
هي كاتبة مبدعة ومتفردة في الوسطين العراقي والعربي ولها بصمتها المميزة في الأدب العراقي، مبدعة متقدة الموهبة حادة البصيرة، تستخدم كل مجساتها للوصول إلى لذة الكتابة ومتعة الكشف .. لها من الأدوات والأسلحة في ميدان الإبداع والفكر ما يجعلها في وفرة واكتناز دائمين، ولنا في هذه اللمحة عن بعض انجازاتها ما يثبت صحة دعوانا ، فقد أصدرت في حقل الإبداع القصصي والروائي، – ممر إلى أحزان الرجال -قصص، بغداد – 1970، والبشارة- قصص – بغداد – 5197،-التمثال – قصص -بغداد – 1977 ،- إذا كنت تحب – قصص- بغداد -1980، – عالم النساء الوحيدات – رواية وقصص -بغداد- 1986،-من يرث الفردوس – رواية-الهيئة المصرية العامة للكتاب- القاهرة و-بذور النار – رواية – بغداد – 1988، موسيقى صوفية- قصص- بغداد-1994- جائزة القصة العراقية القصيرة، – في المغلق والمفتوح- مقالات جمالية -تونس-1997-دار نقوش عربية، – ما لم يقله الرواة- قصص -الأردن -دار أزمنة- 1999،- شريكات المصير الأبدي-دراسة عن المرأة المبدعة في حضارات العراق القديمة-دار عشتار- القاهرة-1999، -خسوف برهان الكتبى-رواية- ط 1-اسبانيا دار ألواح-2000-ط 2-رام الله – دار الزاهرة-2001، -الساعة السبعون-نصوص-بغداد – 2000 ، -ضحكة اليورانيوم- رواية- 2001 ، 15-برتقال سمية – قصص- 2002- بغداد، -حديقة حياة- رواية- 2004 طبعة 1 بغداد طبعة 2 دمشق. وفي حقل الترجمة أصدرت -بلاد الثلوج-رواية- ياسونارى كواباتا- دار المأمون – بغداد 1985، -ضوء نهار مشرق- رواية- انيتا ديساى- دار المأمون –بغداد1989، -من يوميات اناييس نن- دار أزمنة – الأردن-1999-شجرة الكاميليا- قصص عالمية-بغداد2002. كتاب العودة إلى الطبيعة – دراسة في نمط العيش على وفق الفلسفات الشرقية – الآسيوية. وفي حقل الدراما أصدرت المبدعة الدليمي – مسرحية الليالي السومرية- قدمت على المسرح ونالت جائزة أفضل نص يستلهم التراث السومرى- قراءة مغايرة لملحمة كلكامش – مسرحية الشبيه الأخير-1995 كوميديا سوداء – مسرحية الكرة الحمراء 1997،- مسرحية قمر أور- مسرحية شبح كلكامش – مسلسل تاريخي عن الحضارة الرافدينية ب 30 ساعة، 7-سيناريو صدى حضارة عن الموسيقى في الحضارة الرافدينية. ولها العشرات من الدراسات والمقالات التي نشرتها في معظم الصحف والدوريات والمجلات العراقية والعربية ، وعلى المستوى المهني فقد عملت لطفية الدليمي في حقل التدريس ثم انتقلت للعمل كمحررة في مجلة الطليعة الأدبية وبعدها عملت مديرة تحرير مجلة الثقافة الأجنبية، وهي الآن رئيسة تحرير مجلة هلا الثقافية التي تصدر في بغداد وتوقفت الآن بعد مغادرتها العراق، شاركت في عشرات الندوات الثقافية العراقية وقدمت شهادات عن تجربتها الإبداعية في مدن عراقية وعربية وأوروبية، كما كانت ناشطة وفاعلة في حقل العمل النسوي إذ أسست سنة 1992 مع عدد من المثقفات العراقيات منتدى المرأة الثقافي في بغداد وأسهمت في حوار عن أوضاع الإبداع النسائي مع كتاب وكاتبات من فرنسا،وأسست وأدارت من 2003 مركز شبعاد لدراسات حرية المرأة وهي عضو مؤسس في المنبر الثقافي العراقى2005،وعضو مؤسس في الجمعية العراقية لدعم الثقافة 2005. وقد حظيت أعمالها الإبداعية بالدراسة والنقد حيث قدمت أطروحات ماجستير ورسائل دكتوراه عديدة عن قصصها ورواياتها في عدد من الجامعات العراقية، كما ترجمت قصصها إلى الانكليزية والبولونية والرومانية والإسبانية والألمانية وترجمت رواية عالم النساء الوحيدات إلى اللغة الصينية.هذه المبدعة العراقية التي كانت ملكة حقا في حقلها الإبداعي وبيتها البغدادي الجميل، تعيش اليوم في شتات المدن الأوربية، من باريس إلى بيرن ، لا أحد يستوعب حلمها الذي تركته ينزف في بغدادها البهية، وفي هذا الحوار الخاص بـ”الأوان” حاولنا أن نضيء بعضا من سيرة وإبداع هذه المرأة الشامخة كنخلة عراقية عنيدة وعصيّة على التدجين والقنوط.
في إحدى مقالاتك عن المرأة في الفكر العراقي القديم أشرت الى” أن النصوص الأسطورية الأساسية في الأدب الرافديني لم تستند إلى تمييز جنسي بين الذكور والإناث في الفكر الرافديني، فقد خلق البشر إناثا وذكورا-في قصيدة الخليقة – متساوين ، كما تميزت اللغة السومرية بظاهرة غريبة هي تعدد اللغات لفئات المجتمع المختلفة، فقد كانت هناك لغة خاصة للنساء تسمى ( eme sal ) ويعني شرحها في قاموس اللغة الأكادية والسومرية (Lisani siliti ) بمعنى اللغة السليطة أو لغة الشجار أو لغة العراك حسب اللغة الأكادية السامية التي تعد من جذور اللغة العربية الحديثة وهو توصيف فيه بعض من الهجاء الذكوري للغة النساء” في هذا العمق العراقي من حقوق المرأة وتميزها ما رأيك بما يحدث للمرأة العراقية من قتل علني تجاوز كل الحدود غير المعقولة و في البصرة تحديدا ، أليست هذه مفارقة ، أم مهزلة ؟ أما زلت سليطة اللسان لفضح ما يجري ؟
لعلني أملك ما يكفي من الألسن وليس مهما أن يكون اللسان سليطا ليفضح ويعري ما يحدث، بل كيف ينطق هذا اللسان والى أية جهة يوجه خطابه وما هي تقنيات هذا الخطاب ..قد يكون صوت الرواية والقصة الآن مطموسا والجموع تكابد محنة العيش وسط التمييز العرقي والديني والطائفي والوظيفي محاطة بإطار من الانفجارات والجنائز والجثث المجهولة الهوية وهدير دبابات الاحتلال وتصريحات السياسيين المراوغة ، لكني وجدت أن مقالاتي الصحفية التي أنشرها في العراق وعلى مواقع النت تملك قدرة الإبلاغ وتصل إلى قارئات وقراء كثيرين وتؤشر على وجود تفاعل مع الكتابة الصحفية المتاحة لإطلاع عدد كبير من القارئين والقارئات . أثق إلى حد كبير بنظرية ( أثر الفراشة ) التي قال بها عالم الفيزياء ( ادوارد لورينز )،تحريك جناح فراشة في أوروبا قد يحدث إعصارا في البرازيل أو ربما في العراق ، الكلمة لها اثر الفراشة الخفيف لكنها تحفر مسارات خفية وتصل إلى الكثيرين ..نساء عراقيات وشباب عراقيون يكتبون لي وأرى عمق المرارة التي يعبرون بها عن استلاب حرياتهم وحقوقهم وتوقهم لتحطيم الأغلال التي يقيدهم بها المتطرفون والاحتلال والميليشيات ، و من جانبي اقترح عليهم قراءة ومتابعة ما يذكي توقهم للحرية،اكتب مقالات في هذا الاتجاه لصحف محلية تصدر في محافظات العراق التي اختطفها التشدد والعنف.
بمناسبة نظرية الفراشة ، ما هو دور نساء العراق العاملات في البرلمان العراقي خصوصا بالدفاع عن حقوق فراشات العراق اللواتي يحترقن يوميا بألسنة اللهب الطائفي والتناحر السياسي والعماء القبلي وغيره الكثير ؟
ما يشكل مفارقة صارخة في العراق هو تواطؤ النساء البرلمانيات المجللات بالسواد ضد حقوق النساء وقيامهن وبتنظيم مظاهرات ضد قوانين تنصف المرأة وسعيهن لإلغاء قانون الأحوال الشخصية لسنة 1958 الذي صدر بعد إعلان الجمهورية، فإذا علمنا أنهن يشكلن نسبة 25% من أعضاء البرلمان وغالبيته الراديكالية ،عرفنا كم هو حجم هذه المفارقة – نساء يصلن إلى البرلمان ويقفن ضد حقوق الإنسان وحقوق النساء ..
لقد أتت بهن الانتخابات المستندة إلى فتاوى تحض على انتخاب قائمة معينة حتى ان بعض الفتاوى أشارت إلى حرمة المرأة على زوجها والى حرمان من الثواب إن لم ينتخبا كتلة معينة ودخلنا عصر ديمقراطية مرجعيتها فتاوى متشددة !! لقد حشدت الأحزاب الدينية هذا العدد من النساء لتقدم قائمة مرشحيها التي يشترط الدستور وجود نسبة الـ 25% من النساء فيها فكانت النتيجة وبالا على المرأة العراقية .. المرأة العراقية الآن من أكثر نساء العالم تعرضا للاضطهاد والعنف والقتل ويوم24 ابريل 2008 قتلت الميليشيات المتطرفة من جيش المهدي مابين 15 إلى عشرين إمراة في حي السلام ببغداد لأسباب تتعلق بنزع الحجاب وارتداء البنطلون ومزاولة العمل الوظيفي وتلقت معظم النساء العاملات في هذا الحي تهديدات بالقتل وأحرقت محلات الملابس النسائية .. جرائم قتل النساء وذبحهن وكتابة رسائل تجريم تترك على جثثهن تنتشر الآن في مدن عراقية مهمة – سجلت( البصرة) أعلى نسبة للنساء المغدورات -60 ضحية خلال شهرين ،وفي حي العامرية الساخن – قامت الميليشيات بحلق رؤوس النساء وضربهن لأنهم لا يرتدين الجلباب وتتعرض من ترتدي صندلا أو تنورة أو سروالا للقتل المباشر ..ما يثير الألم أن عدد النساء اللائي قتلن في العراق منذ 1991 حتى 2007 -حسب مصادر صحفية معتمدة على إحصائيات منظمات دولية بلغ 12500 إمراة قتلن لجرائم شرف أو لنزع الحجاب أو انتحرن تحت الإكراه في المناطق الكردية ، والمجزرة تتفاقم كل يوم. كانت المرأة العراقية رائدة في مجالات التحرر والصحافة والدراسات العليا والهندسة والأدب والطب منذ عشرينيات القرن الماضي وبرزت نساء كثيرات في العمل الدبلوماسي والتمثيل والفنون والموسيقى والعلوم إلا أن الحروب وهيمنة النزعات العسكرية وتلاشي الطبقة الوسطى والتردي السياسي ثم الاحتلال وانهيار الدولة واستبداد السلطة الدينية وميليشياتها، أعادت المرأة إلى حظيرة الحريم واضطر نصف عدد النساء العاملات والدارسات إلى ترك العمل والدراسة خلال العامين الماضيين بسبب العنف وفوضى الاحتلال وعدم وجود دولة مؤسسات مدنية.. وهناك صمت ولامبالاة من قبل البرلمان والحكومة إزاء إبادة النساء ، وليس من إجراء لحماية النساء اللائي تبلغ نسبتهن نحو60% من نفوس العراق.. بل ان وزارة التربية في الحكومة القائمة على المحاصصة الطائفية – تفرض الحجاب على الصغيرات في المدارس الابتدائية وتصدر التعليمات لحجر البنات في مفاهيم العار والعورة والتحريم وتحول المدارس في البلد الذي أسس المدارس – الإيدوبا -منذ خمسة آلاف سنة في سومر إلى سجون للعقاب المبكر وتدمير الذات الإنسانية تحت طائلة الترويع والتهديد وطرد التلميذات غير المحجبات من عمر السابعة وحرمانهن من التعليم.. وتقوم عوائل عراقية الآن بتعليم الأطفال إناثا وذكورا في المنازل خشية تشويه نفسياتهم الغضة بالتعاليم المتشددة أو اختطافهم أو قتلهم ..انه إرث الديكتاتورية الذي أضيف إليه الخراب المنظم الذي أنجزه الاحتلال والتعصب الديني و التناحر الطائفي وانحراف السياسات الحالية والأهم من ذلك ضعف القوى العلمانية وتشرذمها مقابل تحالف الأحزاب الدينية والكتل السلفية المتعاونة مع الاحتلال ..
يذهب – أفلوطين إلى (أن تعبر من حياة إلى أخرى كمثل النوم في أسرة مختلفة في غرف مختلفة، كما يرى بورخيس أننا ( في كل لحظة من حياتنا نحن نَنسخ ونُنسخ)، ونحن نكتب كتابا واحدا .
إلى أي حد تضع لطفية الدليمي حدّا للتحرر من ضغط المؤثر الفكري والإبداعي السابق على تجربتها الإبداعية وكيفية تطويع المراجع الفكرية والحياتية لتكون ظهيرا للتجربة الإبداعية وليس عبئا عليها ؟
التجربة الإبداعية لا تولد حرة خالصة بين يدي الكاتب فهي تتأثر بجماع ما أنتجته البشرية من أساطير ورؤى وتجارب عيش ومكابدات وجود ومواجهات مع الطبيعة والأضداد ،نحن لا نكتب كتابا واحدا كما يقول بورخيس ، ربما أود تعديل المقولة إلى :إن لكل كاتب مشروعا ممتدا يتوزع على مجموع كتبه ومواقفه ، وينهل هذا المشروع من منابع التجربة الحياتية العامة والتجارب الشخصية
والمرجعيات المختلفة ، بالنسبة لتجربتي الممتدة في الكتابة استطيع القول إن كل عمل جديد لي هو أشبه بتعديل على جوانب من المشروع مع إضافات تعززه وتديمه وتجعلني أواصل التجربة ، بمعنى أن كتاباتي ليست أمرا ناجزا بل تجربة متواصلة ضمن مشروعي تستقي نسغها من تحولاتي الروحية والفكرية مثلما تخضع لمؤثرات كونية ووجودية مختلفة ،وكل تجربة لي في الكتابة تتأثر بالأمكنة والأزمنة التي أتعايش معها ،في بداياتي كنت أجد نوعا من الصعوبة في التحرر من المؤثرات الفكرية الضاغطة لأنني لم أكن قد طورت أسلوبا خاصا بي ورؤى تنتمي إليّ، ولكن التجريب والاختبار الشخصي للحياة والكتابة أفضيا بي إلى بلوغ مفهوم محدد للأسلوب، اشتغالي المثابر على خصوصية هذا الأسلوب واعتباري الكتابة نهجا وطريقة حياة أعانني في تطويع المراجع والتجربة الحياتية لتكون سداة مشتبكة مع خيوط النص الأساسية لا عبئا عليها ..
لم اسمع منك ما يكفي عن المراجع الأولى” تجارب أو أشخاصا ” والتي شكلت وعي لطفية الدليمي وصقلت موهبتها،ومن ثم كيف تعمل الخبرة لصالح طرد التقليد وانتهاج طريق خاص، إذا ما علمنا أن الكثير من التجارب قد طوقتها الخبرة بحزام ثقيل من الوصايا وصارت كالقبر الذي يضيق على روح الكاتب وإبداعه ؟
المرجعيات كثيرة ومتناقضة تماما،أقرا كل أنواع الكتب من العلوم الصرفة فيزياء وفلك وجيولوجيا إلى الفلسفة والتاريخ والأساطير والتراث الشعبي والتصوف ، ولأنني سحرت بالكتاب منذ طفولتي المبكرة كان الكتاب اقرب إليّ من كائنات حية لا أجد سبيلا للتواصل معها وكنت ابحث عن إجابات لأسئلة تطاردني وغالبا ما كنت أجدني محاصرة بأسئلة جديدة بدل الإجابات المتوقعة وكما تعلم ليس المهم الحصول على أجوبة ، الأهم هو أن نواصل اجتراح السؤال.
أعتقد أنك كنت تعملين منفردة من ناحية البحث والإبداع وتنتمين إلى جيل مجتهد ومبدع عموما من جهة أخرى؟
كان جيلي محظوظا من جانب نشأتنا في محيط محتدم بالتصورات السياسية وأحلام اليوتوبيا الأرضية ، ووجود فسحات من الحرية كنا نعبر فيها عن أنفسنا – رغم المخاطر – بتجمعات ثقافية و مظاهرات وبيانات وكتابات تجريبية وتواصل مع تيارات فكرية مختلفة دون رفض أو مصادرة أي منها رغم الاختلافات الجذرية بينها،كان الحوار والنقاشات والحياة الاجتماعية المنفتحة والعلاقات الإنسانية الرحبة وبساطة المتطلبات سبيلنا إلى إدامة التمرد في عقولنا الفتية ، كنا جيلا جريئا،علمانيا ، لم يثننا الخوف عن إبداء الرأي أو العمل ضمن تنظيمات يسارية وماركسية كانت هي ( موضة ) جيلنا وفردوسه الجهنمي وحين تتحول التنظيمات إلى قوالب ضاغطة كما نفلت منها ونتحرر من قبضتها ،إلى جانب ذلك كانت الرقابة على الكتب متساهلة إلى حدّ مّا – فكنا نحصل على ما نشاء من الإصدارات الحديثة،كانت هناك مكتبة في ساحة الطيران ببغداد اسمها مكتبة الاورفلي وبجوارها مخبز شهير بالاسم نفسه يعد تنويعات من الخبز العربي والإيراني والأفغاني كنا نتزود بحاجتنا اليومية من الخبز والكتب معا حتى ارتبط الكتاب وعالميته لدي بنكهات القمح وأممية الرغيف( كما ارتبط كتاب ألف ليلة وليلة لديّ برائحة التبغ لأني عثرت عليه في مخزن للتبغ)،وكانت المكتبة تقدم تسهيلات لاشتراكات شهرية في جميع ما يردها من كتب ومجلات بدءا بمجلة الكاتب ومجلة السينما والمسرح ومجلة الآداب والطليعة المصرية وترجمات دار الآداب ودار العلم للملايين ومنشورات الفكر الاشتراكي وكتب الفكر الوجودي وسلاسل المسرح العالمي ، كان الجو السياسي العام يتقبل الاختلاف إلى حد كبير رغم الملاحقات والمحاكمات بين حين وحين.. وكان الوسط الثقافي مندغما بالوسط السياسي اليساري تقريبا أو أن معظم المثقفين كانوا من اليسار ثم حصل نوع من فك الارتباط عندما طغى الفكر الوجودي ثم ظهر كتاب ( الإنسان ذو البعد الواحد ) لهربرت ماركوز وأحدث زلزلة في موضوعة الانتماء لدى معظم جيلنا بعد الصدوع التي أحدثها كتاب اللامنتمي لكولن ويلسون ..
كانت مكتبات الكليات ومكتباتنا الشخصية متاحة للجميع نستعير ونعير الأصدقاء ونزود بعضنا بكل جديد ، لم يكن الكتاب محتكرا بل كان مشاعا بين الأصدقاء والمعارف ، شأنه شأن الموسيقى حيث كنا نتزاحم على كونسيرتات الفرقة السيمفونية الوطنية ونتبادل مجموعات الاسطوانات لسيمفونيات من الشرق والغرب ، ونحضر العروض المسرحية ونشاهد أفضل الأفلام الفرنسية والروسية واليابانية ،ونرتاد المقاهي والنوادي للنقاش، لقد كنا جيلا ناشئا محظوظا إلى حد كبير وأتيحت لنا فرص لتكوين شخصياتنا بشكل مختلف عن الأجيال الحالية التي سحقتها الحروب والاستبداد بكل تنويعاته ورغم ذلك لم أكن منضوية أو قريبة من الوسط الثقافي بعد ذلك ، لأنني عندما تفرغت للكتابة آثرت العزلة وخيار العمل منفردة دون جماعات أو انتماءات ..
وكيف وطأت قدماك الطريق الخاص الذي تسلكينه الى الآن؟
الطريق الخاص هو ما اجتهدت لاكتشافه عبر التجريب والبحث ، التوصل إلى أسلوب إبداعي ولغة تميزني ،تستطيع قارئا بذائقة حساسة أن تتعرف عبرها على نصوص هذه الكاتبة دون أن تقرا اسمها على النص ،هذا السعي لتأسيس أسلوب خاص و بناء معين للعبارة وموسيقى داخلية تتدفق في أجزاء النص هو ما اسميه الخبرة الذاتية في الإبداع ،والتي تعني التوصلات الشخصية لنسق كتابة معينة لا تنتمي لغير الكاتبة وأدواتها، ولا تقلد ولا تتماهى مع أحد بل تصر على أن لا تشبه إلا نفسها منعتقة من كل تأثر أيدلوجي ، الكتابة هي المضاد لكل عقيدة متشددة لأنها معبرنا إلى ممكنات الحرية، ووسيلتنا لتجريب هذه الحرية رؤيويا أن حيل بيننا وبين الحرية على الأرض التي يختطفها العنف والقمع ..
وأذكر أن الكاتب الراحل غازي العبادي قال لي حين ظهرت القصة :”أنت أجرأ منّا جميعا ، أغبطك على شجاعتك “.
ومع هذا فأن الحكاية لا بد أن تقرأ بمنظور فنيّ أيضا. أنت ركزت على المضمون لكن هناك الوحدات الأساسية في القصة والتي تقع في المدى الجمالي ، التقنيات والمجازات وتعدد الأصوات والأنظمة اللغوية فيها بمعنى أني لم أضحّ بالجمالي لصالح الثيمات وأعمل في تجاربي على تحقيق هذه الموازنة الدقيقة..
ثم أقاموا نقطة تفتيش قرب المنزل تعرضت النقطة لتفجير سيارتين مفخختين خلال أسبوع واحد مما تسبب في تدمير واجهة المنزل ،وفي صيف 2007 أتى متشددون للاستيلاء على المنزل وأنا في باريس بحجة إيواء عوائل (المجاهدين ) في المنازل المهجورة كانوا كل مرة يأتون للسؤال عني بالاسم ويريدون مقابلتي ويقولون متى تعود من سفرها، كنت مطلوبة من جهات أصولية ،وهكذا ترى كنت بين سندان الاحتلال ومطرقة التشدد ،ثم استطاع أحد الأقارب أن يحمي البيت بإسكان عائلة من المعارف فيه بعد أن نال منه الدمار وكنت أتمنى أن نحوله إلى منتدى ثقافي ومكتبة تضم مراجع مهمة تفيد الدارسين.. بيتي يقع في المناطق الحمراء الساخنة والحكومة والبرلمانيون قابعون في المنطقة الخضراء ولا أحد منهم معني بالثقافة وأهلها وروادها بالنسبة لهم ماذا تعني كاتبة أفنت حياتها في الجهد الثقافي وقدمت للإبداع نحوا من خمسة وعشرين كتابا..وأدارت مجلات وجمعيات ثقافية ؟؟ وماذا تعني مواطنة عراقية ؟؟ ولم يردّ أحد على البيان الذي أصدره الأدباء وقدمته الإذاعات ، وكنت حينها أسعى للحصول على تجديد لجواز سفري وفشلت ، وأطلب منحي إقامة في بلد عربي فلا أحصل عليها لأنني خارج اللعبة السياسية كلها ، لاشيء يدهشني… هي ذي لعبة الحياة والوضع البشري عموما في بلد محتل تحكمه الطوائف المتناحرة باسم ديمقراطية محرفّة..
كتابك “خسوف برهان الكتبي ، أوجاع برهان الكتبي أمام حصار السلطة وحصار العيش متماهيا مع (الفيلسوف الكندي الذي أمر المأمون بجلده مائة جلده) لسوء تأويل نصوصه أو لسوء تلقي مواقفه من الوشاة وامتزاج الحالتين : المثقف المعاصر الذي انسحق تحت وطأة الإكراهات والسلطة ،الآخر والعارف الفيلسوف الذي دفع ثمن المعرفة سجنا وجلدا وحرق مؤلفاته من قبل الخليفة العباسي الذي لا يجيد القراءة . ما هي قصة برهان الكتبي ولماذا لم تنشر في مجلة الأقلام العراقية حينها ؟
هي قصة كانت ستظهر في مجلة الأقلام سنة 1999وصححت البروف النهائي الذي أرسله لي رئيس التحرير قبل دفع العدد للمطبعة ولكن عدد الأقلام ظهر ولم تنشر القصة فيه ولما سألت ، قيل لي إن احد المحررين كان متحفظا عليها كونها تمس النظام ، ثم علمت أنهم أرسلوا مخطوطة القصة إلى وزارة الإعلام لمراقبتها ومرت على اثنين أو ثلاثة مدراء عامين ووزير!! ولا أعلم من غيرهم، وعادت مزركشة بتأشيرات بالقلم الأحمر والقلم الأخضر ، وعليها ملاحظة : تحجب عن النشر ..
بعد أسبوعين اتصل بي محرر من الأقلام وهو زميل قاص وروائي طلب مني المشاركة في ملف التجريب في القصة العراقية (بصفتك من الكتاب البارزين في مجال التجريب القصصي) فقمت بكتابة رسالة مفادها( شكرا لاهتمامكم بالجانب التجريبي في القصة العراقية الجديدة – أرسل لكم طي رسالتي قصتي الجديدة خسوف برهان الكتبي باعتبارها أنموذجا لمسعاي التجريبي في العقد التسعيني وهي بديل شهادة عن فهمي لموضوعة التجريب) وصمتوا ولم يردوا .. بعدها قمت بكتابة فصل ثان للقصة حتى تحولت إلى نوفيلا – رواية قصيرة ، تابعت فيها مصير القصة ومصير الرجل الذي كان كلما باع جزءا من مكتبته فقد بعضا من ذاكرته حتى فقدها تماما وتاه في المدينة ومن خلال ضياعه كشفت عن الوضع الإنساني في مدينة مجوّعة يبيع فيها الناس أعضاءهم ليعيلوا أسرهم ، ويستخدمون أقنعة مختلفة حسب المكان والزمان وضرورات التمويه وتبيع المرأة جسدها في الأزقة ويبيع الرجال تاريخهم وذاكراتهم ، وقد قمت بعون من الأصدقاء بطبع مائة نسخة طباعة يدوية بجهاز الاستنساخ وقمنا بإهدائها إلى معارف وأصدقاء داخل العراق وخارجه وتبنت دار ألواح العراقية في اسبانيا إصدار طبعة أولى للرواية ، ثم قام بيت الشعر الفلسطيني في رام الله بإصدار الطبعة الثانية لها عن دار الزاهرة ..
أعتقد أنها كانت مجازفة منك في ذاك الوقت بتحدى سلطة النظام الثقافية؟
نعم إنها مجازفة حقا ، وكانت إحدى المحاولات لقول (لا ) وإشهارها بوجه القمع ، عبر أقنعة النص المختلفة التي تقول خطاب المواجهة بهدوء دون ضجيج إعلامي وتبشيري مجازفة وليست بطولة فأنا لا أؤمن بالبطولة وأبعادها ،أنا كاتبة فقط والكتابة فعل مجازفة دائم ..
ولكن الذي حدث انك الآن تعيشين مرارة المنافي ،ما الذي يحصل للطفية وهي تقتلع قسرا من عشها البغدادي الدافئ الأمين ؟
تصور أن تكون قد أسست حياتكَ واسمكَ الأدبي ومكانتك المرموقة في بلدك وكان لك بيت ومكتبة غنية وقدر بسيط من ضمان العيش ونشاط ثقافي متصل وعمل في مجال حرية المرأة ومجلة ثقافية ترأس تحريرها ومشاريع إبداعية تعمل على إنجازها ولك أصدقاء وأناس يساندونك وآخرون يقومون بالخدمات اليومية وبغتة تجد نفسك مهددا بالقتل واسمك مشهر كضحية محتملة وأنت بلا موطئ قدم وبلا سقف يؤويك ولا تحصل على إقامة في بلد عربي وتعيش عيشة المشردين كلاجئ في بلد أوروبي وتتحول إلى ذرة رمل في متاهة أو مجرد رقم مدون على بطاقة الإقامة ويتعذر عليك أن تجد غرفة تؤويك وتتنقل بين الفنادق ،وأن مشاريعك الإبداعية مجهضة ووحدتك في الغربة مريعة ووحشة اللغة تلتهمك ، أنت تعلم أن انتماءنا الكولونيالي في العراق كان انكليزيا ولا يزال ، ولغتنا الثانية في العراق هي الانكليزية ،وليس بمقدوري في هذا العمر أن أتعلم لغة جديدة من لغات أوروبا القارة ، سواء الفرنسية او الجرمانية ، هذه إشكالية البيت اللغوي التي توازي إشكالية البيت المادي ..
وهل أثر هذا اللاستقرار على عطائك الإبداعي؟
هي كتب عديدة لا كتابا واحدا ، لكن الأول بامتياز سحره كان كتاب ألف ليلة وليلة ، الذي اكتشفته وأنا في التاسعة بمحض مصادفة قدرية – سوف أتحدث عنها في شهادة أنشرها لاحقا- هذا الكتاب كشف لي عن بذرة القصّ والحكي لدي ، وكنت أعيش في أجوائه السحرية وأغيب في متاهات أزمنة متخيلة وأتوغل في أقبية ومسالك ورحلات، هو الحجر الذي ألقته المصادفة في ماء طفولتي الساكن ولا يزال أثره يتردد في أعماق مياهي ويشحذ مخيلتي ، سحر الحكي وتناسل القصص من بعضها في ألف ليلة وليلة كان نقطة الجذب التي دفعتني لعشق الكتابة ، كنت مأخوذة بقدرة تلك المرأة على الحكي طوال الليالي الألف وكنت أقول لنفسي سوف أتوصل إلى أن أكون راوية قصص مثلها ، اعترف انه الكتاب الأهم الذي أثرى مخيلتي وأنا صبية صغيرة ودفع بي إلى اقتراف مجازفة الكتابة حتى هذه اللحظة..
لطفية الدليمي شاهدة فاعلة وضحية معا ، كيف تكتبين اعترافاتك على كرسي الزمن؟ وما يطلبه منك الأصدقاء أن تكتبي كل ما شهدت . هل تكتبين هذا فعلا؟؟