الدولة بقدر ما يهمه بناء السلطة، بل إنه يرى غالبا في بناء الدولة، كمؤسسات مجتمع مدني بلغة العصر، قيدا يقيد السلطة ويحد من صلاحياتها!وليس غريبا إذاً أن يحول مثل هذا الخطاب دون تبلور أية خطابات أخرى من شأنها أن تسحب بساط السلطة من تحت قدميه بل إنه يسعى لاحتكار الخطاب الإعلامي على سبيل المثال ليستحوذ بمفرده على المعلومة ويوظفها لصالحه.

فالوعي الفردي وعيٌ أناني بطبيعته يهدف أولا وأخيرا إلى تحقق مصلحته الخاصة، وهو لهذا السبب يختزل الدولة في السلطة فيتفنن في بنائها (بناء السلطة لا الدولة) وفي قوة مؤسساتها الاستخباراتية/الأمنية وفي مدى سيطرة رجالها وولائهم واستبدادهم بالرأي والمشورة تماهيا مع المتسلط والمنصب والجاه والسلطان. 

وليس غريبا كذلك أن يسود منطق الرعوية في فترات طويلة من التاريخ الإنساني حيث كان أغلب الملوك ينظرون إلى العامة إما باعتبارهم قطيعا من الغنم، أو باعتبارهم مصدر تهديد للسلطة القائمة. ومن ثم كانت فكرة الدولة تقوم أساسا استنادا إلى حاجة المجتمع للأمن، فكانت تعرف قديما بالدولة الحارسة. وفي سبيل تأكيدها لوظيفتها هذه استعارت السلطة العلاقة الحاكمة للراعي والغنم! وبديهي أن كل من يخرج عن حدود القطيع، تلك التي يرسمها الراعي بالطبع، تناله عصا الأخير وما أطولها وأقساها! 

وقد ساهمت الأدبيات السلطانية التي نشأت مبكرا في الإسلام، في تأكيدها وتأزيلها وتأبيدها مثل هذه العلاقة. ففي كتابه إلى الحسن البصري بشأن قول الأخير بالقدر، يقول الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان: “وقد عرف أمير المؤمنين أن الجمهور الأعظم والسواد الأكبر من حشو الرعية وسفلة العامة!!، ممن لا نظر له ولا روية هم أهل جهالة بالله وأهل قصور لضعف آرائهم ونقص عقولهم…يؤمنون بالقدر!!

بل إن ثمامة بن الأشرس، أحد أعمدة المعتزلة، كان يعتبر العامة “أنعاما”!! وهو قول ينم عن نظرة السلطة لرعاياها وكيف أنها، حتى وإن توددت إليها في بعض خطاباتها تحت ضغوط ما، لا تنفك تنظر إليها باستعلائية أو كقطيع لا يقوى على حراسة نفسه وليس له من نعمة العقل والرشاد أدنى نصيب!

 ففي نظرة السلطة لجموع الخلق ثمة مراتب ثلاث: إذ تنظر إليهم إما باعتبارهم مجرد أدوات، أو باعتبارهم مصدر عبء لا يطاق، أو باعتبارهم عقبة في سبيل تحقيق مصلحتها الخاصة. وغالبا ما تتعامل السلطة مع مواطنيها، ليس باعتبارهم كيانا مستقلا وإنما باعتبارهم مجرد أداة، أو عقبة، أو عبئا وحملا زائدا عن الحاجة.

فالناس/الأدوات، ليسوا في نظر السلطة سوى مادة رهن تصرفها، يتم التلاعب بهم وبمصيرهم لخدمة سطوة السلطة وتوطيد أركانها، أو تأبيد وجودها في صراعها مع السلطات الأخرى. فهم بمثابة وقود الحروب والمعارك يتلقون بدلا عن السلطان طعنة سيف أو ضربة رمح تحت دعاوى من قبيل الموت في سبيل الوطن! وهؤلاء دائما ما يزج بهم المستبد في الحروب أو يستخدمهم للترويج لعظمته وعلو مقامه، في مختلف عمليات التبجيل الزائف، ولا أدل على ذلك من توظيف السلطة للمثقفين والإعلاميين!

والناس/العقبة، هم من يمثلون مصدر الخطر والتهديد الحقيقي أمام كل سلطة قائمة، وليس بالطبع على كيان الأمة! وهم الذين يشككون في شرعية المستبد ومشروعية ممارساته. وفي المقابل تنظر السلطة للصنف الثالث، الناس/العبء، باعتبارهم شرائح زائدة عن الحاجة في مجتمع الخُمس، على حد تعبير مارتن وشومان، حيث يستحوذ خُمس السكان على معظم الثروات والخيرات ولا يتركون للأخماس الأربعة الباقية إلا الفتات!

هكذا تنظر السلطة لعامة الخلق كعبء لا يحتمل على قلبها، فتلك الكتلة البشرية المكررة دائما وأبدا، والتي لا لزوم لها بنظر السلطة، تضيق الأخيرة بوجودها فضلا عن مطالبها وحقوقها. ويكفي للتدليل على ذلك كيف تنظر معظم السلطات العربية إلى شبابها بهذا المنطق بدلا من أن ينظروا إليهم كفرصة سانحة لبناء المستقبل وكرصيد استراتيجي لخلقه وصناعته، باعتبار أن الموارد البشرية ورأسمال البشر يشكل 64% من عناصر الإنتاج والتنمية.      

ومن هنا يغترب المثقف “الأداة” عن ذاته وربما عن مجتمعه برمته! وبحسب آلفن جولدنر، تقف بعض العوائق حائلا دون تحقيق فرص أعلى للحراك الاجتماعيSocial Mobility لهؤلاء المثقفين، ممهدة لنوع من الاغتراب السلبي يتجسد، فيما يطلق عليه عبد الله العروي “الخبرات الضئيلة بالحياة العامة”، حيث يتعالى المثقف عن قضايا الشارع ويلوذ بقضايا السلطة أو قضاياه الفكرية مترفعا عن المشاكل الحياتية بدعوى تفاهتها، وذلك عين ما تريده السلطة للمثقف، أن يكون غير ذي صلة بقضايا الجمهور- باستثناء تلك التي يهمها الإطلاع عليها- ما دام يمتلك سلطة الهيمنة على العامة، وما دام يستقطب مستمعين ومريدين وأتباعا.

وهكذا تابع فلاسفة الإسلام مقولات أرسطو فراحوا يحذرون على المستوى النظري من الكلام في دقائق الفلسفة وعلم الكلام أمام العوام! في الوقت الذي توطدت فيه علاقة المتصوفة بالعامة وللدرجة التي صرح فيها أبو طالب المكي في كتابه “قوت القلوب” بأن الأبدال إنما انقطعوا في أطراف الأرض واستتروا عن أعين الخلق لأنهم لا يطيقون النظر إلى علماء العصر ولا يصبرون على الاستماع لمثقفي هذا الوقت، وأنهم يفضلون العوام على المثقفين لأنهم لا يموهون في الدين ولا يغرون المؤمنين ولا يدّعون أنهم علماء، إذا فهم (العامة) إلى الرحمة أقرب ومن المقت أبعد!

ذلك أن التصوف، بمنحاه المعارض للسلطة، الزاهد فيها، المترفع عن الرئاسة، والمتعاطف مع العامة إنما تشكل بوصفه نقيضا لسلطة الدين كما مثلها فقهاء السلطان، وقد استطاع المتصوفة أن يكونوا بمثابة الوعاء الذي ضم أرواحاً غير نخبوية في جعبته، كما أدى انفتاحهم وتفاعلهم وتسامحهم ونزعتهم الإنسانية التي يمتازون بها عن غيرهم، إلى تسرب التصوف وتغلغل مبادئه في النفوس على نطاق واسع، حتى شمل هذا التسرب طوائف كانت مهمشة في المجتمع الإسلامي، محتقرة على الأخص في الخطاب السياسي والثقافي، كالشطار والعيارين والفتيان، ممن لا حظ لهم إلا في التوبيخ ولا نصيب يخصهم إلا من التقريع!

وفيما كان فقهاء السلطة ومؤرخوها ينعتون العامة بأشد الألفاظ تحقيراً، وإلى الحد الذي قرر فيه الطرطوشي، في الحوادث والبدع، أن “تثقيف الرعاع فساد للدنيا وتفقه السفلة إفساد للدين”، وفيما كان فقيه السلطة مبتعداً عن الناس وشواغلهم بتعاطيه والسلطة القائمة، كان الولي قريباً من الله قريباً من الناس. وقد بالغ ابن مسرة الأندلسي في تثقيف العوام حتى بلغ فيهم مبلغ الحكيم في أمته، الأمر الذي أثار فقهاء السلطان ضده، إذ “ذعر أهل السنة وتوقعوا منه البلية”، فيما يذكر ابن حيان في المقتبس. ومن ثم، تآمروا عليه عند الخليفة الأندلسي وزعموا بأن له شبهاً بالمهدي وأنه يمثل خطراً على الدولة فأرسل في طلبه غير أنه مات في الطريق.

وفي الواقع، لم يكن خوف هؤلاء من أن ينال أولئك الرعاع، على حد تعبيرهم، حظاً من العلم، فقد كانوا في كل الأحوال يمثلون مرجعيتهم الدينية وقت أن يتعلق الأمر بفتوى سلطانية، وإنما كان جل خوفهم من طبيعة العلم الذي يلقيه الولي على مسامعهم وما يفضي إليه من نتائج تهدد طبيعة موقعهم في بناء السلطة وهرميتها، وما يتعلق بإعادة ترتيب القوى العاملة في الإسلام وفق الإلهام الصوفي. فكيف يقبل فقيه السلطة معطيات الولاية الصوفية وهي تسحب ثالوث السلطة والرفعة والمكانة من تحت قدميه وتقذف به تحت حذاء الولي؟! وكيف يقبل هؤلاء الخطاب الصوفي الذي يخاطب هؤلاء الرعاع قائلا لكل واحد منهم “وفيك انطوى العالم الأكبر؟!”.

وسرعان ما نشأ لاحقا ما يمكن تسميته بالخطاب الصوفي الشعبي، نظرا لارتباط المتصوفة بالأوساط الحضرية المسحوقة، وبالفئات الاجتماعية المهمشة، وبكل أولئك الذين لا يستطيعون التوصل إلى امتيازات الطبقات الميسورة (كالتجار، وملاك الأراضي، و”المثقفين” المرتبطين بممارسة السلطة أو المحميين من قبل الأمراء ونصيري الأدباء). وفيما بعد، تطورت علاقتهم بالطبقات الكادحة بعد القرن الحادي عشر الميلادي باتجاه ربطهم بالطبقات الخطِرة أو المعارضة، كجماعة الفتوة، والعيارين. وإن كنا لا نعدم وجود طبقة صوفية أرستقراطية، والتي على خلافها، راح الحلاج يختلط بالناس ويعاشر أبناء الدنيا، ومن ثم استشعرت السلطة خطره فقتلته أشر قتلة.