الطائفية وأسباب استمرارها

إن المتأمل في  جوهر الثقافة السائدة شعبيا، يدرك لا شك أنّ الثقافة الطائفية -لا الثقافة الدينية- مازالت  المسيطرة والمتحكّمة في عقل الشارع العربيّ والقسم الأكبر من نخبته، التي لم تتحرر بعد من جذورها الطائفية المسيِّرة لسلوكها وتصرفاتها.

صحيح أنّ الخطاب الطائفي قد اشتد وتسعّر أوراه منذ غزو العراق مرورا بأحداث لبنان الأخيرة – والدائمة- ولكن هذا ليس إلا استمرارا للمسألة الطائفية المتجذرة في الوعي الجمعيّ ولم تغادره بعد، رغم كل خطابات الثورة والقومية والمجتمع المدني… التي   غزت عقولنا على مدى نصف قرن، تلك الخطابات التي عرّتها الأحداث الأخيرة وكشفت مدى هشاشتها وضعف جذورها في تربتنا المحلية، فما إن انزاحت قبضة السلطات قليلا وانكشف الغطاء حتى ظهر قاع الوعي العربيّ المحتقن طائفيا وفاض الإناء بما فيه  دون أن نعني أن الطائفية قدر أبديّ لمجتمعاتنا، وأنها تشكل بنية مغلقة لا سبيل للفكاك منها بل على العكس هي تشكل بنية مفتوحة قابلة للتجاوز باتجاه مجتمع مدنيّ مفتوح تحكمه علاقات المواطنة وحقوق الإنسان والعدالة والمساواة. ولكن الممارسات التي طبقت على مدى قرن كامل لم تكن تفعل شيئا سوى تغذية الطائفية ومدها بكل أسباب النموّ والاستمرار.

أسباب استمرار الطائفية :

تستمدّ الطائفية قوتها واستمرارها من أسباب عديدة أهمها:

أولا : وجود مخزون تاريخيّ قائم على تمثل دور الضحية -وفي حال عدم وجودها يتم اختراعها- التي تعرضت لاضطهاد استثنائي على مرّ العصور من الطائفة الأقوى أو من الطوائف الأخرى، وتقوم الثقافة الشفوية السائدة في كل طائفة بسرد هذه الأحداث على مسامع أبنائها منذ الصغر، لتغدو حقائق مسلّماً بها غير قابلة للجدل أو النقاش، وسبب ذلك  -أي استمرار الخرافات كحقائق في أذهان أتباعها- انغلاق الطوائف على بنيتها المعرفية وعدم النقاش بها إلا في داخلها، الأمر الذي يزيد  رسوخ هذه الثقافة في أذهان أتباعها المهمشين أصلا، الباحثين عن إيديولوجيا خلاص تقدمها لهم الطائفية على طبق من ذهب .

ثانيا : وجود سلطة أخذت من مفهوم السلطة أشدّ أشكاله انحطاطا، هذا المفهوم المتمثل في سلطة النهب والإفقار والإفساد، والعمل بكل الوسائل من أجل البقاء والطفو على سطح المجتمع، حيث تعمّدت السلطات العربية  تهميش المجتمع وإضعاف الأحزاب السياسية التي كان ينتظم في كوادرها مسلمون ومسيحيون ودروز وعلويون واسماعيليون وكرد وعرب وأشوريون وبربر إلى حد ما، وعندما فككت السلطات هذه الأحزاب أو عملت عبر أجهزتها المختلفة على إعاقة نموها، ارتدّ  جمهورها إلى وعيه العموديّ وأصبح يعرّف عن نفسه بهويته الطائفية في ظلّ غياب أي مشروع آخر أو هوية أخرى ترتقي بالوعي نحو آفاق وطنية أرحب .

ثالثا : هناك البنية الثقافية الهشة للأحزاب السياسية التي تكونت في العالم العربي فهي بنية جمعت بين الكثير من الطائفي والقليل من الوطنيّ، بمعنى أنّ هذه الأحزاب اعتمدت على المكوّن الطائفيّ الموجود مجتمعيا لتجلب مناصرين لها أي استغلت الطائفية سياسيا دون أن تسعى لنقد البنى الطائفية ذاتها، فانتقل الوعي الطائفيّ إلى تلك الأحزاب وترسخ فيها – سواء عن قصد أو دون قصد- وهكذا نجد أحزابا يسارية وعلمانية يغلب على طبيعة أعضائها انتماؤهم إلى طائفة بعينها .

رابعا : هناك العامل الخارجيّ والمتحولات الدولية التي عصفت في العالم منذ انهيار الاتحاد السوفيتي حيث بدأت معالم عالم جديد يتشكل، وعولمة تسعى لتفكيك المفكك وتعويم نموذج البلقنة وتسويق خطاب الدفاع عن الأقليات المضطهدة حيث ” أن هذه العملية ابتدأت بشكل ناشط منذ 1991… حيث اكتشف الأكراد كرديتهم والشيعة شيعيتهم، وقبل ذلك لم يكن الأمر خاطرا على بالهم، فهناك جملة عناصر وعلينا التنبه إليها، لأنها قد تؤدي إلى وضع بالغ الخطورة في الكيان والجسم السياسي في كل من هذه الدول”.

ولكن ما علينا أن ندركه جيدا أنّ هذا العامل لا يمكن له أن ينجح إلا من خلال وجود عوامل تسمح له بالنجاح، تتمثل بضعف مناعتنا الفكرية والثقافية التي تسمح للخارج بالتدخل بل تستدعي التدخل إذا اضطر الأمر ولبنان والعراق نموذجان ماثلان للعيان .

خامسا : وهناك أيضا ما أسميه الاستخدام السياسوي الفقير لموضوعة الطائفية  لدى قطاعات كبيرة من المعارضات العربية والمثقفين الذين يدورون في فلكها وذلك عندما يحمّلون كل أثر لوباء الطائفية لتلك السلطات وذلك من أجل إحراج السلطات سياسيا وهم في ذلك يساعدونها دون أن يدروا لأنهم يحيدون بذلك عن الأسباب  الحقيقية التي تنتج الطائفية وتسهم في ترسيخها – والنظام السياسي العربي واحد منها دون شك- مما يعني في النهاية  افتقارهم للحلول التي تساعدنا للتخلص منها. وهم في هذه الحالة أحد الأسباب المؤدية لاستدامة الحالة الطائفية في مجتمعاتنا، ولعلّي أذكر هنا مثالا واحدا ذكره الصديق أبيّ حسن في كتابه “هويتي من أكون”- الذي يصدر قريبا – حيث يقول إنه خلال الإعداد لإعلان دمشق اتصل به أحد المعارضين السوريين المنتمي لأحد  الأحزاب السياسية ” العلمانية الديمقراطية” المعارضة وطلب منه توقيعه على الإعلان قائلا له بصراحة: “نريد توقيعك لأنك كاتب علوي!!”  وهنا علينا أن ندرك أن هذا المعارض اليساريّ الشيوعي ّسابقا.. الديمقراطيّ حاليا  مازال وعيه الطائفي هو المسيطر رغم كل سنوات عمره التي قضاها في حزب يساريّ علمانيّ معارض!

 بعض أعراض الطائفية :

ولا تكتفي الطائفية بتفكيك المجتمع وإبقائه خارج دائرة الفعل بل تسعى لإبقاء المجتمع  رهين خوف ينتج نفسه باستمرار. ولعل أكثر من يدفع ثمن تلك الحالة الطائفية هي المرأة فعدا عن أن المجتمع الذكوري يستبد بها ويعاملها كقاصر، تزيد الطائفيّة المستبدة معاناتها حيث تصبح المرأة شرفا لطائفة بأكملها فكل امرأة تتزوج خارج طائفتها مدانة ومهددة بالقتل، وقد شهدت سوريا كثيرا من حالات القتل لنساء تزوّجن من خارج طوائفهن وفي أقل الحالات تعرضن للنبذ والطرد من مجتمعاتهن “لتلويثهن” شرف الطائفة من “غريب” لا يجوز له الاطلاع على أسرار الطائفة وخباياها .

وينسحب الأمر السابق على كل أفراد الطائفة – ذكورا وإناثا – حيث  لا وجود للفرد كفرد له خيارات مستقلة بل كتابع لمؤسسة الطائفة يلتزم آراءها وخياراتها وحمايتها حقا وباطلا ويحافظ على أسرارها وأي خروج عن طاعة شيوخها يستلزم النبذ والطرد في أسهل الأمور. ولعلنا نتذكر هنا ما تعرّض له الروائيّ السوريّ ممدوح عزام عندما كتب رواية “قصر المطر” التي تتحدث عن تاريخ الطائفة الدرزية الكريمة حيث اعتبر البعض من الطائفة أن الرواية تمسّ شرف الطائفة الأمر الذي استدعى سحب الرواية من التداول من قبل وزارة الثقافة السورية. وهنا نجد أن الدولة ممثلة بوزارة الثقافة تعمل في خدمة الطائفة بدل أن تكون هي الضامن لحقوق الأفراد في وجهها !!

   وإحدى مفرزات انتشار الطائفية في مجتمعاتنا العربية هو عدم القدرة على تحديد العدو لأنّ الهوية الطائفية لا تستقيم إلا بوجود هوية طائفية مغايرة تهددها أو تخترع تهديدها لها لكي تستمر، فتارة يكون العدو سنيا وتارة علويا وتارة إسرائيليا وتارة إيرانيا وتارة بعثيا أوعلمانيا … ولعلنا نلاحظ أنّ إسرائيل كانت العدوّ المركزيّ الوحيد للعرب في السّتينات – عندما كان الخطاب القوميّ واليساريّ هو المسيطر –  مقابل وجود أكثر من عدو حاليا، ففي لبنان لكل طائفة  عدوها، وفي الخليج يرى سنته  في إيران عدوّا استراتيجيا بينما يرى شيعته في إسرائيل عدوّا استراتيجيا وفي السعودية المملكة ذات الصيت الأوسع في تصدير الإرهاب نجد   “أنّ المؤسسة الوهابية التي أعطت النظام السعودي الشرعية، هي الآن عدوّ له، لأنها ترى أنّ النظام ليس إسلامياً كفاية” كما يعبّر  الناشر والصحافي رياض نجيب الريس. وفي سوريا هناك إسرائيل وأماّ في العراق فحدث ولا حرج !

ومن أسوإ منتجات الطائفية والقبلية  على الإطلاق هو الاعتماد المفرط على الحماية الخارجية في حالة الدول – السعودية وقطر- أو التبعية والارتباط الخارجيّ  في حالة الطوائف والأقليات الصغيرة التي تعيش ضمن دول ذات أكثرية معينة لا تسمح لأقلياتها بالتعبير الحرّ عن نفسها كحال أغلبية الأقليات العربية، ولبنان نموذجا واضحا حيث تحتسب سنته للسعودية وشيعته لإيران ومسيحيته للغرب ودروزه حسب متغيرات القوى العالمية .   

لا يمكن الخروج من الحالة الطائفية دون فهمها وتشريحها وفضح ثقافتها المتهافتة أو بنيتها المعرفية (وهذا ما سنحاوله في مقالة لاحقة)، لأن للطائفيّة بنية معرفية خاصة بها لا بدّ من معرفتها وتشريحها وفهم آليات تكونها وكيفية تغلغلها في وعي ولا وعي جمهورها ونخبتنا الثقافية مع الأسف، إذ لم يعد يكفي القول بأن “الديمقراطية هي الحل” أو “العلمانية هي الحل” ، رغم صحة هذا الكلام، ولكن ما علينا معرفته : كيف الطريق إلى تطبيق الديمقراطية ؟ وما هو السبيل لجعل الوعي العلمانيّ بديلا عن الوعي الطائفيّ المسيطر؟ أي كيف يمكن تبيئة العلمانية عربيا ؟

وخصوصا أننا جربنا خمسين عاما من الشعارات المرفوعة بدءا من “الثورة هي الحل” إلى” الاشتراكية  طريق التقدم” وغيرها من الشعارات التي أوصلتنا إلى ذلك الاستمناء الطائفي الذي نشهد فصوله حاليا.