
شوقي بوعزّة
لسنا نبحث هنا عن تاريخ هذه اللحظات الاستثنائية، ولكننا نسعى إلى استقصاء بعض الجوانب الثقافية التي صنعت بثرائها ماي 68 وامتدّت بعد تلك الأيّام مؤثره في القيم والمفاهيم وتصور المؤسسات القمعيّة وأجهزة الدولة.
لماي 68 آباء شرعيون، بعضهم ظاهر معروف،و بعضهم فاعل وإن كان أقلّ ظهورًا. فوجد هؤلاء الآباء من المثقفين و الفلاسفة والفنانين لدى طلبة الجامعات بالخصوص أرضا خصبة تقبل تحوّل الأفكار إلى قوة مادّية بعبارة ماركس. فليس من باب الصدفة أن تبرز هذه الثورة في الوسط الطلابي بعد أن حلمت البيروقراطيات الثورية من أحزاب شيوعية وتنظيمات يسارية بولادة مجتمع المساواة والحرّية من رحم الصراع الطبقي وبقيادة الطبقة العاملة.
فإذا صدّقنا تحاليل ماركوز عن الطبقة العاملة، فإنّنا نجدها قد أصبحت، بعد فترة الحرب العالمية الثانية بالخصوص و نجاح الرأسمالية في إقامة مجتمع الوفرة المتطوّر، طبقة لا مصلحة لها في التغيير وانتقل العنفوان الثوري، حسب ماركوز طبعا، من المركز الطبقي إلى هوامشه وهوامشه كثيرة: شعوب فقيرة، وأعراق منبوذة (كالسود) وعاطلون لاحظّ لهم في دورة الإنتاج، ومهاجرون مستغلّون كأبشع ما يكون الاستغلال و… الطلبة.نعم الطلبة. هذه الشريحة التي تعيش على هامش عملية الإنتاج وتمتاز بقدرتها على الانسلاخ الطبقي، ولو مؤقتا، وتمتاز بكفاءتها في امتلاك أدوات “التحليل الملموس للواقع الملموس” بعبارة لينين.
إنّ الدرس الأوّل والأساسي أن للثورة قدرة على المفاجأة والمباغتة ولها من الاحتمالات والإمكانات ما يتجاوز محترفي الثورات وبيروقراطيتها من أحزاب وتنظيمات نقابية وشبابية ونسائية إلخ.
لا تكتسب الثورة -الحلم منطقا إلاّ بصفة بعدية حين يروي قصّتها المؤرّخون فيدرجونها في خانة التاريخ المقروء على حساب التاريخ المعيش.فتعود هنا رومانسيّة الفكر الثوريّ كأبهى ما تكون إذ الثورة “طاقة” شبيهة بالشهوة والشوق والرغبة لا تحترم التخطيط والتنظيم والبرمجة. لذلك كانت ثورة ماي 68، كما يشهد من عاشها، دون خطة عسكرية ودون تنظيم حزبي وإنّما كانت مبادرات مجموعات قليلة وأفراد داخل تلك المجموعات ارتجلوا في لحظة الفعل المخطّطات والتكتيكات (الحواجز،المتاريس، الاعتصامات …إلخ) كما يرتجل العازف الموهوب في أوّل حفل له أمام جمهور كثيف نغما جميلا. وبتلاقي هذه المبادرات وبتراكمها أثناء التجربة انبثقت حركة ضرب رموز القمع جميعا: معقل المعرفة المحنّطة ( الجامعات وبالخصوص الصوربون) ومعقل القمع الطبي (المصحات العقلية) وتجلّي جهاز الدولة (الشرطة ) وهياكل المجتمع السياسي (الأحزاب والنقابات الرسمية) ومعقل المحافظة وقمع الحب (العائلة). والبديل عن ذلك كلّه هياكل مرتجلة: لجان ومجالس تعوّض التنظيمات الرسمية والمركزية الديمقراطية. وهي تستعيد في ذلك تاريخا من التنظّم الذاتي في لحظات ثورية نادرة من كومونة باريس(1871) إلى انتفاضة بحارة كرنشطاط (بالاتّحاد السوفياتي الناشئ) وثورة سبرتاكوس.
شبح كومونة باريس(1871)
ولا تهم التسميات بعد ذلك أهي مجالس كما ينظر لذلك الج السيّون (بونكوك و العفيف الأخضر وأصحابه من العرب) أم تسيير ذاتي (أصبح مهزلة في يوغسلافيا تيتو).فعبارات الإدانة جاهزة لدى الأحزاب الثورية البيروقراطية: “الثورة عمّالية أو لا تكون” ،”إنهم مغامرون”، “اليسراويّة مرض الشيوعية الطفولي”، “حفنة من البورجوازيين الصغار” …إلخ. وهذه الأحزاب محقّة في ذلك: كيف يُضرب حوالي عشرة ملايين عامل في فرنسا في الثالث عشر من ماي 1968 إضرابا وحشيا ضد الحكومة الفرنسيّة طبعا ولكن ضدّ النقابات الحمراء والصفراء معًا؟ ثم إنّ مطالبهم لم تكن مجرّد مطالب كلاسيكية (تحسين ظروف العمل، الزيادة في الأجور… إلخ.) بل طالبوا أيضا بالسير الذاتي والتسيير المشترك ..إلخ. إن شبح كومونة باريس يهدّد مرّة أخرى فرنسا!
إنّها لحظة حماسة ثوريّة وانتفاضة دون نظرية مسبقة وبدون مراجع تحدّد التكتيكات وجدول المفاوضات. فكيف لا ينتشي أبناء الفكر الثوريّ والقائلون بنقد جذري كاسح للنظام القائم. إنّ ذاكرة الثورة تعود دون أن يقرأ هؤلاء العمال والطلبة التاريخ بالضرورة ليعرفوا أشكال التنظيم والتحرك. أهي الغريزة الثورية؟ هل يوجد حبل سرّي يغذي التحرّكات في غفلة من المنظرين والفلاسفة؟كيف حفظوا دروس ماركوز التي قدّمها لمجالس العمال الألمان سنة 1920 عند ثورة سبرتاكوس المغدورة؟ ولكن هل كانوا يحتاجون إليها؟
والرائع، أنّنا لا نعرف هذه الخيوط السرية التي تنسج بالفكر لتحوّله إلى طاقة فاعلة مؤثرة، لا نعرف ، وليس من المهم أن نعرف، كيف التقى الفعل الثوري العملي مع الفعل الفكري التأملي من طوباوية الفكر الماركسي الحالم بجنّة العدالة الشيوعية إلى صفاء الفكر الثوري الألماني خصوصا في نقد مدرسة فرنكفورت و حجاجها ضدّ المجتمع الصناعي من أجل تحرير الإنسان ذي البعد الواحد، وإلى نقد هنري لوفافر للحياة اليومية (منذ سنة 1942) إلى “مجتمع المشهد” لغى دي بور إلى دعوات أريك فروم لتحرير الجسد إلى دراسات فوكو عن الجسد والجنون والسجن والمصحّة.
عن البؤس في الوسط الطلاّبي… وغير الطلاّبي
غير أنّ هذه الخيوط وإن لم تظهر مباشرة فإنّ حدثا مهما وقع سنة 1966، في شهر نوفمبر تحديدًا وفي مدينة سترازبورغ على وجه التدقيق قد يبرز بعض دلالات هذه الأفكار حين تتناسل وتتفاعل. يومها كانت العائلة الجامعية تحتفل، بحسب طقوس راسخة معروفة بوقارها وجديتها، بافتتاح القصر الجامعي بسترازبورغ فإذا بمجموعة من الطلبة العاقّين يوزعون منشورًا تحريضيا يحمل عنوانا يمثل في حدّ ذاته فقرةً لم تعهد في صياغة العناوين :”حول البؤس في الوسط الطلاّبي منظورًا إليه من نواحيه الاقتصادية والسياسية والنفسية والجنسية والفكرية بالخصوص وبعض وسائل علاجه”، ومحتوى هذا المنشور القصير (32 صفحة) نقد لاذع حادّ غير مألوف مكثّف للجامعة والطلبة والأحزاب والمنظّمات والعالمين الرأسمالي والاشتراكي البيروقراطي واستقراء لقوي الانقلاب على المجتمع المشهدي واحتفاء بالثورة بصفتها حفلا وممارسة لعبيّة تتلخص في العبارة التالية التي سرعان ما أضحت فيما بعد، شعارًا من شعارات حركة ماي 1968: “أن نعيش دون وقت فراغ وأن نتمتّع دون عوائق”.ولم يعرف كاتب هذا المنشور آنذاك ووزّعت منه آلاف النسخ مجانًا. إنّها لفضيحة حقا! لكنّها فضيحة مقصودة كانت وراءها حركة السيتياسيونست (أممية مبدعي الأوضاع) لكن حذار. لم تكن حركة سياسية أو طليعيّة أو ثورية بالمعنى الكلاسيكي للكلمة. إنّها أقرب إلى لقاء أفراد ورثوا أجمل ما في الفكر الثوري الماركسي وأرقى ما في الحركات الفنية والثقافية والفلسفيّة كالسوريالية والدادائية .اجتمعوا منذ 1957 على النقد الجذري “لمجتمع المشهد” (عنوان كتاب غي دي بور) باعتباره يمثل “هيمنة أوتوقراطية اقتصاد السلعة، وقد بلغ منزلة السيادة غير المسؤولة” على حدّ تعبير غي دي بور. ولسنا نبالغ إذا قلنا إنه واحد من أهمّ الكتب النقدية في الفكر الإنساني. وإلى هذه الحركة كان مصطفى الخياطي (الذي تبيّن في ما بعد أنّه المسؤول الأساسي على تحرير كتاب “حول بؤس الوسط الطلابي…”) ينتمي ومن تصوّراتها النقدية المنشقّة الرافضة لجميع صور الاغتراب كان ينهل.
والطريف أنّ أممية مبدعي الأوضاع سرعان ما حلّت نفسها إثر حركة ماي 68 بسنوات قليلة لأنّ نجاحها أنتج عددا من المعجبين بها إعجابا حوّلها إلى جزء من المشهد القائم وحوّلهم إلى مستهلكين للنزعة الجذريّة في نقد المجتمع.فأيّ مصير لهذ الأفكار المبدعة في مجتمع المشهد الذي يبتلع أنقى اللّحظات الثورية وأصفاها!
لسنا نمجد هذه الحركة، فقد تكفل بناتها بنفي كلّ تمجيد لها، ولكنا أردنا الإشارة إلى بعض المسالك المؤدّية إلى تبين كيفية تماسك نسيج الأفكار الجماعية والنقدية والثورية والأطروحات والتصوّرات.
قوس قزح من التيارات والأسماء
ولكن توجد مسالك أخرى كثيرة على الدارسين تتبّعها. فليس من باب الصدفة أن تكون جامعة نونتار الفرنسية هي التي شهدت أحداث حركة 22 مارس 1968 مؤذنة بماي 68 ومبرزة وجه الفوضوي دنيال كوهن- بنديت قياديّا للحركتين.ففي هذه الجامعة كان قسم على الاجتماع يضمّ علمين من أبرز أعلام الفكر النقدي الراديكالي الفرنسي: هنري لوفيفر وادغار موران. ولا أحد يستطيع أن يضبط كميّا وإجرائيّا تأثير أفكار الرجلين في الطلبة. وهو تأثير لا يتّخذ بالضرورة شكل الوعي النظري فقد تبقى منه الشعارات الفضفاضة التي تكتسب في لحظة الفعل الاحتجاجي، مضمونا واقعيا وتبتنى لنفسها أهدافا واضحة أو تكاد.
ورغم موقف طلبة ماي 68، من المفكر والفيلسوف لويس ألتوسير الذي رفعوا ضده شعار “لأي شيء يصلح التوسير؟ ( « A quoi sert Althusser! ») فعلينا ألا ننسى أنه جمع حوله في دار المعلمين العليا مجموعة من خيرة الطلبة لإعادة قراءة ماركس قراءة أساسها التمييز بين العلم والإيديولوجيا. فأصدروا منذ سنة 1965 كتاب “من أجل ماركس” ثمّ كتاب “قراءة رأس المال”. ولا يمكن في هذا الصدد تجاهل مفكرين ترعرعوا في حلقة ألتوسير البحثيّة مثل روجيه استبليه و وبيار ماشرى وإتيان باليبار. هذا على الرغم أيضا من أنّ الماركسية، في صيغتها اللينينيّة على الأقل، أصبحت، أيام ماي 1968، جزءًا من النظام القائم وحولها الحزب الشيوعي الفرنسي إلى أفكار من باب الاستهلاك الثوري ن بعبارة أممية مبدعي الأوضاع، اتخذت شكل مؤسسات قائمة (أحزاب ونقابات و تنظيمات ملحقة بها) قادرة على التواطؤ مع السلطة وحفظ مصالح قيادييها قبل مبادئها وأهدافها المعلنة حتى وإن أعلنت تمسكها بأناجيل ماركس ولينين وسبحت بحمد الطبقة العاملة صباح مساء.
ولم يكن لاكان في علاقته بماي 68 بعيدًا عن موقف الطلبة من التوسير. فلا ينازع أحد في دور التحليل اللاكاني في بذر أفكار الحرية في مجال الجسد بكل أبعاده. إلا أن لاكان عاش فترات مريرة من طلبته الماويين بالخصوص. فقد حصر لاكان تحركات الطلبة في البحث عن “سيّد” (Maître) والرغبة في الوصول إلى خطاب هذا السيّد. وهو ما أثار حفيظة الطلبة واعتبروا موقفه أقرب إلى احتقار تحركاتهم منه إلى وصف احتجاجهم.
لهذه الأسباب قلنا إنّ ماي 68 أكثر من مجرّد أحداث شغب طلاّبية. فهي لحظة مكثّفة عبّرت عن تيارات فكريّة وثقافيّة وفنية وإيديولوجية تمازجت فأفرزت هذا الخليط العجيب من الثوريين بجميع الألوان. ولكن قوس القزح هذا كان جميلا حين تجلّى في الواقع وامتدّ من الجامعة إلى المجتمع بحثا عن حرية الفرد حريّة يقودها وعي نقديّ تشكل في مصهر التحركات ولم يستكن إلى المختصّين في إدارة الوعي الفردي والجماعي (العائلة، الجامعة، الأحزاب، النقابات).
هل كانت ضرورة تاريخيّة؟
لقد كانت ماي 68 فرصة للالحاح على باراديغمات اجتماعية وفكرية وأخلاقية جديدة: حريّة المرأة (الحقّ في الإجهاض مثلا!) وتطوير برامج التعليم وتحرير الجسد وإعادة النظر في مكانة المجنون والسجين والمهمّش…إلخ إلاّ أنّها عموما لم تقلب النظام القائم ولم تحطّم مؤسّساته لتبني على أنقاضها هياكل جديدة رغم أنّها أثّرت عميقا في التصوّرات الثقافية والتوازنات بين المجتمع المدني والمجتمع السياسي إلى حدّ يجعلنا نتساءل: ألم تكن ضرورية ليتجدّد النظام القائم نفسه بأن يراجع ما بدا لفترة طويلة أمرًا ثابتا مفروغا منه هيكلة وأخلاقيات؟
ومهما يكن من أمر فإننا اليوم بعد أربعين عامًا، ونحن نستعيد لحظات التألّق الثوري التي تجلّت في ماي 68 بفرنسا خصوصا وإن عمّت أماكن أخرى من العالم، فإننا نلاحظ، بشيء من الدهشة وبكثير من المرارة، أنّ الأنظمة القائمة قد استوعب الدّرس للأسف، واحتوت أفكار ماي 68 لمزيد إحكام شبكة القمع الخفيّة.خذ الجامعة مثلا، بصفتها منطلقا للحركة، فما تشهده اليوم هو تخلّي الدول شيئا فشيئا عن هذه الخدمة الاجتماعية وفسح المجال للخواصّ ليحوّلوها إلى سلعة خاضعة لمنطق السوق والمنافسة. فأصبحت الجامعة اجتماعيا، داخليا وخارجيا، تتفنّن في الانتقاء والتمييز الطبقي بوسائل “موضوعيّة” اقتصاديّة وحسب تقنيات عالمية تتغطّى بغطاء الجودة. ومن مظاهر تسليع المعرفة ربطها برأس المال الذي أصبح يحدّد، حسب طلب رجال الأعمال، نوعية التكوين والمهارات المطلوبة للاستغلال بدل تكوين الفرد وتحريره ومساعدته على تفتّح مواهبه وبناء شخصيته بصفته مواطنا في المدينة.
فهل نحن نعيش انقلاب كل ما نادت به حركة ماي 68 إلى نقيضه؟ يبدو أننا نشهد لعبة إبداع المبدعين للأفكار والتقنيات لتحتويها الأنظمة فتقيّد بها طاقات الإبداع وتوجّهه بتحويل الوعي النقدي إلى إدارة للوعي في حركة لولوبيّة بلا أفق واضح، وبلا منتهى. فأشكال الاستبداد المعمّم القائمة تستوعب الأفكار وتدمجها في برامجها أي أنها تستخدم نفس التقنية التي ابتدعها السورياليون وطوّرها السيتياسيونيست: تقنية الاحتواء والتحويل لإنشاء الفضيحة الخلاقة . ولكن السلطات القائمة تعتمد هذه التقنية لتجعل الفضيحة نفسها جزءًا من “مجتمع المشهد” وتصنع المباغتة وتصطنع العفوية (وكلتاهما من خصائص الثورات الحقيقية) لتبرمجها في المشهد نفسه.بدءا من الانقلاب التلفزيوني على الدكتاتور الروماني تشاوسسكو إلى مزابل غرف النوم في ستار أكاديمي وما إليها من مشتقات “تلفزيون الواقع” المزيّف.
إنها أنظمة تنفي جدلية التاريخ والمجتمع لتتأمّل ذاتها الشبعة في مرآة الفرجة: إعلام يتلاعب بالعواطف والأجساد، هيمنة أحزاب ولوبيّات على المؤسسات والعقول، جامعات بمثابة مصانع لتخريج البروليتارية الفكرية الرثّة، مزيد من الاستهلاك المنفلت من عقالة، تعميم السعادة الزائفة والبؤس الحقيقي، تحويل حرّية الجسد إلى بضاعة مشهدية رخيصة، إلغاء بلدان وشعوب من التاريخ بالحروب و الأمراض والديون والمجاعات المتنامية أكثر فأكثر،تشديد الرقابة على حياة الأفراد ومصائرهم … إلخ.
ولكن السنا نعيش منتهى العبثية كونيا؟ أليست العولمة الهوجاء بتعميمها المشهدي بصدد تحويل الأفراد والشعوب اللّذين تدمرهما إلى هوامش لها سترتدّ عليها؟ أيقودنا في تساؤلاتنا وهم الثورة (كما قد يقول المثقفون الرصينون جدّا ..وما اكثرهم في العالم العربيّ) وتخيّلنا أن للثورة ذاكرة تعرف متى تستفيق ويستعيدها طالبو الحرية في كلّ مكان!
حقّا، لسنا نعرف، ولكن في هذا الظلام الدامس قد يخفّف علينا أن نردّد ما ردّدته الثورة على لسان روزا لوكسمبرغ: “كنت… و(ها أنذا)… وسأكون”.رغم وجود الحال، الآن وهنا، بين قوسين؟!
هيئة التحرير
في الفاتح من ماي سرت أخبار مفادها أن إحدى المجموعات اليمينيّة الفرنسية تستعد للهجوم على كلية نانتير فقام الطلبة اليساريون بالاستعدادات لحمايتها.وقد عمدت نفس هذه المجموعة على الأرجح إلى حرق مقرّ المكتب النقابي الطالبي بالصوربون فدعا مكتب الاتحاد العام لطلبة الآداب بالصوربون يوم 2 ماي إلى اجتماع عام وأدرج ضمن أعماله الدفاع عن الطالب كوهن-بنديت الذي دعي للمثول أمام مجلس التأديب يوم الإثنين 6 ماي إثر تحركات يوم22 مارس.
ودعا الاتحاد العام لطلبة فرنسا بالاشتراك مع حركة 22مارس إلى مظاهرة يوم 6 ماي على الساعة العاشرة تنطلق من الصوربون.
كان عدد الطلبة في باحة الصربون لا يتجاوز المائتي طالب.إلا أن الوضع توتر بعد الزوال إثر أنباء عن إمكانية مصادمات بين طلبة يمينيين قادمين من كلية الحقوق وطلبة من اليسار الماوي والتروتسكي.فقرر العميد تعليق الدروس بالصوربون إلا أن الطلبة رفضوا ذلك.فطلب رئيس الجامعة حضور الأمن لإخلاء الكلية.ووقع المحظور داخل الحرم الجامعيّ.إذ دخله الأمن وغادر الطلبة بعد تفاوض وُعدوا خلاله بألاّ يتم التعرّض لهم إلاّ أن قوات الأمن أخلت بالاتفاق إذ تم تحويل ما يناهز الأربعمائة طالب في حافلات تابعة للأمن .ولمّا سرى الخبر في الحيّ اللاتيني وما جاوره تقاطرت أعداد كبيرة من الشبان بلغوا حوالي ثلاثة آلاف شخص وبدأت الأحداث حوالي الساعة الخامسة بعد الزوال مطالبين بإطلاق سراح زملائهم رافعين شعارات من نوع “الصوربون للطلبة” و “كفى قمعا”.وقد سعت الشرطة إلى”تنظيف المكان” مستعملة القنابل المسيلة للدموع فرد المتظاهرون الفعل برمي الحجارة مما زاد في هيجان قوات الأمن فطفقوا يضربون دون تمييز بالهراوات المتظاهرين والمارة والتلاميذ والطلبة وحرفاء المقاهي والتجار والسياح والمتساكنين.فكان انفجار للعنف أدهش الجميع.
ومنذ الساعة السادسة والنصف بعد الزوال أصبح الحيّ اللاتيني في حالة حصار لمواجهة آلاف المتظاهرين حتّى بدا الأمر بداية حرب عصابات في المدن.فقد بنيت المتاريس والحواجز إلى أن عاد الهدوء إلى الحيّ اللاتيني بعد ما يقارب الخمس ساعات من المواجهات.
كانت الشرطة على استعداد للمواجهة بما لها من قنابل مسيلة للدموع وهراوات.وكانت الشرطة على درجة كبيرة من العنف على أمل أن تكون المواجهات الأولى باعثة للخوف في نفوس الطلبة فيتوقّفوا عن النضال.وكان القمع حادا جدّا إلى درجة أن الجريح من الطلبة يفضّل الصبر على الألم على أن يقبض عليه في المستشفى.
أما الطلبة فكانوا يعرفون مكان المعركة جيّدا وكان سلاحهم الحجارة وكثير من العفويّة والشجاعة والمباغتة.فقد وضعوا متاريس دون سابق تخطيط.وهو ما يترجمه شعارهم “نفكر معا.لا،نعمل معا.نعم”
وكانت الحصيلة جرح 83 شرطيّا وإيقاف 574 شخصا منهم 179 قاصرا و45 إمرأة و58 أجنبيّا.وأطلق سراح عدد منهم حوالي الساعة الحادية عشرة مساء.
ومن الغد أفرج على جلّ الطلبة الذين قبض عليهم واحتفظت الشرطة بأربعة منهم اعتبرهم رفاقهم رهائن عند الحكومة.فأعلن الأستاذ في الصوربون ألان غايسمار الإضراب العام في جميع الجامعات الفرنسيّة رغم أن الإعلام عن الإضراب ينبغي أن يكون قبل خمسة أيّام إلا أنه تقرر ليوم الإثنين.ولئن بدأت التحركات الطلاّبية لغرض إصلاح الجامعة فإن الطالب أصبحت ثلاثة:استعادة الصوربون وسحب الشرطة من الحرم الجامعي وإطلاق سراح الرهائن.فلم توافق الشرطة ولم تتوقف التحركات.
وفي 6 ماي عادت التحركات وإن بطريقة غير منتظرة.إنه أعنف أيام حركة ماي 68 فقد بدأت المعركة في الصباح والحال انّ التحرّكات كان من المنتظر أن تبدأ بعد الزوال.وكان ردّ فعل الشرطة عنيفا حتى أن رائحة القنابل المسيلة للدموع وصلت إلى أنفاق المترو.واختفى الطلبة بعد ساعات لهول الصدمة إلاّ أن لهم اجتماعا مقرّرا في السادسة والنصف في ساحة دنفير روشرو الاستراتيجيّة قرب الحيّ اللاتينيّ حيث مبيت الطلبة.فبدأت الجولة الثانية على نحو أعنف.فكان الطلبة معزولين وكانت الشرطة غاضبة حتّى أن الناس كانوا يصرخون من النوافذ يطلبون من الشرطة التي كانت تكيل لهم الضربات إلى حدّ الإغماء ان ترفع يدها عن الطلبة.وقد تم إيقاف 422 طالبا وجرح 345 شرطيّا ونقل 24 منهم إلى المستشفى.ولم يعرف عدد الطلبة المجروحين وإن قدّر بضعف عدد أعوان الأمن.ولكن من أهم نتائج هذا اليوم امتداد الحركة إلى خارج باريس.
وفي 7 ماي نظمت مظاهرة ضخمة في شوارع باريس ضمّت حوالي عشرين أو ثلاثين ألف مشارك دون وقوع صدام يذكر مع الشرطة.وقد ساند الرّأي العام الطلبة كما ساندهم العمّال نظرا إلى الوحشيّة التي واجهتهم بها الشرطة.
وفي 9 ماي دخل عمال مصنع ويسكو في إضراب واحتلّوه فتم إخلاؤه بالقوّة
وكانت ليلة 10 ماي من أعنف ما شهده شهر ماي حتى أنها سميت بليلة المتاريس إذ أعد الطلبة مظاهرة أخرى فحاصرتهم قوات الأمن بحضور الصحافة والمصوّرين .وقد رفضت الحكومة إطلاق سراح الموقوفين فكان المأزق.وارتجل الطلبة متاريس بلغ ارتفاع بعضها الثلاثة أمتار استعملت فيها حتّى السيارات.وصدرت التعليمات بالهجوم على الطلبة ليلا فحقق الشرطة تقدّما ثم تراجعت بعد أن ألقت على الطلبة ما يناهز الخمسة آلاف قنبلة مسيلة للدموع.
وقد بدا أن الطلبة انهزموا ولكن الواقع غير ذلك.فقد تعاطف معهم الباريسيون فمنحت الحكومة الطلبة ما أرادوا.واطلقت سراح الموقوفين ولو بشيء من التأخير.
وقد صدمت صور العنف المواطنين فتظاهر يوم 13 ماي الفرنسيون في مظاهرات جمعت داخل باريس مابين المائتي ألف متظاهر والمليون بحسب التقديرات وما يناهز المليون مواطن في ثلاثين مدينة داخليّة.
ولئن أعاد بومبيدو فتح الصوربون للتخفيف من الجواء المحتقنة فإن الطلبة سرعان ما احتلوها ليعقدوا الاجتماعات ولقاءات اللجان المختلفة صباح مساء.وقد توافد آلاف الأشخاص على هذه الاجتماعات للمشاركة في ما كان يدور فيها من حوارات ولذلك طيلة الأيام الموالية.
وانتشرت شيئا فشيئا ظاهرة الإضرابات الوحشيّة في فرنسا وما يصاحبها من اعتصامات واحتلال للمصانع.ففي 15 ماي وقع أول إضراب في مصنع تابع لشركة رونو و بلغ عدد المصانع التي احتلّها العمال يوم 16 ماي خمسين مصنعا.ولئن كان عدد المضربين يوم 17 ماي لا يتجاوز المائتي ألف مضرب فقد بلغ بعد يوم فحسب المليونين في قطاعات هامة مثل الحديد والصلب (45 مصنعا) وصناعة السيارات (19 مصنعا)والصناعات الغذائية(15 مصنعا) وتقنيات الكهرباء(17 مصنعا).ودخل المهندسون والإطارات (الكوادر) العليا المعمعة ليرتفع عدد المضربين يوم 21 ماي إلى أربعة ملايين في كامل فرنسا.
ولكن الرقم القياسي الدال على الشلل الذي أصاب تحقق يوم 24 ماي إذ ناهز عدد المضربين التسعة ملايين متجاوزا بذلك إضراب سنة 1936 (ستة ملايين مضرب عن العمل) فتوقفت جميع المرافق الحيويّة وابتكر الفرنسيون أشكالا جديدة من التفاعل بين مختلف الشرائح بما وضع الدولة ولو لفترة بين قوسين.فعلاوة على التلاحم بين الطلبة والعمال كان الفنانون يذهبون إلى المصانع ليغنّوا و يرقصوا وكان الناس يتحاورون في كل شيء وكانت لجان متابعة الإضرابات تبتكر حلولا للتسيير الذاتي للحياة اليوميّة من قبيل توزيع قصاصات البنزين على باعة المواد الغذائية الصغار وتنظيم عمليّة رفع الفضلات حتى أن بعض الجهات اصدرت عملة خاصّة قبل التجار أنفسهم التعامل بها.
ورغم محاولة النقابات بالتعاون مع الحكومة الالتفاف على المطالب العمالية وذلك بالتوصّل في وقت قياسي إلى اتفاق يوم 27 ماي فإن العمال رفضوا ذلك الاتفاق وأعلنوا مواصلة الإضرابات والاعتصامات.
وفي الثلاثين من ماي أعلن جورج بومبيدو في المذياع حلّ البرلمان والاستعداد لتنظيم انتخابات تشريعيّة .
الصادر عن دار “سوي “
– عادل الحاج سالم : من وجوه حركة ماي/ أيّار 68 : برنار كوهين بنيديت أو داني الحمر
– مقتطفات من نصّ مصطفى الخيّاطي : عن البؤس في الوسط الطّلاّبيّ
– عبد السلام بنعبد العالي : ماي 68 آخر، هل هو ممكن؟
– عبد الواحد المكني : عندما هبّت رياح ماي/ أيار 68 على شرق المتوسّط
– أنور بدر : الثورة الطلابية والخروج من المتن إلى الهامش : نهاية اليوتوبيا أم نهاية التاريخ؟
-محمد سيد رصاص : القصووية اليسارية كنقطة دالة