في الذكرى 60 لضياع فلسطين: الحياة الثقافية الفلسطينية قبل عام النكبة – سينما، مسرح، رواية، وترجمات لكبار الكتاب العالميين

تقول جريدة (لوموند دوبلوماتيك) معلّقة على كتاب الدكتور وليد الخالدي (قبل الشتات) والذي ضمّ صورا من فلسطين التقطت بين عامي 1876 و 1948: كلنا سمع بالشعار الصهيوني (أرض بلا شعب، لشعب بلا أرض).. إن هذا الكتاب هو الحجة الداحضة لهذا القول.

ضم كتاب الدكتور وليد الخالدي مئات الصور التي تُظهر تلك الحيوية الصاخبة في مجتمع حيّ: في المزارع والمصانع والرحلات والمظاهرات ودور السينما والنوادي الرياضية والسهرات الاجتماعية والأعراس والعمران والحياة الثقافية والفنية وزيارات كبار الكتاب والمطربين لفلسطين.. بحيث يلمس المرء مجتمعا راسخا واندفاعا نادرا رغم كل الظروف المحيطة به والهجمة الصهيونية عليه.

منذ أيام وقع في يدي عدد من جريدة النفير، التي كانت تصدر في حيفا، يعود تاريخه لعام 1937، وفي هذا العدد الذي ضمّ (مجموعة شهادات عرب فلسطين أمام اللجنة الملكية البريطانية) عقب ثورة فلسطين الكبرى عام 1936، يمكن للمرء أن يشاهد عددا من الإعلانات التي تلفت الانتباه حقا، ولعل أهمها ذلك الإعلان الذي يدعو للاكتتاب في أسهم (شركة السينما العربية المحدودة) المسجلة بموجب قانون الشركات لسنة 1929، وهي أول مشروع من نوعه بحيفا برأسمال خمسة آلاف سهم، قيمة السهم جنيه فلسطيني.وكما يؤكّد الإعلان (الأرباح أكيدة والفائدة عظيمة).

ومن الجميل أنّ الإعلان يختتم بهذه الحرارة (فهيّا إذن أيها العربي لتقوية بنيانك الاقتصادي العربي) بما يعنيه ذلك من وعي بأنّ السينما جزء من الاقتصاد الحيّ للأمم..

يورد (بشار إبراهيم) في كتابه (السينما الفلسطينية في القرن العشرين مستندا لكتابات عدد من الباحثين أن تاريخ السينما الفلسطينية يعود إلى عام 1935عندما قام إبراهيم حسن سرحان بتصوير فيلم تسجيلي (20 دقيقة) عن زيارة الملك سعود لفلسطين، ويروى أن سرحان قام بانجاز فيلم بعنوان (أحلام تحققت) الذي شارك فيه المطرب الفلسطيني سيد هارون، كما أن هناك حديثا عن أفلام مثل (في ليلة العيد) و(عاصفة في بيت) وقد عرضت في تلك الأيام أفلام مصرية مثل فيلم (ابن الصحراء) من بطولة بدر لاما وهو فنان فلسطيني الأصل عمل مع شقيقه إبراهيم لاما في تأسيس السينما المصرية.

وكما كان الأمر في السينما كذلك كان في الأدب فقد كان تاريخ فلسطين الأدبي جزءا من تاريخ الأمة العربية، ويمكن التعرف على جانب مهم من حياة فلسطين الثقافية والعمرانية قبل القرن التاسع عشر، من خلال كتاب الدكتور إحسان عباس ( فصول حول معالم الحياة الثقافية والعمرانية في فلسطين) ولم تدخل تسمية الأدب الفلسطيني إلا حديثا، أي بعد انتهاء الحكم العثماني، وقدوم الاستعمار الأوروبي، وما تبعه من تقسيم للوطن العربي إلى دول، ومناطق نفوذ.

ونستطيع القول إن تهجير الفلسطينيين من بلادهم قد بدد الكثير من الكتابات التي كانوا أنجزوها، بحيث اختفى بعضها تماما، أو أن بعضها لسبب أو لآخر لم يكتشف بعد. وقد عملتُ منذ أربعة أعوام على إعداد وإصدار الأعمال الشعرية للشاعر الفلسطيني أحمد حلمي عبد الباقي، وقد اكتشفت في أشعاره التي نشرت لأول مرة بعد أربعين عاما من وفاته أن وجوده يعيد ترتيب خارطة الشعر الفلسطيني والعربي في النصف الأول من القرن العشرين لأنه شاعر مختلف كرّس شعره كله للرباعيات.

وإذا ما عدنا للسنوات الأخيرة من القرن التاسع عشر، فسنرى كثيرا من الترجمات التي قام بها الفلسطينيون، وقد مهّد لذلك وجود الإرساليات، وانتشار أكثر من لغة مثل الفرنسية، الألمانية، الإنجليزية، الإيطالية والروسية. وظهر عدد من الكتاب الرواد في مجال ترجمة الآداب مثل المسرحي الفلسطيني خليل بيدس، وسليم قبعين، وأنطون بلاّن وسواهم. كما ظهر مترجمو مقالات وقصص، وأسس خليل بيدس صحيفة (النفائس) عام 1908.

ترجم خليل بيدس عام 1898 ثلاثة أعمال روسية من بينها: ابنة القبطان لبوشكين، وترجم نجاتي صدقي بعض أعمال تورغنيف، بوشكين، تولستوي، غوركي، تشيخوف، ثم ظهرت ترجمات عن الإنجليزية لأحمد شاكر الكرمي الذي يعتبر رائد الترجمة في العالم العربي، إضافة لترجمات عن الفرنسية وسواها لكتاب مثل: أوسكار وايلد، ملفيل، شيلي، موباسان، طاغور، ومارك توين. وترجمت عنبرة سلام الخالدي ملاحم: الإلياذة والأوذيسة، والإنياذة. كما ترجم جميل الجوزي ونصري الجوزي عشرات المسرحيات عن الإنجليزية، ويقول الدكتور حسام الخطيب في كتابه عن الترجمة في فلسطين: إن الصحف والمجلات الفلسطينية امتلأت بالترجمات في الثلاثينات من القرن الماضي.

كما ترجم عادل زعيتر عن الفرنسية عددا من أهم النصوص بلغة رائعة، لفولتير، روسو، والأعمال الكامله لغوستاف لوبون، وأناتول فرانس. وفي عام 1938 ترجم أمين أبو الشعر جحيم دانتي.

وإذا ما عدنا لكتاب الدكتور وليد الخالدي قبل الشتات فإنه يتيح لنا أن نلاحظ حياة حافلة بالنشاط المسرحي الذي كان رائده جميل البحري الذي توفى عام 1930 وقد كتب 12 مسرحية، وكتب نصري الجوزي 17 مسرحية، وكتب أسطفان سالم 8 مسرحيات وأسمى طوبي أربع مسرحيات. وفي القدس وحدها كان هناك أكثر من ثلاثين فرقة مسرحية فلسطينية قبل 1948، وكان يوجد في فلسطين مثلا قبل عام 1948، 42 مستشفى. وقد بدأت الرواية الفلسطينية بالظهور منذ العشرينات، فظهرت رواية خليل بيدس (الوارث) عام 20، ورواية (الحياة بعد الموت) لاسكندر البيتجالي عام 20 أيضا، وفي عام 1946 كانت بداية الرواية العربية الحديثة حقا على يد جبرا إبراهيم جبرا في روايته (صراخ في ليل طويل) وقد كان كبار فناني العالم العربي مثل أم كلثوم ونجيب الريحاني يقدمون حفلاتهم في فلسطين وكذلك الأمر بالنسبة لكثير من المسرحيين العرب والكتاب، توفيق الحكيم مثلا، والشعراء العرب الكبار مثل الجواهري..

وتشير الأبحاث إلى أن عدد الصحف والمجلات الفلسطينية التي صدرت في فلسطين بين عام 1871و1948 حوالي 190 صحيفة ومجلة أدبية وسياسية واقتصادية ورياضية..

أما على صعيد النقد، فكان من أوائل النقاد الفلسطينيين روحي الخالدي الذي نشر كتابا بعنوان (تاريخ علم الأدب عند الإفرنج والعرب) عام 1904 وكان نشر عام 1902 كتيب بعنوان (فكتور هيجو.. بطل الحرية وشاعر الفرنسيس في القرن التاسع عشر). وقد لعب النقد الفلسطيني فيما بعد دورا مهما في الأدب العربي: وساهم اثنان من النقاد الفلسطينيين بدور بارز في الوقوف مع حركة التجديد في الشعر، إحسان عباس، وجبرا إبراهيم جبرا الذي كان وصوله لبغداد عام 1948 بمثابة عاصفة فنية، يقول الشاعر والناقد التشكيلي العراقي فاروق يوسف: لقد جر جبرا خيط حريته وراءه من القدس إلى بغداد إلى بيروت، ولقد فعل هذا الخيط في حياتنا الثقافية ما يمكن أن يفعله مصباح مضيء وسط عتمة دامسة. لقد التمَّ المبدعون ممن كانت مواهبهم في انتظار المعجزة حوله مثلما تفعل الفراشات، فكان أن وجدت نوايا التجديد في الشعر والرسم من يقودها في الاتجاه الصحيح .. ومثلما شهدت له الخمسينات أنه قد أحدث تحولا كبيرا في نظرة الفنانين إلى الحياة ونظرة المجتمع إلى الفن، فإن الستينات تشهد له أنه رعى الانقلاب الرؤيوي الكبير الذي عاشته تلك السنوات).

يستدعي المرء ذلك كله في الذكرى الثامنة والخمسين لضياع فلسطين، وهو إذ يعرف هذا كله، وهو بعض من كثير كثير، يدرك كيف استطاع الفلسطيني أن يقاوم وينجز ويبدع ثقافة مؤثرة إنسانيا وفنيا رغم الاقتلاع وكل الظروف التي أحاطت به وعلى مدى أكثر من مائة عام.