عن التحديث والحداثة والتنوير

من المعلوم أن لفظ حداثة Modernité أو Modernity تأخر ظهوره إلى ما بعد النصف الثاني من القرن التاسع عشر، مقابل الظهور المبكر للفظ Moderne أو Modern أو حديث “المشتق من ظرف زمان في اللغة اللاتينية القديمة ومعناه الآن والتوّ أو اللحظة [والذي] بدأ استخدامه [مثلا] في اللغة الإنجليزية منذ عصر اليزابيت حسب المعنى الجاري في مقابل كلمة قديم” ( كرين برينتون: تشكيل العقل الحديث،سلسلة عالم المعرفة،ع 82،الكويت، ص)24.

والواقع أنه لتجنب الخلط والتشوش في هذا الصدد، يلزم التمييز أساسا بين:تحديث أو Modernisation وحداثة أو Modernité .

فالتحديث أو Modernisation يعبّر –عامة- عن سياق التطور التاريخي والمجتمعي الشامل والجذري الذي انخرطت فيه أمم ودول أوروبا، انطلاقا مما يسمّى بعصر النهضة ووقوع الإصلاح الدينيّ وقيام الحركة الإنسانية (وهذه كلها أحداث وقعت تحديدا بين عامي 1453و1517)، وعلى امتداد انتشار وتحقق أفكار ومبادئ وقيم فلسفة الأنوار (خاصة قيام الثورة الفرنسية في 1789) إلى حين بروز وترسخ النزعة العلمية والفلسفة الوضعية المكرسة لمبدأ ومفهوم التقدم الإنساني اللامحدود في النصف الثاني من القرن التاسع عشر.

أما الحداثة أو Modernite فهي النموذج الذهنيّ والفكريّ والفلسفيّ المعبّر عن واقع و “مغزى” أو “دلالة” هذا السياق أو هذه الصيرورة.وعليه، فليست الحداثة “مفهوما سوسيولوجيا أو مفهوما سياسيا أو مفهوما تاريخيا بحصر المعنى، وإنما هي صيغة مميزة للحضارة تعارض صيغة التقليد، أي إنها تعارض جميع الثقافات الأخرى السابقة أو التقليدية. فأمام التنوّع الجغرافيّ والرمزيّ لهذه الثقافات، تفترض الحداثة نفسها وكأنها واحدة، متجانسة، مشعّة عالميا، انطلاقا من الغرب. ومع ذلك، تظل الحداثة موضوعا غامضا يتضمّن في دلالته، إجمالا، الإشارة إلى تطوّر تاريخيّ بأكمله وإلى تبدّل في الذهنية” Jean Baudrillard : “La Modernité”, Encyclopédia Universalis,Vol11

وإجمالا، فالحداثة هي التكثيف الذهنيّ والتجريد الفكريّ لمسار أو سياق التحديث الأوروبيّ عبر تثبيت قيم الحرية والعقلانية والتقدّم (وهي قيم التنوير بامتياز) باعتبار أنّ “الحداثة في شكلها الأكثر طموحا هي التأكيد على أنّ الإنسان هو ما يفعله، وأنه من الضروريّ وجود توافق وثيق بين منتوجات العلم والتكنولوجيا والإدارة وتنظيم المجتمع من خلال القوانين، وبين الحياة الشخصية التي تحفزها المصلحة، وأيضا إرادة التحرّر من كل الإكراهات. إذا ما تساءلنا: على أيّ شيء يرتكز هذا التوافق بين الثقافة العلمية والمجتمع المنظّم والأفراد الأحرار؟ سيكون الجواب: على انتصار العقل (…)

فالعقل هو الذي تحكّم في تكيّّف الحياة الاجتماعية مع الحاجيات الفردية والجماعية، وهو الذي استبدل الاعتباطية والعنف بدولة الحقّ وبالسّوق.وتستطيع الإنسانية بتصرّفها وفق قوانينه أن تتقدم في نفس الوقت نحو الوفرة والحرية والسعادة” Alain Touraine: Critique de la modernité, Fayard, 1992, p-p 10-11.

ومن هنا خاصية التعدّد في تحديد مضمون الحداثة: (البعد التقني /العلمي المستند إلى نمو وسائل الإنتاج وسيادة قيم الحسابية والإنتاجية والمردودية؛ البعد السياسي متمثلا في بروز واقعة الدولة/الأمة موازاة مع بروز شخصية الفرد/المواطن؛ البعد الاقتصاديّ/ الاجتماعيّ بارتباط مع انتشار ظاهرة البيروقراطية المعقلنة للاقتصاد والاجتماع؛ البعد السيكولوجي متمثلا أساسا في تغيير نظرة الفرد إلى ذاته ( الاستقلالية الذاتية)، وفي نظرته إلى الزمن (هيمنة فكرة التقدّم وإمكانية تحقق الكمال المجتمعيّ والفرديّ في هذه الحياة الأرضية وفي الزمن/المستقبل الآتي).

وعليه، يمكن الاستنتاج بأنّ الحداثة كمضمون لم تتحقق تاريخيا وإنسانيا إلا بعد أن عمّ فكر التنوير وترسخت مؤسساته من خلال نجاح النخب الأوروبية في قلب الأوضاع داخل مجتمعاتها لصالح انتصار قيم الحرية والعقلانية والتقدم، وبالخصوص تحقّق أبعاد الحداثة الأربعة متكاملة:البعد التقنيّ/العلميّ، البعد السياسيّ،البعد الاقتصاديّ الاجتماعيّ،،البعد السيكولوجيّ.وهنا يصحّ القول بأنّ التنوير هو الحلقة المعقودة بين واقعة الانخراط في صيرورة التحديث وواقعة تحقّق وتحقيق نموذج الحداثة.وبالتالي، فغياب التنوير أو تعثره أو فشله (ما يمكن أن نعبّر عنه بـ”حلقة التنوير المفقودة”) لا يمكن أن ينتج عنه إلا تحديث قاصر ومشوّه تقابله حداثة مهزومة أو في أحسن الأحوال “معطوبة”. وهذا على ما يبدو عليه،هو حال المجتمعات العربية الراهنة بامتياز.