الفن يشتهي الحياة والتاريخ يعيقها

1

 الفن ريح شغف تخترق عظام التاريخ، تنبثق من الجهة الأخرى للحلم، يظل التاريخ ركاما من أحداث وأسماء وبرك دم وصرخات الفن يتجاوزه ويؤثث المخيلة بالأزاهير والجمال وفتنة اللذة، يحتفي بالجسد والروح ويقيم مآدب للجمال المهدد..ولكن بم يحتفي التاريخ؟؟بالموتى – حتما -والفاتكين وجغرافيات الألم البشري، يحتفي بالجماجم والسيوف والسم والمكيدة…
 يعمل الفن في الجهة المضادة للتاريخ، يخترق طبقاته وينضو عنه رداء القداسة، يفكك مادته   متداخلا مع مستويات الزمن المعاشة والمحلوم بها، يبقى التاريخ جثة مبهرجة ببريق الذهب والأكاذيب بينما يختض جسد الفن بالرؤى والرغبات وتجليات الجمال، وينجز تمرده على قداسة التاريخ الزائدة عن حاجة البشر ،هذا ما تفصح عنه فنون سومر وأثينا وروما وبابل والمكسيك والهند والصين  ..
الفن يشتهي الحياة، مقولة نيتشه، هو الذي قال أيضا الحياة امرأة…هل نصدقه؟؟ لم لا(وإن أتى ذلك في إطار طرحه المضاد للأنوثة) مقابل ذلك قد يمكننا القول: التاريخ يشتهي الموتى، هو كائن نيكروفيلي، بما أن الفن يشتهي المرأة التي هي تجلٍ حقيقي للحياة وليس مجازا لها كما يقدمها نيتشه في نقده للبنى الأبوية في الميتافيزيقا والدين – المرأة مجاز نيتشوي للفن والحياة والحقيقة، وهو استخدام للمجاز يفصح عن عداء مستحكم للمرأة من جهة ومتناقض مع مواقف نيتشه من الأنوثة من جهة ثانية..

أين الرجل بين الفن والحياة والحقيقة وتجلياتها المتملصة والسائلة كما يقدمها نيتشه؟؟

الفيلسوف اوسوالد  اشبنغلر يوضح لنا ما حجبه نيتشه : (الرجل يصنع التاريخ )- أي الحروب – دينية كانت أو سياسية – فالتاريخ ذكوري والدين ذكوري وكلاهما يقصي المرأة بعيدا إلى عالم الطبيعة الذي تعده القيم الذكورية أدنى مكانة من المطلق الذي يتبناه خطاب الذكورة،إنما تمثيل المرأة  للطبيعة يعينها في الرد على التاريخ – الرجل – الحرب –  فهي تديم الحياة ومفردات الحضارة بابتكار( الفنون  وأغاني الحب والرقص والنسيج وحفظ الغذاء) لكن سرعان ما  تدمر حروب الرجال  هذه المنجزات  ..

يعود اشبنغلر ليعدل منظوره للتاريخ وعلاقة الرجل والمرأة به، متقاطعا ومناقضا رؤيته عن كون المرأة تمثل الطبيعة، ينفيها عن مهمة مواجهة التاريخ فيقول ( الرجل يصنع التاريخ والمرأة هي التاريخ ) ليجعلها غاية الفعل الذكوري التاريخي وهدفه – أي المقتولة والسبية- مادة الحدث العنفي وما يصاحبه من اغتصابات ومحو للوجود الأنثوي وتكريس عبودية المخدع ونظام القنانة الجنسي..

يوضح اشبنغلر في تناقض لاحق:( تاريخ الرجل يضحي بتاريخ المرأة من أجل ذاته ولذا تحتقر المرأة ذلك التاريخ الآخر:أي سياسات الرجل التي تخطف منها زوجها وأبناءها على دويّ المدافع وصيحات المعارك) ويضيف ( إن المرأة عرافة بالفطرة، ليس لأنها تعرف المستقبل، بل لأنها هي المستقبل).

إذن فاعل التاريخ وصانعه الدموي، يوقع الفعل بالنتيجة على المرأة – المستقبل، وكل فعل عنفي ذكوريّ يستهدف المستقبل بل يفضي إلى قسر الإنسان للتلبث في الزمن الساكن ليس التاريخي حسب –بل الماورائي المثقل بالخرافة والعجز والبلادة ويعطل المخيلة الإنسانية عن ابتداع الجمال – الفن ..

والفن الذي هو إيحاء ووعد بالحرية، يتجه مباشرة إلى المستقبل إذا ربطنا بين تناقضات الفيلسوفين على نحو منطقي (الفن يشتهي الحياة والحياة امرأة والمرأة هي المستقبل والمستقبل نقيض التاريخ والتاريخ مضاد المرأة ) إذن الفن هو النقيض الأساسي للنشاط العنفي التاريخي وقوى الذكورة البدائية التي لم تترجل عن جياد الغزو ولم تلق سيوفها ولم تتوقف عن سبي النساء واغتصابهن حتى لحظتنا الراهنة..

2

أن يكون لشعب مّا تاريخ طويل تهاوى اثر هزائم وانتكاسات، فذلك يعني وجود جرح روحي عميق يدفع به للانغماس في توهمات طفولية وهوس مرضي في عشق الماضي الذي يمثل له ملاذا من عدم تواؤمه مع الحاضر وعجزه عن تمثله، فحين يرتمي شعب مّا في حضن – التاريخ ويتوقف في دائرة موصدة على معطياته، ينتهي به الأمر إلى أن لا يرى من الزمن غير صورته المقلوبة في مرآة الماضي المحدبة وما يؤثث ذلك الماضي من شخوص وأوهام وعنف وحروب ومحرمات..

وتؤمن الشعوب المستغرقة في عبادة تاريخها بأنها وحدها مالكة الحقيقة، أما الآخر فهو مطرود على هامش حقيقتها المتوهمة، هذه الشعوب يثقل وعيها الزمن الساكن وتنوء بحمل أوزار الماضي وتراث النزاعات القديمة بين الدول والإمبراطوريات الغابرة والطوائف فتعامل الأسباب والنتائج بمعيار الثنائيات أبيض وأسود وخير وشر وجحيم ونعيم وتحظر بل تحرم مناقشة عقائدها المتصلبة

وتستعيد عبر استحضار ذكراها شهوات الثأر البدائية وتؤسس عليها مواقف راهنة تعيق تعاملها مع الحاضر ومتغيراته وتسير بالمقلوب عكس اتجاه الزمن التقويمي..

وتتعزز لدى الشعوب المفتونة بالتاريخ نزعة الزهو بالقوة والغزو وتمجيد الأسلاف وتقديسهم،فتفرض على المجتمعات  تقاليد أولئك الأسلاف وترغم الجموع على اقتفاء خطاهم – لأنهم من اصطفتهم   السماء دون سواهم -مرسخة للعبودية  والوهم التاريخي القائم على ميراث طويل من الاستبداد.

التصريح بأفضلية قومية أو عرق أو دين أو طائفة موقف عنصري يبقي على وضع متخلف لمجتمع ما ضمن أطر ما ورائية محض تتضاعف مؤثراتها وهيمنتها على مفاصل الحياة وملاحقة المخيلة الإنسانية ومعاداة الفن.  فتحارب هذه العنصرية الفن و النساء معا وتجرم الفنانين والمبدعين ويصبح الفعل الإبداعي وظهور المرأة ومشاركتها في الحياة العامة.

هدف حروبها المعلنة وهي تلوذ بموروث غيبي يقول بتحريم الرسم والتماثيل والرقص والموسيقى والسينما وتعمل علانية على تدمير النصب والتماثيل والأعمال الفنية – كما حدث في بغداد خلال السنوات الثلاث الماضيات – إذ نسف المتشددون تمثال أبي جعغر المنصور،  ودمروا تماثيل لموضوعات جمالية أو تراثية بدعوى كونها أصناما حرمها الإسلام، وشاعت دعوة بين صفوف محترفي الفتاوى لإزالة المتاحف وتدميرها تماما لأنها تبجّل عصورا وثنية لأقوام كافرين!! بل حطمت تماثيل علماء ومفكرين، وقام متشددون في البصرة بتحجيب تماثيل حوريات البحرـ اللائي يحطن بنافورة في إحدى الساحات ـ بخرق اللافتات السود وحطموا أذرعهن ونهودهن، وهشم  الأصوليون  يد  تمثال أبي نواس التي تحمل كأسا  في شارعه المطل على دجلة وكسرت أجزاء من تمثال شهرزاد وهي تروي حكاياها  لشهريار على شاطئ دجلة في شارع أبي نواس ذاته  ..

يكره الأصوليون المرأة في العلن ويلاحقونها ويهدرون دمها فوق المنابر ويقتلونها مجازا في التماثيل واللوحات، بينما يعاشرونها سرا وينشغلون في فقه النكاح وتنظيمه وإباحته وتيسير المتع للذكور المحاربين والمجاهدين في الحياة وما بعدها، ويحتل هذا الموضوع خطبهم وفتاواهم وكأنه شاغل الأمة الأساس وأيدلوجيتها وهدفها الوحيد من الوجود..

لقد أسس النظام الشمولي السابق في العراق لشكل من أشكال العداء المعلن بين الفن والتاريخ، واحتقر الفن الحديث وسخر مسؤولو ثقافته الرسمية من الفنون الحديثة حتى أمر احد وزراء الثقافة برفع جميع الأعمال الفنية ذات المنحى الحداثي من متحف الفن الحديث ووضعها في أقبية المتحف حيث طالها التلف وتناهبتها السرقات..

وفي عقد الثمانينات من القرن الماضي خلال الحرب العراقية الإيرانية التي عدها النظام حربا مقدسة بوجه تاريخي استعاد عبرها أسماء قواد معركة القادسية التاريخية ومدوناتها وترافق معها نهوض السلفية ومهادنة السلطة لجماعات التشدد الديني – صحونا ذات يوم على التماثيل الرائعة التي تزين الساحة الأمامية لمعهد الفنون الجميلة العريق في بغداد وقد كفنت أجسادها العارية بقطع من القماش الأبيض ولبثت محجوبة على مدى أسابيع – فالعري يرعب السلطة بقدر ما يرعبها الفن- ثم جرى تحطيمها ذات صباح بالمعاول وفوجئنا بنصب تماثيل خشنة بنسب مختلة أو مبالغ فيها تعود لشخصيات تاريخية بعمائمها وعباءاتها وسيوفها المشهرة فتحولت ساحة الفن والرؤى الجمالية إلى ميدان حرب..معركة مبكرة بين الفن والتاريخ في بغداد أزاح فيها ذكور الحروب والفتك تماثيل النساء الجميلات ورموز الحياة وربات المعرفة ولحظات العشق التي جسدها النحاتون الشباب ليقيم التاريخ الرسمي المتحجر سلطة الحرب فوق أشلاء الفن و الحياة..

3

إن شقاء الشعوب المتأرخنة – إن جاز لنا التعبير- هو ذاته شقاء الكائنات المدجنة المسروقة من زمنها، فالتاريخ عبء الأمم المهزومة التي تجهل التعامل مع المعطى الثقافي الحي لذاكرة مبدعيها وفنانيها.وتعوضه بالتقديس الدوغمائي المفرط لجوانب التاريخ الصمّاء ورموزه البشرية العنيفة وتعيش في ظلال لأسلاف والموتى مكررة نمط حياتهم في محاولة يائسة لمسخ الحاضر وتحويل مساراته إلى الحقب التاريخية الآفلة..

الشعوب السعيدة لا تاريخ لها – هذه عبارة مونتسكيو- فهي شعوب تحيى الزمن في مدى الراهن وترنو إلى وعد الغد ولا تلتفت قط إلى الوراء وقد نجت من لخضوع للمثال وتقليده، فلا تقلد سوى أحلامها المتحولة إلى صياغات فنية وإبداعية..

والشعوب الحية تتبني خلاصات التاريخ وقيمه الثقافية لكنها تواصل صيرورتها – مستفيدة من وهم الفردوس التاريخي لتشكل منه حلم المستقبل عبر الإبداع الفني، دون أن تجعله قيدا أو عائقا لتعاطيها مع العصر وفنونه..وتدرك الشعوب الحية أن التاريخ – ما هو إلا سجل وقائع يكتنفها الغموض والتلفيق وفيها قدر هائل من الأحكام الشخصية ووجهات النظر المنحازة المحكومة بالدوغما-والتسييس المفرط وتمجيد  القتل والاحتفاء  بالسبي والإبادة التي تتخذ طابعا مقدسا ذا نفحة سماوية ، بينما يبوح الفن بما يتجاهله التاريخ ويخفيه مدونوه  ،هي معركة بقاء بين عبدة الماضي من جانب والشغوفين بالجمال والحلم من الفنانين والمبدعين الذين يعتنقون المستقبل ويحبون النساء  لأنهن يجسدن فكرة المستقبل المضادة لتاريخ الحروب..

 وتعرف هذه الشعوب أن أبطال التاريخ الذين أحيطوا بهالات القداسة لم يعد لهم موقع إلا في المتاحف والمقابر، وتعرف مقابل ذلك أن الفن يشتهي الحياة – كما قال نيتشه – أو أن الحياة تشتهي الفن الجميل لأنه الحراك الإبداعي للمخيلة والتعبير الأسمى عن نزوع البشر للتقدم لإثرائه الخبرات الإنسانية وفتحه آفاقا غير مسبوقة أمام المخيلة وتطور الإبداع واقتراحه سبلا للتواصل والتفاهم بين البشر تعجز عنها الأيدلوجيات المتشددة والحركات السياسة الفاشية النازعة إلى قتل المختلف..

الجدران الكونكريتية التي ظهرت في بغداد بعد الاحتلال وفرضت واقعا عنصريا يقوم على معطيات سياسية وديموغرافية، قطعت أوصال المدينة وأعاقت تواصل البشر مما عزز الفصل الطائفي والعنصري، هذه الجدران البشعة المهيمنة على حاضر الحياة، تصدى لها مقاومون من نوع فريد، فنانون شباب يقومون برسم جداريات شاسعة على كثير من هذه الحواجز العنصرية التي تعزز الكراهية وتاريخ العنف، محولين لون الرماد إلى مهرجان لوني وبيان بليغ لإعلان سلطة الفن،  مذكرين المارة والعابرين اللامبالين وسواهم بأن قبح الحرب معرض للزوال لانتمائه إلى تاريخ القتل، بينما ينتمي الفن – وهو يثير أسئلة الجمال والأمل وسط الخراب- إلى الحياة وديمومتها..