هل تخطى العرب المرحلة اللاهوتية؟

لا تترك الغيبيات أية فرصة للفلسفة أو المنطق السليم لفهم الأمور وتفسيرها عقلانيا في بلاد المسلمين. يحصل كل شيء وفق الإرادة الإلهية، كل شيء كان مسطرا، مكتوبا،مُشاء . فالفيضانات والزلازل وأسراب الجراد المتلفة للمحاصيل والحروب الأهلية وتدافع الناس وموت المئات منهم أثناء رميهم للشيطان بالحجارة في موسم الحج … كلها من مشيئة الله. حتى داء السيدا، لم ير فيه بعض الأطباء سوى غضب الله المسلط على عباده الزانين والمثليين ومتعاطيي الكوكايين. إذا تكلم الطبيب المؤسلم فكأن الفقيه هو الذي يتكلم فيه وليس ضميره أو علمه. حتى العوام اقتنعوا أنه ليس هو الذي يشفيهم إن مرضوا وإنما الله ربّ العالمين.

لا يسلم من “فلسفة المكتوب” حتى السلطات السياسية الرسمية وبعض رجال العلم، فترى رؤساء وملوكا ووزراء وفي بعض الأحيان علماء زلازل ومهندسين وخبراء الأحوال الجوية…أذهانا طلقت كل منطق وراحت تعزو الكوارث الطبيعية إلى إرادة غيبية. وربما يجد التسيير الكارثي للكوارث التي تحصل في هذه البلدان تفسيره في هذه النظرة القاصرة لها. فمثلا لا يرى الرئيس الجزائري في البربرية الأصولية التي ما انفكت تفتك بالجزائريين منذ 1990 سوى ابتلاء من الله ليمتحن إيمانهم. في أحد خطاباته إلى الأمة الممتحنة، يلخص فلسفة التاريخ الغريبة هذه: “لقد امتحن الله الشعب الجزائري على مر العصور وفي مختلف الظروف،سواء كان ذلك عن طريق الطبيعة كالزلازل والفيضانات والجفاف أو عن طريق الإنسان كالفتنة والإرهاب الأعمى الذي زرع الخراب والمجازر في كل أنحاء الوطن، ولم يفرق بين رضيع أو امرأة أو شيخ” (جريدة لوماتان05/04/2004) .كيف يمكن أن يكون رمي الأطفال الرضع من الطابق الخامس أوالسادس، وتهشيم رؤوسهم بالفؤوس وخطف القاصرات واغتصابهن وارتكاب الجرائم الشنيعة في حق البشر…امتحانا إلهيا؟ يجب أن يعطي الإنسان لعقله عطلة أبدية ليصدق مثل هذا الهراء.

لكن ألم تغير السلطات الجزائرية اسم مدينة “الأصنام” فور تعرضها لزلزال عنيف كاد أن يهدمها عن آخرها في أكتوبر 1980، لأن بعض المشعوذين رأوا في الزلزال هدما من الله للأصنام؟ أما في خطب الجمعة التي تلت الزلزال الذي ضرب منطقة بومرداس، شرق الجزائر العاصمة، في شهر مايو 2003،فقد شرح أئمة المساجد الحكومية الكارثة بردها إلى فساد أخلاق النساء وفجورهن وسفورهن! يقول نيتشه صادقا إن المنحط هو ذلك الذي لا يقبل الواقع المرعب والمبهم كما هو، ويحاول إفقاده الاعتبار لينزله إلى مستوى هلوساته المثلى.

أليس المنحط هو ذاك الذي يعجز أمام الواقع، فيقدح فيه ويعتبره مخطئا وسيّئا؟ تتحدث “عقول” تمدرست في أرقى جامعات أوروبا وأمريكا عن عقلانية صوم رمضان وفوائد الوضوء الصحية وحكمة تعدد الزوجات والطلاق المنصف على الطريقة الإسلامية والميراث العادل في ظلم النساء..

قرأت عن مهندسين وعلماء يعيشون في بلاد العم سام حكاية توصّلهم عن طريق الحاسوب إلى اكتشاف وجود أكثر من 120 مليونا من الملائكة،طالبوا الحكومات العربية والإسلامية استخدامها للنهوض بالتنمية.. وهو ما سبقهم إليه أحد أقطاب النظام الإسلامي في السودان .. وعلى نفس الوزن يصرح أبو جرة سلطاني لجريدة الخبر الجزائرية (03/09/2003) حينما كان يتولى وزارة مهمة في حكومة الجمهورية الجزائرية الديمقراطية والشعبية أنه لا يجد أية صعوبة في تسيير البشر في وزارته بعدما سيطر على الجن لسنوات طويلة .

لقد كان وزير الدولة اليوم والرجل الأول في أكبر حزب أصولي جزائري من قدماء المحاربين للجن بواسطة القرآن،..ونعرف المصير الذي آلت إليه الإدارة الجزائرية حينما سقطت بين أيدي أهل “طرد الجن والنجس وكل مكروه”، ونعلم نتيجة الحروب التي كان فيها معاونو عبد الناصر يستعينون بالجن لرسم الإستراتيجية القتالية لمواجهة الجيش الإسرائيلي.

كلنا في الدروشة شرقُ. من يتجوّل في مدن المغرب الأقصى ويقف على مدى انتشار الشعوذة لا يجد ما يرد به على مقولة “الشرق العرفاني والغرب العقلاني” الجابرية سوى القهقهة.

” تسخير الجان لمنفعة الإنسان” و “مرشد الإنسان في رؤية الجان”، عنوانان لكتابين لم ينشرا في المرحلة اللاهوتية وإنما في سنة 2003 من طرف دار نشر تسمي نفسها “المكتبة الثقافية” وتوزعهما عن طريق الأنترنت، فسبحان من يجمع بين الجن والوينداوز!

يكاد الميثوس أن يقضي نهائيا على اللوغوس ويظر ذلك جليا في قلة عدد المقبلين على شراء الكتب الأدبية والفلسفية في معارض الكتاب التي تنظم هنا وهناك في المنطقة العربية وتضاعف عدد المقتنين والمكدسين للكتب التي تحكي عن الجن والعفاريت ويوم القيامة و”وقاية الإنسان من شر الجن والشيطان”.

ألهم التسونامي 2005 صحفيا من جريدة “كومبا” الأندونسية فكتب :”تظهر هذه الصور المرعبة وجه الله من جديد إلى كل إنسان بعدما ظل منسيا نتيجة الاستهلاك وعبثية الصراعات السياسية”، “تدعو هذه الكارثة، كل فرد ليصبح صوفيا، متأملا في الحياة”، “توجد قدرة الله العظيم وراء الكارثة”.

وقد استغلت جمعيات الدعوة العالمية الخَطب فوزعت الحجاب والنقاب، لوجه الله،بلا حساب. لا ينظر المتأسلمون المتنفذون إلى العالم إلا كميدان تمظهر للحضور الإلهي، وهو ما يفسر انتشار ردود الفعل الإتكالية وانتكاس العلم في بلدان العرب والمسلمين.

“إذا بدأنا إدخال إرادة الله في تفسير سببية السيروة، يقول عالم الأحياء جان روستان، لا يمكننا أن نؤسس علما”. أصاب المعري كبد الحقيقة أيضا عندما أشار إلى انقسام سكان المعمورة إلى نوعين: الذين يملكون عقلا بدون دين والذين يملكون دينا بدون عقل.

” أجيال عربية جديدة تدق الأبواب. والجيل الذي لا يبدع نماذجه الثقافية التي تعبر عن معاناة عصره إنما هو جيل بين الحياة والموت، ومعقوليته في حالة تحنط، وهذه إحدى المهمات الكبرى للكتابة الفلسفية”، هذا ما نقرأ في افتتاحية مقال حول” الفلسفة وميلاد معقولية جديدة”، كتبه في مجلة “الثقافة” أستاذنا في جامعة الجزائر، المفكر العربي، محمد الزايد، سنة 1979.

مرت 29 سنة كاملة على ما اشترطه صاحب “المعنى والعدم” و” اللحظة العدمية المتعالية”، وها نحن نعيش ” لحظة سَلفية سُفلية”، تعيش العقلانية فيها أحلك أيامها، فلم نعجز عن ابتداع معقولية جديدة فحسب بل أجهزنا على ما كان قائما من عقل و فلسفة وعدنا إلى المرحلة اللاهوتية زرافات ووحدانا وباتت الجزائر ومعظم أخواتها العربيات مشلولة لا تستطيع حراكا.

“أخشى ما أخشاه أن نصل في المستقبل إلى وضع نجد فيه أنفسنا نترحم على ما نحن عليه اليوم”، هذا ما كتبه لي أخيرا أحد أصدقائي الأساتذة بجامعة الجزائر بعد زيارته لمصر ووقوفه على آثار الهجمة الدينية التي تتعرض لها.

في كتابه ” هذه هي الأغلال” وضع المفكر عبد الله القصيمي، على الغلاف الخارجي عبارة :” سيقول مؤرخو الفكر أنه بهذا الكتاب بدأت الأمم العربية تبصر طريق العقل “. “أيها العقل من رآك” في خضم الغارات اللاعقلانية المتتالية وفي عز زمن الإذعان للمألوف؟