حادثة للتذكير بأن لكلّ دين متطرّفيه

على عادة صناعة الترفيه الهوليودية أُحيط شريط سينمائي بعنوان لافت هو “الجنس والمدينة” بهالة إعلاميّة كبيرة تقوم على لعبة الإخفاء والتجلية ، وهي تقنية مشهديّة مستمدّة من الأدبيات والممارسات الإيروتيكية،لتوفير أكبر حظوظ الانتشار والرواج و…الربح طبعا.وتحبّر عنه، منذ أيام،في عملية إشهارية غير خافية، آلاف المقالات والأخبار المبثوثة هنا وهناك،في الجرائد والدوريات ومواقع الإنترنات المختصّة، بالبذاءة المعهودة والتفاهة المألوفة، في تقصّي أخبار النجوم التي تصنع وإن لم يكن لها ما يكفي من الألق لتضيء.

تصرخ هذه الأصوات المصمّة في نغمة واحدة صاخبة:”أخيرا وصل الشريط “وسيكون على الشاشات الكبيرة في الثلاثين من ماي/أيار 2008. إنه لحدث عظيم لعشّاق تلك العصابة من الفتيات الأربع المتحرّرات (كاي وسمنتا وشارلوت وميرندا لعلمك). وهذا الشريط الذي يراد له أن يكون حدثا مستوحى من سلسلة تلفزية انطلقت سنة ألفين. وهي بدورها سلسلة مستوحاة من رواية لكاتب أمريكي.

ومن الطريف أن نعرف بعض مسالك صناعة الحدث الثقافي المشهدي البائس: فقد أحيط الشريط عمدا بأسرار عديدة على سبيل التشويق وإثارة نزعة استراق السمع والتلصص. إذ ختم بالشمع الأحمر على الخط العام للسيناريو مما أثار حفيظة الباباراتزي الذين طفقوا يصوّرون مشاهد منه معروضة الآن في مواقع الأنترنات. غير أن المنتج كان أذكى منهم فعمد إلى تصوير مشاهد كاذبة لن توضع في الصيغة النهائيّة التي سيخرج عليها الشريط يوم 30 ماي أيار. وإلى اليوم لا أحد يعرف هل سينتهي الشريط بزواج ما أم لا؟ والرسالة واضحة : اذهبوا إلى السينما لتعرفوا الحقيقة وتكتشفوا السرّ ويا له من سرّ؟

والمفارقة أن بطلة شريط “الجنس والمدينة” النجمة اللامعة فريدة العصر ووحيدة الدهر “سراه جيسيكا باركر “قد انتخبتها إحدى المجلات المختصّة في تعقّب أخبار النجوم الساطعة والآفلة معا أقلّ الشخصيات النسائيّة إثارة. فوجهها، والعهدة على المجلّة، كوجه الحصان!

غير أن ما دعانا إلى تقديم هذه الخزعبلات التي لا نظنها تهم قراء “الأوان” خبر نشر منذ أيام وانتشر في الصحف وأولته وكالات الأنباء في أخبارها الثقافيّة عناية محمودة معهودة. إنه تفصيل صغير يهم إخوتنا وشركاءنا في الأسطورة الدينيّة السامية أي اليهود أكثر مما يهم المنتمين إلى رمزيّتي الهلال أو الصليب. فقد قامت جميع الصحف والتلفزات والمواقع الإسرائيلية بالإشهار لهذا الشريط.وقامت شركات الإشهار بوضع المعلقات المعلنة عن شريط “Sex and city ” في جميع المدن الإسرائيلية باستثناء القدس وبطاح تكفاه ( باب الأمل أو الرجاء شمال يافا). والسبب بسيط وقد يبدو للبعض مدهشا : لقد رفض المسؤولون البلديون أن يروا الكلمة الملعونة الخادشة للحياء العام على حيطان المدينة !

أما السبب الأوضح والأقل إدهاشا فهو أن المدينتين مليئتان بالمتطرّفين الأصوليين اليهود. وقد سبق لهم أن اعترضوا على اعتلاء “طرزان”، ولو في معلّقة ورقيّة ، حيطان المدينتين لأنه لم يكن ساترا كما ينبغي عورته حسب الشريعة التوراتيّة. فما كان من البطل المحبوب من الكبار والصغار إلا أن تدثّر ،رغم حرارة الطقس في الغابة، لتتمكن شركة الإشهار من الإعلان عن الشريط.

ونزولا عند رغبة المتطرفين اليهود اقترحت شركة التعليق الإشهاري “ماكس ميديا” الإسرائيليّة استبدال كلمة”جنس”(الملعونة الوقحة)بثلاث نقاط متتابعة. فتصوّر ، حسب تشبيه بعضهم، أنك تشرب الكوكا كولا مكتوبا عليها ما يلي:”… كولا” لأن كلمة “كوكا” لا تعجب الرأي العام في بلاد واق الواق نظرا إلى أن كلمة كوكايين المجانسة لها تخدش الحياء وتعتبر من الممنوعات اللّفظية .

وإذا تركنا جانبا احتمال أن تكون هذه الضجّة المفتعلة من باب الإشهار للشريط، وهو احتمال ضعيف جدّا، باعتماد تقنية الإخفاء لمزيد الإظهار واصطناع الحذف لتقوية بلاغة الذكر فإن الاعتراض على الأرجح اعتراض جدّي مادامت الأصوليات الدينيّة جميعا سليلة الرؤية التوراتية الحرفيّة التي تقتات من فتات الأوهام البائسة عن فتنة الجسد وقذارة الجنس وأخطار العورة وفضائل الحجب والستر والكفن. فالدين اليهودي، لسبقه الأسطوري والتاريخي معا ، هو الذي علّم المسيحيّة والإسلام وإن بدرجات متفاوتة احتقار الجسد وقوانين قمعه.

ما نريد التذكير به ، بهذه المناسبة واحتفاء منا بظهور هذا الشريط العابر في الصناعة المشهدية المستحكمة، ولأن البعض من أهلنا يتناساه، سهوا أو عمدا، أن لكلّ دين متطرّفيه وأصولييه وأن الاشتغال على نقد الدين، وهو شرط كل نقد، ورغم التاريخ الحافل في نقد اليهوديّة والمسيحيّة بالخصوص ، لم يمنع وربما لن يمنع هذا التطرّف وهذه الرؤى المناهضة للتصوّرات الحديثة عن الجسد والجنس من الطفوّ والظهور بمناسبة وبغير مناسبة.

والمفارقة أن دولة إسرائيل التي تدّعي العقلانيّة والحداثة وهي مبنيّة على مزيج عجيب من الأساطير المنغلقة القديمة والحديثة والقوّة الماديّة العمياء ، تترك لمتطرّفيها أن يكيّفوا سياسة المدينة بأفكارهم الرجعيّة المتخلّفة حتى في جانبها المشهدي الاستهلاكي. ولكنّها لا تستنكف عن التشدّق بحرّيّة التعبير والتفكير والتحبير وبأنّها قلعة الديمقراطيّة في عالم عربي مستبدّ متطرّف يريد رميها في البحر.

فلكل متطرّفوه ولا ينفع أن يكنس أهل كل ملّة أمام بيوتهم لأن المطلوب كنس التطرّف الديني مهما كان إسلاميّا أو مسيحيّا أو يهوديّا. فالناطقون باسم الله سواسية كأسنان المشط في احتقار الأجساد البشريّة وتهديد مكتسبات الحداثة ونسف خلاصة الذكاء البشريّ. فليست المسألة هي “الجنس والمدينة” باعتباره بضاعة ثقافيّة للاستهلاك وإنما هي هذه الروحانيّات الزائفة التي تشطب الجسد وتسيّجه بشرائع عفا عليها الزمن وتريد أن تتحكّم في الحريّات باسم قواعد السراط الإيديولوجي الغيبيّ الغبيّ المستقيم.