الفتوى الحلبيّة في بطلان المسلسلات التركيّة – مختار الخلفاوي
قال الشيخ حمدي كنجو المخزومي، وهو إمام جامع أويس القرني ، لـ”العربية.نت” إنّ ارتداء قمصان تحمل صور أبطال الأعمال الدرامية التركية المدبلجة، تحوّل إلى ظاهرة في مدينته، فكان واجبا عليه أن يتحرّك ويحذّر منها بالتنسيق مع علماء كبار. وتنصّ الفتوى على أنّ “الصور التي تطبع على قمصان الشباب والمراهقين والأطفال يحرّمها الإسلام، لأنّها تشغل المصلّين، وتبعدهم عن روح الصلاة، وتزداد الحرمة إذا كانت الصورة لنساء مشهورات بالفسق”. وتحدّث الشيخ كنجو عن “ظاهرة فاجأته” في مدينته وهي ” إقبال الشباب والأولاد على ارتداء قميص عليه صور أبطال مسلسلات (سنوات الضياع ) و(نور)”، قائلا إنّ ” الإسلام يحرّم هذه الصور، والنبيّ كان يقول إنّ الملائكة لا تدخل إلى مكان فيه صورة “مضيفا” وكيف إذا كانت صور نساء بدون حجاب أو بحضن رجل أو امرأة مشهورة بالفسق”. وأضاف “هاجمت ارتداء هذه القمصان وبائعيها لأنّها صور تثير المنكر، والمسجد هو مكان اجتماع الملائكة وإذا دخلت هذه النماذج إليه لن تحضر الملائكة مساجدنا “.
وجاءت الفتوى – كما يقول الشيخ كنجو- بعد انتشار ظاهرة ارتداء هذه القمصان بين الأطفال والمراهقين في حلب عموما، والشباب في الأحياء المخملية الراقية خاصّة، ودخول مصلّين للمساجد وهم يرتدونها. وكانت تردّدت أنباء مؤخّرا عن حصول حالات طلاق عديدة في مدينة حلب جرّاء متابعة الزوجات والأزواج للأعمال الدرامية التركية المدبلجة، وتأثيرها في حياتهم. تجدر الإشارة إلى أنّ العمليْن التركيّيْن المدبلجيْن (سنوات الضياع) و(نور ) حقّقا نسبة مشاهدة عالية في المنطقة، وحصلت حالات طلاق عديدة بسبب مشاهدة العملين. ففي البحرين أعطت زوجة مهلة أسبوع لزوجها لكي يصبح مثل شخصية مهند، وفي السعودية قررت فتاة تعلم التركية، فيما طلق سعودي زوجته لإعجابها ببطل مسلسل “نور”، فيما أقبل العراقيون بكثافة على المطبوعات التي تنشر أخبار “نور”.
وإسهاما منّي في الحملة التي تدشّنها الفتوى الحلبيّة، وعطفا على استظرافي الخطاب الدينيّ اليوم وهو يعاني حرج الملاءمة بين النوازل والأحكام في منزلته القلقة تلك، أجد من المناسب تماما إسعاف الشيخ الذاهل عن الحجّة برفد فتواه المذكورة بالحجج الملائمة من كتاب الله وسنّة نبيّه وأقوال جلّة العلماء وذلك لتبكيت الخصوم من الذين يتصيّدون في المياه العكرة ومن لاط بهم من أنصار البدع المحدثة التي ابتدعها الكفّار كالتصوير والتمثيل، ويقينا منّي أنّ الشيخ المخزوميّ قد حملتْه سماحة شآميّة على رفض الصلاة في المساجد بتلك القمصان التي رسمت عليها صور نجوم الدراما التركيّة، والصواب إبطال ذلك شكلا وأصلا، عنيت إقامة الدليل على حرمة التمثيل ووجاهة الحديث الأثير في بطلان التصوير.
ألا إنّ التمثيل من اللّهو الباطل واللّعب المذموم شرعا وعقلا، فهو مُذهب للحياء ودالّ على فقدان الإيمان ورقّة الدين ومتلفة لوقت المؤمن. كيف لا وحفلات المسرح وحلقات المسلسل ( الذي يسلسل العقل والعياذ باللّه ) لا تقام، في العادة، إلاّ بعد العشاء وتستمرّ إلى منتصف الليل وما بعده، وقد نهى الشارع عن السمر بعد العشاء إلاّ لحاجة دينية أو دنيوية مباحة لما يترتّب على ذلك السهر من إضاعة للفجر. وإلى ذلك فالتمثيل مظنّة الفحش البواح لما فيه من مفاسد الاختلاط الهدّامة للدين والأخلاق فيظهر الرجال والنساء في مواطن الريبة بلا محرم، وتظهر النساء مكشوفات الصدور والذراعيْن والساقيْن والفخذيْن وقد تنفرد الواحدة منهنّ بالممثّل في بعض الأماكن باعتبارها زوجة له في الرواية وهي فاجرة أجنبيّة عنه، وقد يلمسها ويضمّها ويقبّلها باعتبارها عشيقته، وهو من الفواحش المنكرات والجرائم الموبقات باتفاق أهل الديانات.
والأدهى من كل ذلك أنّهم يفعلون ذلك أمام المتفرّجين مع ما يتبع ذلك من تعليم الشباب من الذكور والإناث الفجور وطرق الاحتيال والمغازلة والحبّ بالجملة والتفصيل. والتمثيل، بعد هذا كلّه، كذب في كذب. يجتمع عددٌ من الكذابين، ويجمّعهم كذاب ويؤلّف لهم كذبة في ورقة يسمّيها مسرحية أو تمثيليّة تلفزيّة. ويوزّع عليهم الأدوار، ويعلّمهم، لوقت معلوم، الكذب ويخرج هذه الكذبة إلى الناس وإذا بالناس يصدّقون الكذبة وينطلي عليهم عمل مسيلمة الكذّاب، فيتعاطفون ويحزنون ويفرحون ويتشوّقون ويعشقون ويكرهون. وكفي بذلك دليلا على حرمة التمثيل بل ليس هناك باطل على وجه الأرض أبطل من التمثيل.
أمّا القول في التصوير فالثابت قول الجمهور من العلماء بحظر تصوير ذوات الأرواح جسمًا أو رسمًا لما رواه البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” أشدّ الناس عذابا يوم القيامة المصوّرون”.. أمّا التصوير الفوتوغرافيّ أو بالفيديو فيجوز إذا تعلّق بمصلحة شرعية كاستخراج بطاقة هويّة أو كتصوير مجالس علم ونحو ذلك ممّا لا يتوفّر بأيّة حال في المسلسلات التركيّة موضوع هذا الحديث. وأمّا تعليق الصور، وإنْ تكن صور أهل الدار، في البيوت فالأحوط تركها، فكيف بنسخ تصاوير الممثّلين الملعونين على القمصان، والدخول بها إلى المساجد. فتعليق الصور لذوات الأرواح من إنسان وحيوان يمنع دخول الملائكة سواء كانت صورا مجسّمة أو غير مجسّمة لقول النبيّ صلّى الله عليه وسلم ( لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب ولا صورة ) متّفق عليه.
يا أهلنا الرومنسيّين في حلب الشهباء وفي عمّان والبحرين ونجد والحجاز ǃ
يا نساء العالم العربيّ المحرومات من كلمة حبّ ǃ
أتعاطف معكنّ وأقدّر ميلكنّ حيث مالت الدراما التركيّة والمكسيكيّة. أفهم جوعكنّ العاطفيّ إلى الحبّ وثورتكنّ على تكلّس المشاعر وتبلّدها في حياتنا العربيّة الباردة الجدباء. أفهم نقمتكنّ على نفاة ” سنوات الضياع ” و ” نور “. وأنا، بيني وبينكنّ، لا أفهم، أيضا، كيف لا تدخل الملائكة مكانا فيه تصاوير الفاتنة لميس ونور أو وجه مهنّد الحسن ǃ ماذا عليكم – يا شباب العالم العربيّ وشابّاته- لو عمدتم إلى حيل الفقهاء وقد علّمونا أن نفزع إليها حين لاتِ مَفْزع؟ إنْ كنتم لا بدّ مصرّين فعلّقوا على قمصانكم غيرَ ذوات الأرواح كالأشجار والأحجار تورية عن أحبابكم الأتراك أو عليكم بقمصانكم فخُطّوا، انتصاحا بحَبر الإسلام، على أعناق لميس ونور ومهنّد خطّا رقيقا لطيفا يفصل الرأس عن سائر البدن ǃ
أعلم أنّ ذلك صعب وقاس ودونه الموت الزؤام. ولكنّ بعض التصبّر أخلق بالمرء أيضا. ولتنشدوا، على سبيل التجمّل، بين هذه الحلقة وتلك مع عبد اللّه بن عبّاس وهو في المسجد الحرام :
وهنّ يمشين بنا هميسا ** إنْ تَصْدقِ الطيْر نَنِكْ لَمِيسا ..(1)
وهنّ يمشين بنا هميسا ** إنْ تَصْدقِ الطيْر نَنِكْ لَمِيسا ..(1)
الهامش :
1- – “.. وبعض من يُظهر النسك والتقشّف إذا ذُكر الحِرُ والأيْرُ والنَيْكُ تقزّز وانقبض. وأكثرُ من تجده كذلك فإنّما هو رجلٌ ليس معه من المعرفة والكرم والنبل والوقار إلاّ بقدر هذا التصنّع، ولو علم أنّ عبد الله بن عبّاس أنشد في المسجد الحرام وهو مُحرمٌ:
وهنّ يمشين بنا هميسا ** إنْ تصدقِ الطيْر نَنِكْ لميسا
فقيل له: إنّ هذا من الرفث! فقال:إنّما الرفثُ ما كان عند النساء.. ”
( من كتاب مفاخرة الجواري والغلمان، رسائل الجاحظ )
