ماي/أيار 1968 بعد أربعين عامًا(2) إدغار موران قارئا لحركة ماي/أيار الطلابية

من وحي شعار القرن الثامن عشر “لن تصبح البشرية سعيدة حتى يشنق آخر أرستقراطي بأمعاء آخر كاهن”خرج علينا الطلاب في ماي 1968 بشعار فيه بعض من عنفه ولكن ببرنامج النصف الثاني من القرن العشرين طالبين من الجميع التوقف : توقف… السلطة العالمية لمجالس العمال سوف تقضي عليكم قريبا. توقف… لن تصبح البشرية سعيدة حتى يشنق آخر بيروقراطي بأمعاء آخر رأسمالي. توقف… يعيش نضال بحارة كرونشطاط والماخنوفيين ضد تروتسكي ولينين. توقف… عاشت ثورة 1956 المجالسية في بودابست. توقف… لتسقط الدولة. توقف… تعيش الماركسية الثورية.( من وثائق الحركة )

وتوقف هؤلاء وآخرون فعلا ولكن لبعض الزمن. غلت باريس وأزبدت وأرعدت واحترقت ثم خبا لهيبها وأكلت نار الثورة نفسها قبل كل شيء. لكأنّها ابتلعت حتى دخانها نفسه فلم يبق منها غير فلول من اليسراويين التائبين أو الباحثين عن أفق آخر. هل ضاع كل شيء ، الصيحات والأحلام، لتحتضن البرجوازية من جديد أبناءها الضالين أو لتضع من أصرّ منهم على جنونهم في المصحات العقلية ، ولتعيد البيروقراطية نحت صورة ” الثورة ” بعد أن خلصتها من كل صور اللعب والمشاغبة والعفوية التي طبعتها والتي كانت في نظرها ذنبها الذي لا يغتفر وعلّتها التي لا يداويها غير حزب الطبقة العاملة المنظّم والمهيكل ؟

للحديث عن كل هذا يقدم ادغار موران تحليله للحدث ولكن خاصة فهمه لما بعد ماي، متوقفا طويلا عند التغيرات التحتية التي أحدثها. هل يمكن للتاريخ أن يكون بعد ماي مثلما كان قبله ؟

{{1) قصة ماي}}

يقول ادغار موران في سرده لأحداث ماي إن التغيرات العميقة تحدث تحت الأرض، في الطوابق السفلية من الثقافة، هذه الطوابق التي تآكلت في صمت دون أن يشعر أحد بأي شيء. أما الآن فنحن نعرف مدى تآكلها.إن هذه التغيرات تكون أيضا في الجو العام أو في ذهنية العصر. تفتتت بديهيات فولدت شيئا فشيئا طريقة أخرى للنظر إلى الذات أو لنظر الفرد إلى حياته والى المجتمع . إننا بلغة عصر آخر قديم بإزاء حساسية جديدة.

كانت حركة 68 المحرك والدافع والمضخم لشيء ما اختمر دون أن يحس أحد بشيء. ولوصف هذه الحركة يبدو تعبير ” الثورة الثقافية “أكثر مما تتحمله ،أما تعبير” تطور ثقافي ” فهو رخو وضعيف، فلنقل إذن تحول ثقافي. إن اليسراوية التي لم تكن توجد إلا في مستوى ميكروسياسي أصبحت حقيقة سياسية، أقلية بلا شك، ولكنها حقيقة باعتبارها فاعلا ماديا وخميرة اديولوجية. وعندما نقول يسراوية يجب أن نفهم مجموعة من اليسراويات بمعنى مجموعة من الألوان الأكثر تنوعا من الاتجاهات المتحررة إلى المنضبطة آخذين بعين الاعتبار التباين في رؤية المشروع الثوري وقلة الباع النظري والفوضى التنظيمية. إنها في كلّ الأحوال اتجاهات ثورية خنقها لعقود الضغط الستاليني وحكم عليها أن تعيش في مواقع سياسية تحتية.

إن الطبيعة النموذجية لأفضل جوانب هذا الوضع اكتسبت أهمية انفجارية.جرى إلهام العمال بالنقاش الحر والسعي إلى نقد راديكالي. وأكثر ما يميز الحركة طابعها الانفجاري المعمم.

وهو ما لم يكن متوقعا. فقد ولدت هذه الحركة في مجموعة صغيرة من الطلبة في ضاحية باريس ولكن أدت بسرعة خاطفة إلى أزمة على المستوى الوطني الفرنسي فجمعت الشبابين الطلابي والتلمذي ثم أدت إلى الإضراب العام بل وصل الأمر إلى شل جهاز الدولة والدولاب الاقتصادي لوقت ما. كيف يمكن أن تنتشر في سرعة صاعقة وفي جمهور عريض أفكار كانت إلى وقت قريب هامشية ؟ كيف يمكن للشباب والطلبة أي لفئات ضبابية ليس لها أي مكان في مصنفات علم الاجتماع ولا في النظريات الماركسية أن تتحمل أعباءها.

لعلّ من أهم ما في ماي أنها كانت ميتا- ماركسية أو فلنقل إن الماركسية كانت وقتها ” معلّقة ” كانت روح الحركة انسجاما فريدا ماركسيا فوضويا حيث اختلطت بشكل رائع مجموعة من الاتجاهات ولكن بشكل حي ونابض وتآلفت عناصر جاءت من التقليد الفوضوي مرتبطة بمجلة “اشتراكية أو بربرية” ومن السيتوياسنية ومن الماركسية بالقدر نفسه. حدث الانفجار لا حيث تنبأت النظرية ولكن في موقع آخر، موقع الشباب والطلبة. إن طرافة الحركة تكمن في طابعها الشعري الحالم والتلفيقي وفي هجنتها ونزوعها إلى حياة من نوع آخر وانفتاحها.

لقد حدث كل شيء في وقت كان فيه الفكر التقني السوسيولوجي الاقتصادي البورجوازي يعيش حالة من الانتشاء المنتصر. كان علم المستقبليات يتوقع نموا في مستوى العيش ويعد بالسعادة والثقافة والترفيه واللذة. كان يحلم في نشوته المنتصرة بحل كل المشكلات الاجتماعية. كانت المدونة التي تلت فكر ريمون آرون تتوقع أن يصبح الاتحاد السوفيتي ديمقراطية على الطريقة الأمريكية، أما الولايات المتحدة فإنها قليلا قليلا ستأخذ طابعا اشتراكيا مع ما ستحدثه منافع التخطيط الاقتصادي. ستحل الإنسانية مشكلات الجوع والحاجة. وفي كلمة سيكون العيش الرغيد في متناول الجميع. لقد بيّن ماي زيف هذه الأحلام ولكن إلى وقت إذ أنّ الحركة تلاشت بنفس السرعة التي ظهرت بها.

{{2) ماي يحذف ماي}}

يرى ادغار موران أننا لا يمكن أن نتحدث عن ماي دون أن نتحدث عن ظاهرة حذف ماي. فالمجتمع الفرنسي ليس هو الذي احتوى الحدث -أو أوهم بأنه هضم الوجبة الثقيلة – كما يقال أحيانا في كثير من السذاجة بل إن الإيديولوجيات هي التي نجّرته و قطعته وسوّته حتى يدخل ضمن قالبها وهذا هو المدهش حقا. عاد كل شيء إلى النظام، ليس النظام البورجوازي فحسب ولكن نظام الأحزاب الشيوعية والترتستكية والماوية .

لقد أكلت حشرات ما بعد الموت الجثة، أما ما تبقى فهو غير المؤدلج وغير المعقلن. لماذا لا نفهم اليوم ماي إلا بصعوبة ؟ لأن هناك جانبا غير شفاف يمنعنا من ذلك وهو انتفاء عامل الصدفة. أدخل ماي في الأطر العادية واستبعد منه جانبه العفوي الانفجاري والهجين. لقد عمد علماء الاجتماع إلى محو كل ما يمنعهم – كل على طريقته – من صنع نظريته للمجتمع الصناعي المتقدم أو يتجاوز هذه النظرية. لقد أصبح ماي في تلك اللحظة حلقة، مجردة حلقة في بناءاتهم الذهنية وبالتالي فسر على انه لحظة فشل داخل المسار نتيجة البنيات الخاصة لفرنسا وللدولة. وهكذا تحول ماي إلى مجرد إنذار أو هبّة خاطفة .

لقد حدث الانفجار حيث لم تتوقع النظرية . ولذلك كان من الضروري إثبات أن الحدث لم يكن من صنع الحركة الثورية الطلابية التي قامت به ولكن من صنع الحركة المطلبية العمالية التي أعقبته.لقد حاول البعض أن يثبت أن ما صنع نجاح ماي أي جانبه العفوي غير المنظّم كان أيضا سبب فشله أي غياب حزب ثوري مؤطر وان يثبت أيضا أن أصالة وخصب ماي أي جانبه الفوضوي والوجودي الخارج عن القالب الماركسي هو عيبه وخطأه بمعنى غياب حزب ثوري. ولان الظواهر التي تتحلل وتتفكك بمجرد عملية جزر هي الظواهر الشعرية الاحتفالية الهجينة -وهذا هو الجانب الطريف في ماي – فانه لم يبق بعد ذلك منه غير البنيات الصلبة أي التنظيم اللينيني للشبيبة الشيوعية الثورية والبنيات الأسطورية القوية للنظرية الماوية .

إن الهياكل المنظمة التي اضطلعت بالإحداث واستطاعت أن تصمد بعدها هي التي شوهت الحركة من خلال عقلتنها إذ تشرح الشبيبة الشيوعية الثورية ذات المنزع التروتسكي فشل ماي بغياب حزب الطبقة العمالية المنظم ويفسر الماويون المسألة بضعف الارتباط مع الجماهير. وبالتالي يمكن أن نقول إن أول نتيجة من نتائج ماي هي حجب ماي وتغييبه. كانت هذه هي النتائج الأولية المشاهدة ولكن الأهم ربما هو الظواهر السياسية والتنظيمية التي عرفتها الساحة العامة الفرنسية عقب ماي. فقد أصبحت الأحزاب التي كانت تغذيها اليسراوية تتغذى بعد خمود الحركة من نواقص اليسراوية . فكثير من الشباب المناضل يجوبون طريق الأمل والبحث ثم تصيبهم الخيبة.

هنا يدخل إلى خشبة المسرح الخاسر الكبير وهو الحزب الشيوعي الذي انتقد كحزب إصلاحي عاجز، يؤجل بلا نهاية قيام الثورة، الحزب الستاليني. هنا يتوجه الحزب الشيوعي إلى أولئك الذين اكتسبوا الوعي إبان ماي ثم أحسوا بالضياع ويئسوا من اليسراوية ليقترح عليهم جانبه الجدي ومعرفته بالواقع ومنزلته كحزب الطبقة العاملة. وفعلا فقد التحق به أولئك الذين واصلوا الإيمان بشيء مّا. فأصبح بعد بضعة سنوات الرابح الكبير من فترة ما بعد ماي . ولكن الذين التحقوا به كانوا عددا صغيرا ولفترة وجيزة. إذ لم يتوقف رغم ذلك النزيف داخل الحزب الشيوعي فكثير ممن يعززون صفوفه يكتشفون الجانب الطقوسي فيه أو يصيب الذعر الجهاز بسبب وجودهم فيغادرونه .

عندها كان الحزب الاشتراكي جاهزا ومع نهضته المرتبطة بشخص ميتران استقطب عناصر من جهات مختلفة ومن بقايا اليسراوية أيضا . إن الحزب الاشتراكي الذي أصابته اليبوسة أيام الجمهورية الخامسة والذي قللت من اعتباره حرب الجزائر وانهار تماما في ماي يمتلئ ويعظم من جديد لأن الأمل هزل وضمر حوله . هكذا تبدو أكثر مكونات اليسار تجمّدا عندما وصل ديغول إلى الحكم هي الرابح الكبير من آثار الحركة وذلك باحتوائها واستقطابها لكل العناصر التي لم تتلاش نهائيا وهي أيضا المستفيد من القوى المجددة التي ظهرت في ماي 1968. ويتساءل ادغار مور أخيرا هل دخل كل شيء في القالب وهل قضت ردة ما بعد ماي على وعود ماي وأحلامه؟

{{3) هل ضاع كل شيء حقا؟}}

يرى الفيلسوف إدغار موران أن ماي قد رجع إلى المناطق السفلية تحت الأرض التي جاء منها ولكن الأشياء قد تغيرت في العمق منذ ذلك الوقت. فبمجرد انخفاض في سعر الفرنك أو بمجرد اضطراب اقتصادي أو هزّة تجتاح المجتمع الفرنسي موجة من الحيرة ومن الخوف الشديد. ماذا لو انهار كل شيء ؟ كيف ، لماذا ؟ لا أحد يدري هذا هو الجديد الذي جاء به ماي. ولملء الفراغ وجسر الهوة يتحدث البعض عن أزمة حضارة هذا التعبير الذي كان يمكن أن يوضح كثيرا من الأشياء وذلك بدفع المجتمعات الغربية إلى تصور شيء جذري وعميق ولكنه عوض ذلك أصبح التعويذة السحرية التي تتحدث عن الداء لتذيبه في جو من الغموض والضبابية .أصبحت أزمة الحضارة مخدرا بالقدر نفسه الذي كانت به فكرة المجتمع الصناعي جرعة من دواء مسكن .

يرى موران أن الحضارة كيان غامض ملغز فليست هي الثقافة ولا الاقتصاد ولا المجتمع ولا السياسة ولا الحياة اليومية. إننا نسكّن أوجاع الحضارة مثلما نداوي آلام الروح باستعمال الفليوم والاسبيرين والتحليل النفسي. ومن ناحية أخرى لا يعتقد أن كل شيء ضاع فعلا وهذا هو الجانب المحرك والحافز في ماي إذ يمكن أن نلاحظ بطريقة استرجاعية انه كانت هناك حقبة ما قبل ماي في كثير من الميادين . مثلا كانت المطلبية النسوية تتمثل في السنوات الستين في التنظيم العائلي وفي الأمومة السعيدة وهي حركة نشطتها نساء طبيبات لتجنيب النساء ويلات الإجهاض السري، في نفس الفترة تغير نضال المرأة بشكل خفي وتحتي في الجمعيات النسوية الكاثوليكية. تغير نوع النضال بدون أن تشعر النساء بذلك فلم يعد الأمر يعني فقط المرأة في المنزل التي تريد أن تربي أبناءها بشكل أفضل بل ولدت حاجات نسويه جديدة .

لم تجد هذه الاندفاعة الشكل الذي تعبر به عن نفسها إبان ماي ولكن الحركة بشكل غير مباشر وملتو غذتها وألهبتها وبعد انحسار الحركة تحركت الأشياء بأكثر سرعة. حدث تحول ثقافي كان في حالة تبرعم ولعل ذلك كان أيضا بتأثير من الظواهر الأمريكية. هذا التحول قطع مسافات أبعد مما فعله ماي نفسه . العجيب أن ماي يبدو في لحظة وقوعه كمعطل ولكنه كدافع ومحرك بعد ذلك حدث نفس الشيء بالنسبة إلى موضوع البيئة كان ماي عاصفة أسقطت الأوراق اليابسة ، صدمة كهربائية حررت المجتمعات الغربية من كثير من المحظورات( جنسية وأخرى )ففي حين ضعفت هذه التابوات مرت أفكار الستينات من الثلمة ومن يومها لم تظهر أفكار جديدة ولكن هناك أيضا أشياء جديدة أخرى تتصل ببعض هياكل الدولة التي وضعت محل تساؤل ومن قبل الدولة نفسها . نعني بذلك السجون مثلا . هناك الآن كتابة للدولة للاهتمام بهم ولتحسين أوضاعهم . وهو أمر كان غير مفكر فيه قبل ماي .

وبالتوازي مع الحركة المناهضة للسجون ( التي ولدت بعد ماي إذ ادخل كثير من المناضلين المصحات العقلية لأن السجون لم تكن تلائمهم )ولدت حركة مقاومة لمبدأ العقوبة ذاتها ولا بد لفهم هذا الأمر من موضعة هذه الظاهرة. إن كل الفئات التي كان ينظر إليها على أنها أقليات ( الشباب، المرأة ) أو القضايا المهمشة ( الجنس، الاختلافات العرقية )أو الأصناف الاجتماعية المحتقرة ( المجنون، السجين ) قد أعيد إليها الاعتبار في نظر نفسها أولا ولكن بشكل أكثر أو اقل في نظر المجتمع ذاته.

فقد عجل ماي حركة السقوط التاريخي للنموذج الثقافي المهيمن للرجل الأبيض الكهل والفعال والسوي الذي يجب أن يخضع له الشاب والمرأة وغير الأبيض وغير المنتج والجانح. إن اللحظة الحاسمة هي لحظة انقلاب القيم. إنها اللحظة التي يختزلها شعار” الأسود جميل ” لدى السود الأمريكان الذين تحملوا الإهانة إلى حد ذلك الوقت وقبلوا أن الأسود أقل جمالا من الأبيض. فمنذ اللحظة التي يقول فيها الزنجي ” الأسود جميل ” يزول مرض الدونية. لقد انتشرت هذه الفكرة في صفوف الأقليات “المساحقة جميلة ” ” المأبون جميل ” “المحبوس جميل “.

ولأنه ولد لدى شريحة من المثقفين في فرنسا مناخ ملائم لاعتبار المعوقين أقلية مضطهدة لا مجموعة منحرفة يجب معاقبتها أو إقصاؤها فان عمل فوكو (الذي اندفع بالضبط بعد ماي إلى مواصلة بحثه حول السجون في شكل مقاومة لعقلانية السجن المزيفة) استطاع أن يمثل منبها لشريحة من الرأي العام وللإدارة التي أصبحت منذ ذلك الوقت منفتحة على مثل هذه القضايا متفهمة لها . وبشكل متواز وفي حقل ضيق نسبيا أعيد الاعتبار إلى البروليتاريا الرثة. هنا لا يفهم الأمر إلا بتأثير حركة الهيبيز ومتاهات ما بعد ماي . اكتشفنا هنا أيضا أن الهامشي ومن هو خارج الإطار هو ملاذ وحقيقة. أصبح البعض يريد أن يكون أجنبيا غريبا أو غجريا في نظر المجتمع البورجوازي.

وتوجد أخيرا مسالة أخرى في غاية الأهمية وهي الحذر من كل ما هو عقلاني بل الحذر من العلم نفسه.فإلى حدود ماي 1968 كان علم الاجتماع منتصرا ومنتشيا،علم اجتماع الدراسات الميدانية والتحقيقات والاستجوابات وسبر الآراء. كان علماء الاجتماع يعتبرون أنفسهم علماء لأنهم يعالجون مجموعة من الأرقام كانوا يقلدون بشكل مضحك أصحاب الميدعات البيضاء ولكن كانوا في كل ذلك يستجيبون إلى حاجة إذ كان علماء الاقتصاد التكنقراطيون بصدد فقد أنفاسهم في بداية الستينات لكن تفطنوا عبر عمليات التخطيط التي كانوا يقومون بها أن هناك عنصرا عقليا يفلت من بين أيديهم ، انه العنصر الإنساني فالتجؤوا إلى علماء الاجتماع وهكذا تكاثرت الدراسات الميدانية حول هذا العنصر النفسي الاجتماعي الثمين.

ولكن عندما حلّ ماي اكتشف علماء الاقتصاد التكنقراطيون من خلال الوقائع أن دراسات علم الاجتماع لم تصلح لشيء إلا لحجب الحقيقة من هنا خسر علماء الاجتماع مصداقيتهم في عين جهاز الدولة كما فقدوا مصداقيتهم في أعين الطلبة الذين ظنوا إلى وقت انه يساعد على فهم المجتمع ولكنهم اكتشفوا مزيجا مختلطا من التقنيات ، اكتشفوا اختصاصا قد تفجر إلى قطع صغيرة.

ولعلّ هذه الظاهرة أوسع من هذا بكثير فهناك مراجعة للعلم نفسه والمسالة واضحة خاصة في أمريكا حيث نشاهد فيزيائيين أو بيولوجيين شبان يتركون البحث .إنهم يفهمون جيدا أن أبحاثهم لا تصلح إلا لخلق تكنولوجيا سريعا ما تحتويها الآلة السياسية العسكرية .في حين كان أسلافهم يرفضون الاعتراف بأن أبحاثهم مرتبطة مباشرة بالقنبلة وبالحرب الجرثومية أو الكيماوية ومن جهة أخرى يبدو العلم نفسه غير مفهوم أكثر فأكثر حتى بالنسبة إلى العلماء أنفسهم إذ تبدو الفيزياء اليوم علما يضطرب داخل عالم من الجزيئات غير المفهومة .

من هنا الاندفاع نحو عالم الشعر والفن والتصوف وبشكل عام يمكن أن نقول إننا نجرؤ اليوم أن نفكر في مسائل كانت محظورات بنيات الفكر تمنعنا من التفكير فيها .قبل ماي مثلا.كانت مسائل مثل التقدم و العلم والتقنية مسائل بديهية ومن يجرؤ على وضعها محل تساؤل كان يتهم بالرجعية .في خلاصة لقد فهمنا اليوم إن العقل إذا كان فعلا عاقلا لا يمكن أن يعقلن كل شيء إذ أن العقل يجب أن يضع العقل محل تساؤل فكما انه لدينا ميتا-ماركسية أصبح لدينا أيضا ميتا-عقلانية وميتا-علموية كلّ هذا أمر جنيني حاربه تراجع ما بعد ماي .

هذا هو ماي بالنسبة إلى ادغار موران ضاع منه الكثير بلا شك ولكن بقيت منه أحلام عادت إلى مكانها الذي كانت تختبئ فيه ربما لتمتلئ من جديد ولتأكل قليلا قليلا القشرة الأرضية التي تخبئها لتخرج إلينا في ثوب آخر ولكن لتعيدنا مثلما كان إلى أنفسنا نعكف على قضاياها وقد تحدينا مرة أخرى كل ممنوعات مجتمع السلعة والتحالف المقيت بين سطوة المال واستبداد الجهاز.

-*ادغار موران فيلسوف وعالم اجتماع فرنسي. مدير أبحاث متميّز بالمركز الوطني للبحث العلمي . عكف في أبحاثه على تحليل كل قضايا الإنسان والعالم المركّبة والمعقّدة. مؤلفه الأكبر هو المنهج ( 8مجلدات ) حلّل أحداث ماي وهي ما تزال ساخنة في كتابه” الثلمة” ثم عاد إلى الكتابة في هذا الموضوع بعد عشرين سنة في مصنف بنفس العنوان يعدّ بعد أربعين سنة من الأحداث صيغة جديدة لنفس الكتاب.