
في مطلع القرن الخامس عشر(1401) تقابل المفكر العبقري ابن خلدون مع الحاكم الجبّار تيمورلنك على مشارف دمشق في مهمة هي أقرب للتفاوض الديبلوماسي.هذه المقابلة مازالت إلى اليوم تثير الجدل بين ُمبرّر ُمتفهّم لما أتاه العالم- السياسي والخبير بالمفاوضة وبين مُخوّن ومشهّر بما أقدم عليه عاشق البلاطات والسعايات . ينعت البعض – وإلى اليوم- ابن خلدون بـ”خائن بني جلدته” والمتنكر ”لجنسيته وقوميته ”والحال أنه عصر ذاك لم تكن هناك نظرية قومية يمكن أن نحاسب على أساسها ابن خلدون ولا وجود لتصنيف جنسياتي لرجل عاش وانتسب إلى ممالك وبلدان عديدة مثل الأندلس وفاس وقلعة بني سلامة وقلعة بني حماد وتونس والقاهرة ودمشق . إنّه الإسقاط التاريخي والإيديولوجي لنعوت ومفاهيم وإدراكات معاصرة على واقع تاريخي غابر له سياقاته وإحداثياته دون أية مراعاة للتنسيب الزمني والظرفي.
قد نجد العذر لمثل هذه الإسقاطات سواء كانت مقصودة أو عفوية فمبرّرها هو عزّة ” الانتماء القومي التي تظل محمودة طالما لم تفض إلى” شوفينية” متوترة.
وأغلب الظنّ أنّ الإسقاط تولّد عن الإفراط واستفحال ”لعبة ” التجنيس اليوم.
دعيت في أواخر شهر ماي 2007 بالعاصمة الفرنسية لحضور حفل عشاء بمناسبة حصول ” باحثة ” تونسية على الجنسية الفرنسية .والحفلات من هذا النوع ليست فريدة ذلك أن حلم الحصول على جنسية ثانية من بلد أوروبي يراود أغلب ”المهاجرين ” عربا كانوا أم أفارقة أو آسيويين ،عمالا كانوا أم بحّاثة وطلبة و” أدمغة”.
عادت بي الذاكرة خلال تلك السهرة إلى أحداث التجنيس الأليمة التي عرفتها عدة أقطار عربية خلال الحقبة الاستعمارية فقد مات العرب مغربا و مشرقا من طنجة حتى الإسكندرونة دفاعا عن حرمة جنسيتهم وقاطعوا المتجنسين في الحياة وعند الممات أمّا الآن فقد أصبح التجنيس حلما تدفع من أجله الأموال وتتدافع من أجله الرغائب.
ماذا تغيّر بين زمنين ؟ لماذا تزايد ”حراك” الجنسية والتجنيس إلى أن أصبح جرحا نازفا اندلعت بسببه الأزمات الصاخبة والصامتة في بلاد العرب ؟
ففي دول الخليج العربي يتهافت ” البدون ” من أجل جنسية ترفعهم إلى مستوى ”الرعايا- المواطنين”
ويحاول البعض الآخر تجنيس من لا جنسية له لأسباب انتخابية واستحقاقات سياسية بحتة فتتحدث بعض الأوساط عن ” تسونامي ” التجنيس بالبحرين الذي وصل حد منح الجنسية لـ 59 ألف نسمة في السنوات السبع الأخيرة.
أمّا في باقي بلاد العرب فقد استفحل اللغو والخلاف بسبب نُفرة ”الكثير” نحو الجنسيات الأوروبية الضامنة لمواطنة حقيقية وتغطية اجتماعية مرموقة وحدّ أدنى من العيش الكريم بل والضامن لاستحقاقات نيابية لا يمكن الحصول عليها في البلد الأم. لقد استوزر الفرنسيون امرأة من أصول عربية قد لا ينالها هذا الشرف إلا بعد 14 قرن قادمة في بعض الدول العربية .
وتساوقا مع ظاهرة ” النزوح” نحو جنسيات دول الرخاء والطمأنينة تنفتح بعض الدول العربية بتسامح غير معهود وبكرم حاتمي نحو بعض الأبطال الرياضيين لتمنحهم جنسياتها مقابل ميدالياتهم وبطولاتهم المنتظرة علّها تسهم في رفرفة الأعلام الشاحبة حد النكوص لتلك الدول التي غابت عن محافل الريادة العلمية والتكنولوجية وحقوق الإنسان وتألقت في محافل العدو والهرولة الرياضية فحسب .
نحن بلا شك في زمن ”حراك” الجنسيات والتجنيس وسواء كان التجنيس لغايات سياسية أو انتخابية أو مادية أو رياضية فهو يمثل ظاهرة تستحق وقفة تأمل وتحقيقا عقلانيا خصوصا بعد بلوغها مرحلة التفاقم والإفراط.
{{الجنسية زمن النخوة الوطنية}}
حاولت الأنظمة الاستعمارية اجتذاب سكان المستعمرات بواسطة منح الجنسية لبعض الشرائح والفئات لخلق مجموعة من” الاندماجيين” الذين كانوا بمثابة الوكلاء الضامنين لاسترسال أنظمة الاستعمار بالأقطار المحلية. ففي شمال إفريقيا مثلا عمد الاستعمار إلى منح الجنسية الفرنسية لشريحة من الموظفين والمتعلّمين أو المتطوعين في الجندية والحروب الاستعمارية أو كذلك لليهود في الجزائر بغية تغذية النّعرات الطائفية وحدثت أمور مشابهة في الشام ولبنان أو في مصر والسودان .
كان ”المنّ ” الاستعماري بالجنسية على رعايا المستعمرات مرتبطا بأسباب عديدة: أبرزها تحقيق التوازن الديمغرافي مع العناصر الأهلية أو مع رعايا القوى الاستعمارية منافسة مثل الايطاليين بتونس والأسبان بالمغرب.ومن الأسباب الأخرى إذكاء حمّى التناحر الطائفي وتوظيف ورقة الأقليات لعرقلة عمليات ”التكتل” الوطني وكذلك لخلق رأي عام محلّي متوافق مع المشروع الاستعماري وإبراز الوجه ” التوافقي ” و”الإنساني ” للاستعمار الكولونيالي في الساحة الدولية .
لقد تجنّدت الحركات الوطنية والشعبية لمناهضة ظاهرة التجنيس الاستعماري ففي تونس مثلا أثار قانون التجنيس المعلن في 20 ديسمبر 1923 والذي منح بعض التونسيين تسهيلات للحصول على الجنسية الفرنسية عدة اضطرابات وتحركات مناهضة عرفت خلال مطلع الثلاثينات بأحداث التجنيس وتمثلت في رفض دفن المتجنّسين وفروعهم بالمقابر الإسلامية وقد تم الاستناد خلال هذه التحركات إلى عدة فتاوى أبرزها فتوى الشيخ الزنكلاوي المدرس بجامع الأزهر والذي أكّد في مارس 1924 بأن حكم المتجنّس في الإسلام مثل حكم المرتدّ عن الدين وقد سار مفتي بنزرت الشيخ إدريس الشريف في ديسمبر 1932 في نفس الاتجاه معتبرا تغيير الجنسية بمثابة تغيير الدين والارتداد عن شريعة الإسلام وهو ما يخلع عنه حق ”الغسل والصلاة والدفن ” مع باقي المسلمين.
كانت هذه الفتوى الصريحة دافعا لتأجيج التحركات الشعبية المناهضة لدفن المتجنّسين بمقابر المسلمين وانجرّت عنها مقاطعة اجتماعية وثقافية لكل من أقدم على” مغامرة” التجنيس فقد كانت التصنيفات الشعبية تنعتهم بـ”المتورنين ” وهي كلمة فرنسية معربة تعني ”المبدلين أو المغيرين” .
وقد أصدع الشاعر محمد الشاذلي خزندار في عشرينات القرن الماضي بقصيدة شهيرة تشجع على رفض التجنيس :
”لست المبدل جنســـــي………..كـــــــــــــــلا ولا أتردد
إذا كان يرضى الفرنسي………فليس يرضى محـــــمد
قالوا التجنيس كفــــــــر………..قلت : أقبـــح كفــــــــر
فأنت قبله صــــــــــــفر…………وبعده تحت صفـــــــر
قلب المجنس قفـــــــــر………….بل حالك اللون أسود”
تواصلت معارك التجنيس ونخوة ”الجنسية” بأغلب الأقطار العربية التي عرفت الاستعمار الفرنسي والانجليزي خاصة إلى نهاية خمسينات القرن العشرين تاريخ حصول الاستقلالات السياسية بل واسترسلت وتمتّنت في ستينات القرن العشرين في مرحلة البناء الوطني وفي غمار الاستبشار بمعارك الجلاء و التأميم والإصلاح الزراعي ومشاريع الوحدة وانتصار الجزائر والإعداد للمعركة مع دولة إسرائيل .
كانت ظاهرة مناهضة التجنيس تتغذّى من شعور ”النخوة الوطنية” الذي ساد كامل البلاد العربية زمن النضال الوطني ضد المستعمر وخلال سنوات البناء الوطني والقومي التي تواصل تأثيرها فعّالا تقريبا إلى حدود حرب 73 وما عقبها من انهيارات سحيقة تجلّت خاصة مع الحرب الأهلية في لبنان ثم اجتياحه سنة 1982.
{{ الجنسية زمن الصدمة الوطنية}}
زال تأثير تقديس المشاريع الوطنية والقومية تدريجيا مع منعرج الثمانينات وأصبح التجنيس فعلا ”عاديا” لا يجلب ”نقمة” ولا ”جرما” على صاحبه الذي لم يعد بعده تحت صفر كما ذكر الشاعر بل متجاوزا مرحلة الصفر بأشواط وفي مطلع القرن الواحد والعشرين صار ”التجنيس ” مطمحا و”نعمة” بل قبلة الحالمين من شباب العرب .
للتجنيس استحقاقات متعددة في زمن العولمة فهو يضمن الترقّي الاجتماعي ويحمي من الاستبداد السياسي الشرقي المضجر.
لابد من النظر إلى مسالة الجنسية والتجنيس نظرة جذرية وعقلانية تتجنب الإسقاط التاريخي فبالأمس مات الناس من أجل الجنسية لأن البديل هو جنسية المحتل الغاصب أما اليوم فيموت الناس من أجل جنسية بديلة للاستعاضة بها عن الفقر والتهميش والميز و”الهوان” الوطني في مرحلة ما دون المواطنة.
ينتج الخلاف والإسقاط والتشنّج من الغموض والتداخل بين مفهوم الجنسية وإدراكاتها وبين مفاهيم وسياقات المتشابهات المتقاربات مثل الوطنية والقومية والهوية.
فالجنسية هي حالة قانونية تنتج عنها رابطة حقوق وواجبات بين الشخص وبلد الجنسية الممنوحة وتنصّ المادة 15 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على:
–حق كل شخص في الحصول على جنسية.
–لا يمكن حرمان أي شخص من جنسيته أو من حق تغييرها.
لم تنجح هذه التشريعات والقوانين الوضعية العالمية في تغيير الذهنيات أمام الإفراط في ” حراك” تغيير الجنسية فالمسألة شائكة وغامضة لأن الجنسية في لاوعينا هي:تارة الهوية رغم أنّ الهوية هي حالة وجدانية. وتارة أخرى هي الوطنية رغم أن الوطنية حالة غريزية وجنينية طبيعية تخفت وتشتد عند جميع البشر في كل زمان ومكان. وطورا ثالثا هي القومية والحال أن القومية نظرية فكرية وسياسية بل أيديولوجيا فعّالة قد تتحول إلى وجدان ملهم.
إن الجنسية في زمننا المعاصر هي من محددات المواطنة ومكوناتها لذلك لن يزول التشنج حول ” حراك الجنسية” ولن يزول الإسقاط ولا الإفراط بشأن ”لعبة التجنيس” طالما انعدمت لدينا إلى اليوم مواد بناء ” ورشة” المواطنة.