
كما درجت عادة العرب على التصرف في الأزمات وفق الأغنية الشهيرة للراحل فيلمون وهبة ” قامت، قعدت، خربت، عمرت….حادت عن (طي.. ) بسيطة “..فتحت شرطهم السياسي الراهن(فقدان الإرادة السياسية الواحدة).ورغم وجود آليات لتخليقها:مؤسسة الجامعة العربية، ومؤسسة القمة العربية وما يتفرع عنهما من أدوات يمكن في حال تشغيلها النجاح في بلورة مواقف مشتركة فإن حظ الملف النووي الإيراني لن يكون أفضل من حظ سابقيه ..
تضيف القنبلة النووية الإيرانية لطنبور المعضلات التي تواجه العالم العربي نغماً. لكأن هذا العالم المنقسم حول الديمقراطية والمرأة والموقف من الغرب ووجود إسرائيل ودور الدين في السياسة والعلاقة مع الماضي و.و.و…هو بأمس الحاجة الآن ليدير نقاشاً يختلط فيه اللاهوت بالناسوت. وتستحضر فيه حيثيات سقيفة بني ساعدة، وصولا إلى دراما كربلاء، بحيث يتعذر التمييز بين الملف النووي والإمام النووي!!
يتغذى الانقسام حول أي شيء في العالم العربي من التنوع المذهل للنخب الفاعلة فيه لجهة تموضعها على هرم المصالح وأشكال إدارتها، لكوكتيل الأيديولوجيات “الوضعية – الدينية ” الذي تمتح منه وعيها لهذه المصالح. وللفلاتر: الفكرية /النفسية التي ترى من خلالها: نفسها والعالم،الذات والآخر،المطلق والنسبي ..الخ
إلا أن للملف النووي الإيراني طبيعة مركبة. فهو إذ يمنح من جهة فرصة للنظام السياسي العربي لكي يبلور ردة فعل مشتركة على خلفية تمازج تحدي القنبلة النووية الإيرانية مع تحدي الإسلام السياسي الذي يطرح نفسه كبديل يضع المنطقة أمام امتحان الهارب من “الدلف إلى تحت المزراب ” كما يقال ..إلا أنه من جهة ثانية يمنح لرغبة : أمريكية – إسرائيلية فرصة إدارة مصالحهما المشتركة بإدارة الخلافات الدينية والمذهبية المميزة لسسيولوجيا المنطقة ..
ولا يخفى على عاقل ارتباط القفزة النوعية في فاعلية الإسلام السياسي وتحوله منذ الثمانينات من القرن الماضي إلى تحدي حقيقي للنظام السياسي العربي، بنجاح الثورة الإسلامية الإيرانية في توطيد نموذج للدولة الدينية على حطام نظام الشاه..ذلك أن وجود أشقاء وأولاد عمومة للشاه داخل النظام العربي يلفّقون على طريقتهم حداثة مبتورة عن جذرها العقلاني وإطارها الديمقراطي ،ولا تشكل مشهدا أكثر إغراء من الماضي المتخيل..إن وجود أمثال هؤلاء أعطى للإسلام السياسي تسهيلات إضافية للهيمنة الأيديولوجية على المنطقة ..
تفتح هذه القراءة للمشهد بعد دخول القنبلة النووية الإيرانية عليه، على مشهد مشابه من بعض الأوجه ، تخّلق أمام النخبة اليابانية الحاكمة بعد خسارتها في الحرب العظمى الثانية..
كان على هذه النخبة أن تختار في ترتيب التحديات التي تواجهها اليابان بعد الحرب بين العدو الأمريكي الجاثم على أرضها وبين الأعداء الإقليميين المحتملين (الصين – روسيا) والتي لا مهرب في المدى المنظور على الأقل من أخذ تحدياتهما على محمل الجد لأسباب جيوبوليتيكية..
اختارت اليابان بقليل من المماحكة مع يسارها الاشتراكي ويمينها القومي ،التحالف مع العدو الجاثم على التراب الياباني، إلا أن عداوته لا تتغذى من الوضع الجيوبوليتيكي – فهي عداوة قابلة للتنويس مع الوقت- على التحالف مع أعداء إقليميين(روسيا- الصين) لا يمكن فطام عداوتهما في المدى المنظور للأسباب المنوه عنها سابقاً.. على خلفية هذه الحسابات يمكن فهم السلوك السياسي للمحور المصري – السعودي داخل النظام العربي. والمنّظر له من بعض الأقلام “الليبرالية” التي تبطن حسوا طائفيا في ارتغاء ليبرالي .
إن التحدي الذي يطرحه الإسلام السياسي الذي انفردت إيران بدعمه بعد أن قطعت نظم الخليج صلاتها به عقب أحداث 11أيلول، وتداعياتها وانفراط عقد المعادلة التي جمعتها به وبشقه الجهادي طيلة العقود الخمسة الماضية- مرحلة الصراع مع القومية العربية والتمدد السوفييتي – يقتضي إعادة النظر في ترتيب التحديات على خلفية الهدف الإستراتيجي للحوض العربسلامي : استكمال تحديث نظمه السياسية وتعميق التحولات في بنيته الاقتصادية-الاجتماعية للتخلص من أنماط ما قبل الرأسمالية فيه. وتطوير فضائه الثقافي بفتح تخومه على الثقافات الإنسانية الأكثر تقدما..فما بين المثال الياباني والحالة العربية الراهنة فروق تستحق أخذها بالاعتبار .. إذ لا يمكن تشبيه المصالح الأمريكية في اليابان لجهة الوزن والحجم والديمومة، بالمصالح الأمريكية في المنطقة العربية وأساليب إدارتها لهذه المصالح بالتنسيق مع ” إسرائيل والنخب العسكرية والسلالات البدوية”.كذلك فإن سهولة تحول الصراع العربي – الإيراني إلى صراع سني –شيعي بتداعياته الكارثية على الجدلية الاقتصادية – الاجتماعية على الحوض العربسلامي، يجعل من الممانعة التي تبديها بعض الأوساط الحاكمة العربية في وجه إملاءات الإدارة الأمريكية الراهنة فرصة لانبثاق عقلانية عربية – إيرانية تأخذ الشرق الأوسط جميعه إلى مناخات أكثر ملاءمة لعملية التقدم التاريخي لشعوب المنطقة ..لقد انتصرت في إيران منذ نهاية السبعينات النخبة الدينية. وقد استهلكت هذه النخبة في العقود الثلاثة المنصرمة رصيدها لدى الرأي العام الإيراني.. وبدأت شروط اللعبة الداخلية في إيران بالتبدل لمصلحة ما يسمى بالقوى الإصلاحية، وهي مزيج من رجال الدين المتنورين والنخب الليبرالية والعلمانية.. ينبثق عن هذا ضرورة خلق استراتيجيات سياسية: وطنية وعربية وإقليمية “تركية –إيرانية ” تضع عينها على الفخاخ التي يمكن لسيرورة الحداثة في المنطقة أن يجرها إليها: عمى أيديولوجي يمثل الإسلام السياسي حالته القصوى، ونزعة كلبية أمريكية- إسرائيلية مهيمنة مثلت إدارة بوش الراهنة حالتها القصوى أيضا ..
إنها فرصة للنظام السياسي العربي أن يرى على هذا الوضوح: الخطوط الإستراتيجية للتحديات التي تواجهه. وعليه أن لا يفوتها كالعادة.. فالرياح الدولية والإقليمية والمحلية قد تهب في الاصطفاف الراهن للأوراق لتعيد من جديد بعثرتها.. فهل يهتبل هذا النظام الذي ظهر في مؤتمر القمة الأخير في دمشق في أسوء حالاته، الفرصة أم يضيعها بالمماحكات التي يجيد دائما اختلاق أدواتها؟؟؟