لائكية ساركوزي “الايجابية ” وإسلام الأقبية في فرنسا

لمّا زار الرئيس الفرنسي في 20 ديسمبر 2007 قصر لتران بالفاتيكان أسند اليه رسميا لقب عميد شرفي لبازيليك القديس يوحنا دي لا تران فاستعاد بذلك ” الرباط الخاص الذي كان قرانا طويلا بين الأمة الفرنسية والكنيسة الكاثوليكية ” . فهل أن الرئيس الفرنسي مرشح لتقمص عباءة أسقف فرنسا الأول وحامي ملتها الكاثوليكية رغم كل التنوع العرقي والديني الذي هو بعض من ماضي فرنسا ومستقبلها ؟ وهل يلبسها أيضا عندما يشتم شباب الضواحي ويصفهم بالحثالة ؟ كيف يمكن لكل هذا ان ينسجم مع ما يسميه بنفسه”السياسة الحضارية” واضعا تحت هذه التسمية جميع ما يتفق حوله كل إنسان سوي و هو مفهوم أخذه من كتاب للمفكر الفرنسي ادجار موران يحمل نفس العنوان . هل لديه كما تساءل البعض “بنية فكرية محدّدة يختصّ بها في موضوع شائك وإشكالي كالعلاقة بين الدولة والدين؟

للإجابة عن هذه الأسئلة وغيرها سننظر في بعض أفكار هذا الرجل المتصلة بمسالة العلاقة بين الدين والدولة.فقد اقترح سنة 2004 في كتاب ألّفه وهو وزير للداخليّة إعادة النظر في قانون 1905 الذي أقرّ فصل الكنائس عن الدولة، حتى لو سببت إعادة النظر هذه إحراجاً لدعاة العلمانية وللسلطات الدينية التي تفضّل الإبقاء على الوضع القائم. ويعتقد ساركوزي أن قانون فصل الدين عن الدولة غير مصيب عندما يسمح للدولة بتمويل إنشاء ملعب كرة قدم، أو مكتبة، أو مسرح، أو بيت حضانة، ويمنع الدولة من المساهمة في سدّ حاجات تتعلق بالدين ولا سيّما بإنشاء دور للعبادة لذلك يدعو إلى إيجاد مخارج قانونية تتيح للدولة وللبلديات المساهمة مادياً في تشييد دور للعبادة كلّما دعت الحاجة الماسة إلى ذلك.

وما إن وصل ساركوزي الى قصر الاليزي حتى جعل من أفكاره وزيرا للداخلية جزءا من سياسته فالرجل لم يعد يتحدث مثل أسلافه عن اللائكية الجمهورية بل صار يتحدث عن اللائكية الايجابية . فتحدث الرئيس في 20 ديسمبر 2007 في الفاتيكان عن “الجذور المسيحية لفرنسا.. وضرورة أن تلعب الديانة الكاثوليكية والتيارات الروحية الأخرى دورا في إرشاد المجتمع في اختياراته المستقبلية لغياب القيم مع التغيرات السريعة التي حدثت بالمجتمعات المتقدمة”.

وأفاض الحديث في السعودية أمام أعضاء مجلس الشورى في 14 يناير 2008 عن المؤمنين بالديانات كحامية من “الضلال” والإرهاب. و”أن الله لا يستعبد البشر بل يحررهم” وقال “قد لا يؤمن المسلمون واليهود والمسيحيون بالله بنفس الطريقة. قد لا يعبدون الله بنفس الطريقة ولا يصلون له ولا يخدمونه بنفس الطريقة. ولكنّه فعلاً نفس الإله الذي يوجّهون إليه صلواتهم. إن الإيمان والأمل نفسيهما هما اللذان يدفعانهم إلى تحويل أنظارهم وأياديهم نحو السماء من أجل طلب رحمة الله. هذا هو إله التوراة والإنجيل والقرآن. الإله الوحيد في ديانات الكتاب. الإله العظيم الحاضر في فكر كلّ إنسان وقلبه. الإله الذي لا يستعبد الإنسان بل يحرّره. الإله الحامي من الأنانية المفرطة وجنون البشر. الإله الذي يعلو كلّ الاختلافات ولا يكّف عن بثّ رسالة تواضع ومحبّة إلى كلّ البشر ورسالة سلام وأخوّة وتسامح واحترام.

وأعاد في 18 جانفي 2008 عند لقائه بسفراء الدول الأجنبية بباريس قوله بصورة جديدة إذ أشار إلى أن البشرية تواجه تحديين كبيرين هما البيئة وعودة الدين لجلّ المجتمعات. “وأن المفهوم الذي يتصوره للعلمانية يعطي مكانة للدين بشكل ايجابي”. ولا يخلو حديث الرجل من تناقض مع واقعه الشخصي ( فهو مطلق مرتين وهو ما ترفضه الكنيسة) ومع واقع القوانين الغربية عموما وهي قوانين تتنافى مع مبادئ الكنيسة في مسائل من قبيل الإجهاض والمعاشرة دون زواج ناهيك عن قانونية الزواج بين شخصين من ذات الجنس وتشريع الموت الرحيم الذي يتطور في اتجاه إقراره حقّا لمن يطلبه عند المعاناة الشديدة وغياب إمكانية الشفاء.

لذلك لم يتأخر رد فعل المثقفين الفرنسيين الذي عبّروا عنه في العريضة الاحتجاجية التي جمعت إلى تاريخ 20 مارس 2008 ما يناهز الـ 139 ألف توقيع تحت عنوان «لننقذ علمانية الجمهورية الفرنسية “. وقد لخص هذه المواقف إيفن كينيو ، أستاذ الفلسفة في مقال نشر بجريدة “لو مند” الفرنسية بتاريخ 28-12-2007، معتبرا فيه تفسير ساركوزي لللائكية تفسيرا معكوسا.إذ أنّ وظيفة اللائكية بالنسبة اليه لا تكمن في تحرير المعتقدات أي في تشجيع انتشارها، بل تكمن في التحرر من المعتقدات المتمأسسة التي تسعى إلى فرضها مختلف الكنائس بشكل أو بآخر. فاللائكيّة إذ تستند إلى العقل فإنّ من واجبها تكريس التفكير النقدي وملكة التمييز الحر لدى كل فرد بشكل يجعله يضع مسافات بينه و بين مضامين الفكر الديني التي تدعي الانفلات عن الحوار العقلاني و التأسيس لشرعية مقامة على مصدر استعلاء لا يخضع إلى الذكاء البشري الدنيوي مؤكدا ان هذا التمشي لا يحول البتّة دون وجود معتقدات دينية ودون قبولنا إيّاها، على شرط أن تكون تحت رقابة العقل الإنساني : أي أن تكون معتقدات غير متنافية مع المكتسبات العلمية والأخلاقية لهذا العقل وأن تكون قد تخلّصت من مظاهر الغلو اللاعقلاني الذي اتسمت به في الغالب.

وبغض النظر عن رأي هذا الفيلسوف وعن النعرات القومية التي يبدو معها ساركوزي كما لو أنّه يسطو على أفكار اليمين المتطرف وما يمكن أن يراه أنصار الإيمان في كلامه من معالجة لما يسمونه بالعقلانية المتطرفة وبالخواء الروحي التي تعيشه المجتمعات الحديثة ، وبعيدا عن الصراع الفرنسي- الفرنسي فإنّنا وفي خضم الجدل الذي نعيشه في البلاد العربية بين أنصار العلمانية وخصومها لا بد ان تثير فينا أفكار هذا الرجل الذي ملا الدنيا وشغل الناس رد فعل أولي دون ادعاء الإجابة النهائية عن السؤال المرتبط بمدى امتلاكه لبنية فكرية محدّدة خاصة في موضوع شائك وإشكالي كالعلاقة بين الدولة والدين .

فلاشك ان كلام رئيس الجمهورية الفرنسية لم يأت اعتباطا فالرجل لم يقل شططا ولم تصدر أفكاره عن السلوك الفضائحي والاستفزازي الذي يتهم به لان المشكلة التي يطرحها تنبع من قضايا حقيقية لا بد من مواجهتها وهي بعض من إرث فرنسا اللائكي من جهة وتاريخها الاستعماري من جهة أخرى ومنها مشكل الإسلام السياسي في فرنسا .

لقد وجد الإسلام في فرنسا نفسه أسير قانون اللائكية الذي يمنع الدولة من المساهمة بأي شكل من الأشكال في تمويل أي مشروع ديني فترتّب علي ذلك انتشار المساجد العشوائية للصلاة تحت الأرض، في الأقبية وفي السراديب وفي مواقف السيارات. وهو وضع يمكن أن يفجّر حالة من الغضب لدى الشباب الفرنسي المسلم الذي يعاني حسب ما جاء في تقرير جي مجدولند، المكلفة من لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة في سبتمبر2007، من العنصرية وعدم تكافؤ الفرص وعدم الاعتراف بحقوقهم المشروعة في إعلان هوياتهم الثقافية المتميزة، كاستخدام لغاتهم القومية أو ممارسة معتقداتهم الدينية… والاعتراف بها من قبل قوانين الدولة الوطنية.

فهم يعانون من التفرقة والعنصرية ممّا ولد لديهم شعورا عاماً بالإحباط والمرارة والرغبة في الانتفاض. فقد عبّر لها معظم الشباب الذين التقت بهم عن حجم الإحساس بالخديعة وعن اعتقادهم أن الدولة الفرنسية لم تكن علي موعدها أو وعدها معهم، وأن علاقاتهم مع الرموز السياسية في البلد تقتصر علي فترة الانتخابات، وما إن يتم تعيين هذا المسؤول في هذا المنصب أو ذاك؛ فإنه يختفي وينسي أبناء هذه الضواحي المعذبة المسكونة بالتذمر وهذه الأماكن المغلقة التي تعصف بها البطالة عصفا. ومن المعلوم أن بعض الأماكن التي يتركز فيها وجود الفرنسيين المسلمين من الأصول المهاجرة تبلغ نسبة البطالة بها حدود الأربعين في المائة وأكثر. ولا يعود ذلك إلى أن هؤلاء غير قادرين علي العطاء أو لأنهم لا يبحثون عن عمل؛ ولكنّه وضع يرتبط في كثير من الأحيان بلون بشرتهم أو الاسم العائلي الذي يحملونه، أو الديانة التي يعتنقونها.فهذه الضروب من التمييز تجعل منهم محل رفض، أو تشكيك، وتحرمهم من فرصة الحصول علي العمل.

وفي هذا الإطار العام اتّخذ رد فعل الشباب الفرنسي المنتمي إلى عائلات مهاجرة من بلدان إسلاميّة في كثير من الاحيان شكل التعبير الديني من نوع لبس الحجاب والإقبال على الصلاة وكأنّهم يقولون بذلك للفرنسيين نحن الآن هنا أقل غربة بل لكأننا في بلاد الاسلام ممّا جعل بعض رجال الدين المسيحيين يصرخون متسائلين لماذا تقفر الكنائس وتمتلئ المساجد أو ما يشبه المساجد.

وإذا قصرنا نظرنا على دور العبادة الحقيقية فان الدولة الفرنسية لا يمكنها إلّا أن تنظر بعين الرهبة والتوجس الى ارتهان الاسلام إلى بلدانه الاصليّة.اذ تشيع بين مساجد فرنسا مسألة الولاءات للطوائف أو البلدان الأجنبية؛ حيث يعرف مسجد باريس على سبيل المثال بتبعيته غير المباشرة إلى السلطات الجزائرية، فيما تعرف مساجد أخرى بولائها للمغرب أو لبلدان خليجية.

وعلى الرغم من أنّ الثورة الفعلية التي تضمنتها قوانين العام 1905 أعطت في مادتها الرابعة “للكنائس” سلطة تنظيم نفسها كما ترغب بحيث اكتسبت الأديان للمرة الاولى في التاريخ الملكي والجمهوري استقلالاً تاماً في وجه السلطة المدنية، فإنّ هذه الفكرة تبدو اليوم وكأنها عاجزة عن احترام مبدئها في عدم التدخل رسمياً في شؤون الاديان الداخلية.

وتشير جميع الدلائل إلى أنها ستكون في المستقبل مجبرة بشكل أو بآخر على أن تواجه مشكل الإسلام لديها بجميع استتباعاته السياسية وأن تخرج من موقف المتفرج.ويبدو ذلك واضحا في الاقتراح الذي تقدم به ساركوزي نفسه بسن تشريع استثنائي لا يأخذ في الاعتبار مستلزمات قانون 1905 وقيوده من أجل مساعدة المسلمين على بناء دور للعبادة على أن يغلق باب الاستثناء بعد ذلك. فمثل هذا الإجراء، في رأيه ، يحمي فرنسا من التدخّل الخارجي في ما يتعلق بالمسلمين و هو يعني بالتدخل الخارجي إقدام بعض الدول العربية على التبرّع لمسلمي فرنسا حتّى يتمكّنوا من بناء الجوامع. ولا شكّ أنّ الدولة الفرنسية تبدي انزعاجا شديدا من ذلك لأنه يضع بعض المجموعات الإسلامية الفرنسية تحت تأثير الدول المانحة وعلى أكثر من صعيد. ولا يخفى على أحد هنا أن المسالة ليست مجرد سياسة أخذ باليد ومرافقة مادية بل إنّ وراءها منطق الاحتواء والمراقبة الأمنية.

وهذا ما يؤكد انّ مسألة اللائكية اليوم ،حتّى في بلد مثل فرنسا، ليست بالأمر البسيط. فالدولة العلمانية لا تقرّ قوانين وتتّخذ إجراءات إدارية بمنظور ديني أو لمصلحة طائفة من الطوائف لتفتح بذلك ولا ريب الباب واسعا أمام الحرية ولكن الأمور لن تكون في المستقبل بمثل هذه البساطة لان هناك قضايا مستحدثة وعقدا ستكون مطالبة بحلها.وسيفرز ذلك طمسا للحدود بالرغم من الطابع المتشدّد للائكية فرنسا بين سياسة المواكبة والتوسّط والمساندة الدينية التي تتّخذ أحيانا شكل الموعظة الروحية وأحيانا أخرى شكل مغازلة العواطف المؤمنة ، وبين حاجات الدولة إلى المحاصرة والمراقبة والإخضاع حتى ولو كان ذلك على حساب صفاء المقولة اللائكية.

ومن البيّن أنّه إذا كان رفض الدولة المدنية الانضواء تحت سلطة أية ديانة محددة او خدمة اية عقيدة معينة مما يمثل جوهر العلمانية فان هذا الرفض ليس بالأمر السهل بل على عكس ما يتصوره العلمانيون المبسّطون للأمور إلى أبعد الحدود مسالة معقدة تثبت الوقائع أنّها رهينة الظروف والملابسات وخاضعة لمبدأ علاقات القوى واستراتيجيّة الهيمنة.ولعلّ ساركوزي، رغم طابعه الاستفزازي، قد تفطّن لذلك وما نظنّه في كل هذا يعبر عن حاجة أو رغبة شخصية بل يصدر عن معضلات حقيقية يضعها أمامه الإسلام السياسي في فرنسا ويضعها أمام غير فرنسا من الدول اللاديقراطية التي تخشى أي حديث عن اللائكية لانّ مشكلتها لا تكمن في إرساء دعائم الدولة المدنيّة المتخلّصة من ربقة الدّين بل تكمن في استعمال الدين وتوظيفه ومراقبته من اجل تكريس استبدادها بتعلّة مقاومة ما تسميه الإرهاب حقا وباطلا .

-*جامعي من تونس، باحث في الأديان المقارنة

-*للاطّلاع على زاوية أخرى للموضوع ينظر حميد زناز: هل انتخب ساركوزي ليقضي على العلمانية في فرنسا؟

{ (التحرير)}