
هل من علاقة بين المرح، أو الضحك أو اللهو، والهوية الثقافية للجنسين؟
لا أستطيع الجزم بوجود رابط مؤكَّد بين الاثنين، وقد يكون الجزم منوطاً بكتابة أنطولوجيا الضحك منذ القدم حتى الآن. ما يمكن الوثوق به هو أنّ ثقافتنا البطريركية تنظر بريبة إلى المرح واللهو والضحك، وتضع هذه السلالة في مرتبة قيمية متدنية، وعلى الأغلب تضعها خارج المنظومة المعرفية الملازمة للثقافة بما هي سلطة أيضاً. أي أن الثقافة التي تخفّض من قيمة النساء هي ذاتها التي تخفّض من قيمة اللّهو والضحك، لكن إقصاء المرأة والمرح لا يحتّم وجود صلة مؤكّدة بينهما، وإن كان يغري بتفحّص احتمال من هذا القبيل.
ما دفعني إلى التقليب في السؤال السابق بحثٌ للفنانة النسوية Winifred Milius Lubell، بعنوان تحوّلات باوبو، حيث اعتمدت بشكل رئيسي ّعلى ترنيمة لديميتر وردت في نشيد هوميري، تقوم فيها باوبو بدور المهرّج للتفريج عن الكرب الشديد الذي أحست به الإلهة ديميتر بعد اختطاف ابنتها برسيفوني من قبل هاديس. تنتزع باوبو الابتسامة من ديميتر عبر نكات لا أثر لها في الأناشيد، لكنّ الرسومات توضّح أنّ الفعل التهريجيّ اقترن بتقديم كأس من الشراب، بالإضافة إلى أن باوبو رفعت تنّورتها، وأبانت عن فرجها، في حركة استدعت الابتسام من ديميتر. انصبّ اهتمام المؤلفة على تتبع تحوّلات باوبو بين ثقافات عديدة، أو ما يمكن اختزاله بتحوّلات الفرج بين المقدّس والمدنّس. ولم تشغل الفكاهة، المرافقة للإبانة عن الفرج، مكانة مركزية في بحثها، بما أنّ الكشف لم يترافق بالفكاهة في كل الثقافات، مع أنها تشير إلى العديد من الطقوس القديمة للنساء، ومنها طقوس التنسيب، التي يسودها الهرج والنكات والإشارات الجنسية.
بالطبع يأخذ الفعل قدرته على الإضحاك من ظرفيته، فالثوب الأحمر المتطاير لمارلين مونرو بقي طويلاً رمزاً للإثارة، وربما استدعى البهجة، لا الضحك كما في حالة باوبو وديميتر. ومع ذلك لا نستطيع إنكار أنّ المرح ارتبط كثيراً بالأعضاء والأفعال الجنسية في معظم الثقافات، وتكاد النكات الجنسية تكون من أكثر النكات شيوعاً وعبوراً بينها. ومن السهل، ربما، أن نقول إنّ السخرية طريقة رائجة للنيل من المحرّم بلا تبعات مباشرة، ينطبق هذا على الجنس والسياسة والدين، أي على السلطة إجمالاً. كما يسهل القول إنّ السلطة تبدي مرونة تجاه حدّ ماّ من السخرية، على سبيل التنفيث عن الاحتقانات المتراكمة جرّاء سطوتها، على أن نرى في المرونة فعلاً مزدوجاً، إذ تساهم في توطيد النمط الثقافيّ، وتفرغ السخرية من مضمونها كمقاومة “سلبية” بتكريسها كأداء عامّيّ.
لم تكن باوبو من سلالة الآلهة، فهي تجمع خصلتين تجعلانها في مرتبة متدنية، أنثى، ومن العامة “خادمة”. خلاعتها إذن تأتي من كونها في هامش النظام الأثيني الصارم الذي يحظر مثل هذا الفعل على السيدات، ومن المعلوم أنّ الفن الأثيني صوّر الآلهة والسادة باحتشام، بينما صوّر الأغراب والطبقة الدنيا بأعضاء جنسية مبالغ في كبر حجمها، أما مسرح الساتير الفكاهي فقد كان خارج الذائقة النبيلة. قد تكون باوبو من أوائل الأمثلة على الفعل التهريجي الذي استقلّ، فأصبحت وظيفة مهرّج البلاط من المتممات الشائعة للسلطة. ولربما تقدّم لنا شخصية المهرّج “الذكر” مجالاً خصباً لمراقبة الانزياح الذي يصيبها، فهل المهرّج رجل؟ بعبارة أخرى، أين نضع المهرّج من وجهة نظر الجندر؟
من نافل القول إنّ شخصيةً مثيرة للضحك، وللشفقة ربّما، ليست أنموذجاً للرجولة. المهرّج شخص على النقيض من أسطورة البطل، وهي الاصطناع الأثير لثقافة الذكر، إنّه مجرّد من الرجولة إلى حدٍّ يكاد يكون فيه المحاكاة السالبة تماماً لها.
ولعلّ في فكرة المحاكاة ما يفيدنا في هذا الصدد، فالمهرّج يحاكي الواقع بانزياح متعمّد، ولا يسعى أبداً إلى مطابقته، أو الدنوّ منه، هو بالأحرى ينأى بنفسه عن أن يكون أصيلاً، بما في ذلك فقدانه أصالته وفق المعايير السائدة للجندر. حتى مع إيلاء حضارتنا المعاصرة اهتماماً أكبر بالكوميديا استمرت النظرة إليها كفنّ أدنى، وقلّما أخذ عمل كوميدي المكانة، أو نال الجوائز، التي تأخذها الأعمال الفنية الأخرى. أما الممثل الكوميدي فلا يزال يحمل إرث المهرّج على نحو ملطَّف، فالنجم الكوميدي، وعلى الرغم من امتيازات النجومية، ليس الوسيم المُشتهى أسوة بأقرانه الجادّين، خاصة أنّ الكوميديا اعتمدت طويلاً على جماليات مفارقة للوسامة الدارجة. “أقترح شارلي شابلن، الكوميديان الأشهر في القرن العشرين، كمثال للتفكير”.
عادة يكون الانزياح الذي يصيب المرأة الكوميديان أقل بروزاً، فالمرأة ليست مطالبة بإثبات أنوثتها، إذ يُنظر في الثقافة السائدة إلى الأنوثة كمعطى بيولوجي، بينما الرجولة معطى يتمّ اكتسابه. لكن المرأة بدورها معرّضة للابتعاد عن مفاهيم الأنوثة إذا تعلّق الأمر باقتران الكوميديا بأفعال، أو عبارات، بعيدة عن النمط السائد للأنوثة، ومن ذلك القيام بإشارات جنسية لا تبتغي الإثارة كما هو معهود في الفنّ الجادّ. إذن تحتفظ المرأة بهويتها ما لم تقترف أفعالاً منزّهة عن غايتها المعهودة، وفي المثال السابق، حيث الإشارات الجنسية بريئة من الإثارة، تفارق المرأة موقعها، فتمنحها هذه المقايضة حصة إضافية من الجرأة، أو بالأحرى تكتسب الجرأة حينها مشروعية اجتماعية أوسع. وفي مثال باوبو تكون قد غادرت، بالإبانة عن فرجها، هويتَها المفترضة وتجرّدت من شبهة الاشتهاء، حتى إنّ ربط البعض حركتها بالإشارة إلى موضع الخصب.
ربما يكون المرح أحد الفوارق الثقافية بين الجنسين، فالذكر تتم تنشئته على قيم الجديّة والرصانة، والقوة طبعاً، أما خفة الظل فليست اشتراطاً أساسياً لشخصية الرجل، هي مستحسنة كمتمّم للشخصية، أو كدلالة على امتلاكها قدر إضافي من المؤهلات، بما فيها المؤهلات الأقلّ شأناً. الرزانة مطلوبة من المرأة أيضاً، ولكن تبرز هنا الابتسامة كملمح يُفترض وجوده بشكل أساسي. البشاشة، المطلوبة من المرأة دائماً، يُستحسن أن يتحلّى بها الرجل أحياناً، بل إن أنماطاً شائعة من التربية تضع على عاتق المرأة مسؤولية تقديم البهجة للرجل، وترتّب عليها أن تكون “أداة” متعة متعددة الأغراض، يتجلّى ذلك خاصة في العهود التي افتقرت إلى وسائل الترفيه والتسلية المعروفة الآن، إذ قامت النساء بالدور الأكبر في الترفيه، سواء من خلال مؤسسة الزواج أو خارج المؤسسة.
ما هي العلاقة بين المرح والجنس؟ أتكون الفكاهة محض وسيلة لتمرير الرسائل الجنسية على نحو مقبول اجتماعياً، أي أداة المقموع للنيل من صرامة المهيمن؟ أم يتعيّن علينا البحث عن روابط أعمق بين الضحك والجنس؟
لا يخفى طبعاً أن التساؤلات السابقة تنبع من ثقافتنا ومسبقاتها، أي من الافتراضات التي تقيم علاقات الفصل والاستحواذ بين عناصرها، وإذا كانت الفكاهة وسيلة في الأصل فسنراها فيما بعد تستولي على موضوعها؛ الجنس لا يبقى جنساً عندما يكون مضحكاً. لا بأس مثلاً في مشاهدة سلسلة كوميدية ثيمتها الجنس، من نوع American pie، على نحو اجتماعي واسع، وهذا ما لا ينطبق على نظيراتها من أعمال الجنس الخالية من الضحك.
على الصعيد الفيزيولوجي والنفسي تبدو المقاربة مختلفة، فالضحك والجنس يشتركان في بعض الآثار الناجمة عن كل منهما، كاسترخاء الأعصاب وانبساط العضلات، وكذلك مشاعر البهجة والرضا، ما يشجّع على السؤال: لماذا لا يبقى الجنس جنساً في أدبياتنا عندما يقترن بالضحك؟ وهل يعود ذلك إلى تسييس الضحك وتسييس الجنس؟
الواقع لا يقضي بأن تخلو شحنات الإثارة والرغبة من المرح أو اللهو، والمنطق يفترض أنّ الإشباع يستدعي الفرح، لكن الثقافة هي التي تقيم الفصل والقوننة بين الاثنين، وليس من باب المصادفة أن تجيز الخلط بينهما إذا تعلّق الأمر بما يُسمّى حالات “المجون”، بينما يتعيّن على مشاعر الحب، لكي تكتسب مصداقيتها، أن تتحلى بالرزانة، وكأنّ العشّاق لا يلهون ولا يضحكون، ولا يعبث الواحد منهم بالآخر أو يعبث معه، أثناء ممارسة الجنس. من هذه الجهة علينا أن نسائل الثقافة التي تفقر الواقع أحياناً، ومن ثم تقسره بنمذجتها، وكما أسلفتُ بدايةً؛ هذه مجرّد تساؤلات، ولا أدّعي امتلاكي إجابة شافية.