
دامت الخصومة بضع دقائق فخلّفت طالبا راسبا نتيجة تعنّته وشيخا محرجا جرّاء استعلائه.
لقد حاولنا تطبيق آليات التحليل الميكروستوري على الحادثة التي كان طرفها الطاهر الحداد وهو في مقتبل العمر طالبا مندفعا مؤمنا بالإصلاح والتحديث أمّا ضديده فقد كان شيخ الإسلام وناظر جامع الزيتونة بتونس حميدة بيرم وهو رمز من رموز الارستقراطية الدينية المحافظة .
لم تكن تفاصيل الخصومة وملابساتها غايتنا في التحليل والتحقيق والتأريخ بل كانت أداة ووسيلة للتركيب والتحليل من أجل الاستزادة في فهم تاريخية فكر الاستنارة بالبلاد العربية وما كابده من مكبلات وعراقيل .
تؤشر خصومة 1919 على وجود تيارين متضادين يتصارعان من أجل فرض أسلوب التدريس والتأهيل العلمي بالمؤسسة الزيتونية والواقع انّ الصراع بين هذين التيارين لاحت بوادره جليّة منذ منتصف القرن التاسع عشر فقد حاول خير الدين التونسي إنشاء ترتيبات جديدة واستصدار قانون إصلاحي غير انّ محاولته باءت بالفشل وكان الأمر مماثلا في القاهرة وفاس فقد تمسّك أغلب مشائخ الأزهر والقرويين بأعراف المعتاد الرتيبة .
وتفاقم الصراع بصفة أشدّ مع إطلالة القرن العشرين تزامنا مع السيطرة الاستعمارية الأجنبية وانتشار الصحف والمجلات التي أصبحت فاعلة في توجيه الرأي العام .
كانت خصومة 1919 تواصلا لروح الصراع المحموم بين الضديدين والذي انطلق بصفة جلية مع إضرابات سنة 1910 ففي هذه السنة زار المصلح علي باش حانبة جامع الزيتونة وخطب في جمهور الطلبة حاثا إياهم على التغيير والنضال من أجل الحرية باستعمال الحكمة والروية وبالاندفاع والحماس لأنّ ”الحرية لا تعطى عفوا وإنما تؤخذ قسرا ” وفي نفس السنة كتب الشيخ سالم بن حميدة مقاله المشهور” هواجس الصدور في الجامع المعمور” (جريدة التونسي بتاريخ 28 نوفمبر 1910) فأكّد فيه على بؤس واقع الطلبة الزيتونيين واغترابهم ” زرت بعض إخواني من الطلبة الزيتونيين فألفيته والأسى قد سطر على صفحات وجهه الكئيب آية من آيات الحزن وجدته محتدما غيظا… يغتاظ من شيخ مكسال أو مهذار أو مشعوذ في دروسه…”.
تواصلت تلك الحركة الاحتجاجية الإصلاحية سنة 1911 سنة التحاق الطاهر الحداد بالجامع وخلفت ضحايا من الطلبة المسجونين والمطرودين والمنعوتين الذين يقع انتظارهم في أول منعرج امتحانيّ لإسقاطهم والتشفّي منهم.
أثمرت تلك الحركة إصلاحات سنة 1912 والتي ظلّ معظمها حبرا على ورق ولم تتقيد بها إدارة الجامع وخاصة شيخ الإسلام حميدة بيرم سنة 1919 وهو سبب الخصومة الظاهر أما باطن الخصومة فهو تضاد دفين بين إيديولوجيتين وقوتين اجتماعيتين سمح التحليل المجهري بمزيد تكبير أبعادهما.
كان شيخ الإسلام حميدة بيرم رمزا من رموز تيار المحافظة والتحجر الرافض لأي تغيير بل المستفيد من تأبيد الجمود و” بورتريه ” الشيخ بيرم رغم ما فيه من فرادة وخصوصية يصلح ان يكون مادة لرواية جادت بعنوانها ” قريحة” الشيخ طاهر خيرالدين .
{{”السيطرة على الخراب و الأطلال”}}
فأحمد بيرم اشتهر أكثر بـ ” حميدة ” بيرم والميل إلى التصغير هي من سنن العائلات البلدية والعلمية العريقة بمدينة تونس الحاضرة وقد تولّى مشيخة الإسلام سنة 1911 وهو أعلى منصب دينيّ بتونس تاريخئذ وقد ظل في ذلك المنصب إلى أن أقيل منه سنة 1933 وتوفّي سنة 1937 .
إن صورة الشيخ بيرم تختزل في جزء كبير منها مسيرة النخبة التقليدية التي هيمنت على المشهد الثقافي والديني بالبلاد العربية في فترة التحول بين عهد قبيل الاحتلال وتكريس الاستعمار أي خلال الربع الأخير من القرن 19 حتى عشرينات القرن العشرين.
فالشيخ بيرم من ” بيت علم ومجد و أصله من الأتراك ويقال انه من سالونيك تحديدا” وانحدر من هذه العائلة عدد من جهابذة العلوم الشرعية والتاريخ والآداب مثل بيرم الثاني والرابع والخامس وفاضت نجابة أبناء العائلة فامتدت إلى بلاد النيل بواسطة الحفيد ”الضال ” محمود بيرم ” التونسي”.
وتشبه عائلة بيرم في أصولها ومسارها عائلات تركية أخرى مثل بن الخوجة وبرناز وصفر …
ويعترف للشيخ حميدة بالجانب الوافر من علوم الدين واللغة غير أنّ الحداد أحرجه في مجال اختصاصه الدقيق وهو أمر موجع دون شك خصوصا انّه تم على رؤوس الملأ .
و” لا شك أن ّ(الشيخ حميدة) له خصال، ولكن يغلب المذموم منها علي الممدوح إذ كان يستعمل ما يزينه فيما يشينه، كاستعمال الثبات والتجلد في سفاسف الأمور وحسن العهد والوفاء في سقط المتاع والشجاعة المدنية في غير محلها، فتراه قائما بدعوى حماية ما أنيط بعهدته وجميع أفعاله تدل على خلاف ذلك.
يستظهر بالثبات لإخوانه في الدين ويتزلف للأجنبيّ بما لم يعهد من أسلافه وزملائه في ذلك المنصب الإسلاميّ وخلاصة القول أنّ حبه للرئاسة أوصله الى درجة الاكتفاء بالظواهر ولا يهمّه خراب البيت إذا هو بقي هو المسيطر الوحيد على الأطلال” هذا رأي الطاهر بن الوزير خيرالدين فيه والذي زامله في المناصب المخزنية العليا في فترة العشرينات (الوزير طاهر باشا خير الدين : خواطر ومذكرات، تقديم و تحقيق حمادي الساحلي، منشورات المعهد الأعلى لتاريخ الحركة الوطنية، تونس 1998، ص 74- 75).
والواقع إن للشيخ بيرم عدة مثالب مثل مشاركته في الهيئة الشرفية لإعداد المؤتمر الأفخرستي في ماي 1930 وهو مؤتمر تبشيريّ مسيحيّ دعائيّ أسهم فيه لا من منطلق التسامح بل من واجب الطاعة العمياء لنظام الاستعمار وتنظيماته الثقافية. واشتهر الشيخ بيرم أيضا بتبنيه لفتوى ”التجنيس” سنة 1933 فلم يجاهر على الأقل بما يعارض تلك الفتوى التي غذّت نقمة الفئات الشعبية والنخب الوطنية ضدّ ” سلطة المشائخ”.
واشتهر الشيخ بيرم بشدّة دسائسه وانتهازيته السياسية المقيتة فقد خاطب الطاهر خير الدين وزير العدلية قائلا : ” يا سيدي الوزير إنّي أقول بالتثليث فقال له مخاطبه معاذ الله … فأجابه إن غاية ما يتمناه هو التثليث الذي يوحد الوزير الأكبر ووزير العدلية وشيخ الإسلام وأن المائدة تكون أصح وأمتن إذا كانت لها ثلاثة أرجل… وقال لا أيأس فإني من المبشرين بالتثليث ”.
والواقع أنّ للشيخ بيرم مآثر محمودة وجب ذكرها حتى لا نسقط في التاريخ الانتقائي أو الفضائحي من ذلك محاضرته التي ألقاها للدفاع عن اللغة العربية في المؤتمر المنعقد بتونس في ديسمبر 1931 لكن مثالبه تغلبت على مناقبه والواقع انّ الشيخ كان في صراع على المناصب والجاه مع منافسين آخرين منهم الطيب الجلولي الوزير الأكبر الذي أنصف الحداد وزملائه إثر خصومة 1919 لا حبّا فيهم بل كرها في شيخ الإسلام الذي كان ينافسه على ” الكراسي المخزنية ” والواقع ان المؤسسة الزيتونية والمشهد الثقافي بتونس آنذاك كان يشهد سيطرة شق المحافظين الذين توحدّهم الأزمات والشدائد رغم ضغائنهم وتناقضاتهم التي تظل ثانوية .
ومثلما برز لنا الشيخ بيرم رمزا من رموز التيار الأول يبرز لنا الطاهر الحداد ذلك الطالب الآفاقي الفقير ساكن حيّ المركاض الشعبيّ رمزا من رموز المجموعة الثانية التي دافعت عن الاستنارة والتغيير.
{{” مقاومة الجهل المركب الذي طالما أودى برجال الأمة ”}}
ذلك ما ذكره الشيخ سالم بن حميدة في صحيفة المشير سنة 1911 لنعت المجموعة المناضلة من أجل الإصلاح ” لولا تلك البقية الباقية من خلال تلك الروح الكريمة لخرّ سقف الجامع على ما به من فرط ما يقع فيه من الضلالات و أنواع التخرص والهوس والظلمات الداخلية التي تودي بالدين، تودي بالعقل، تودي باللغة، تودي بالآداب، تودي بالأخلاق، تودي بالعادات والسنن الكريمة، تودي بالعلم, تودي بالفكر، تودي بالجنس، تودي بالأمة، تودي بالبلاد… تودي بالمال، تودي بالعائلة وتزيد الحياة ويلات على ما بها من ويلات”.
ظلت المجموعة المجددة والمستنيرة محدودة العدد فاقدة للسند ويظهر التحليل المجهري لحادثة 1919 نزاهة بعض مشائخ الجامع الزيتوني فللحركة الإصلاحية الزيتونية شقها الطالبي من أمثال الحدّاد وشقها الأستاذي من أمثال الشيخ جعيط وهو من الأساتذة المستنيرين وقد أسهم فيما بعد في عدّة معارك ضد الشق المحافظ مثله مثل الشيخ موسى الكاظم بن عاشور ومحمد الفاضل بن عاشور والحطّاب بوشناق.
وكان في زمرة الأساتذة المستنيرين الذين تعلم عنهم الحداد – ويبرزهم مجهر التأريخ لحادثة الخصومة- الشيخ عبد الحميد بن باديس ( 1889-1940) رائد التجديد الديني والإصلاح الاجتماعي في الجزائر والذي درس ودرّس بالزيتونة وكان من أعلامها وهي حالة النخبة الجزائرية المنحدرة من شرق الجزائر والتي كانت تتجه إلى الزيتونة بل تعتبره جامعها وجامعتها في حين تتجه جماعات الغرب الجزائري إلى القرويين بفاس وقد تأثر الطاهر الحدّاد بأفكار الشيخ بن باديس الذي لم تمنعه أصوله الجزائرية من الارتقاء في سلم التدريس بالزيتونة وقد شهد الشيخ في دفتر الحداد بأنه من ذوي المواظبة والفهم والأدب وهو ما شهد به الشيخ محمد العنابي أيضا مما يدل على أن الملاحظات والدرجات في جامع الزيتونة تخضع لمقياس الموضوعية أحيانا وتظل ذاتية في علاقة مع التراتبية الاجتماعية في حالات أخرى فيكثر الشيوخ التقليديون من ”شكر الأقارب وأولاد الأعيان وقد رأيت من الشيوخ من يستعمل في ذلك الشعر إذ كتب في شهادة ببعض تلامذته في سني تعلمه الأولى : شكرا على تعلمه و زاد :
“وإذا رأيت من الهلال نموه أيقنت انه سيصير بدرا كاملا ”
كان هذا التعامل اللاحيادي يغيب في حالة التلاميذ الفقراء والآفاقيين مثل الطاهر الحداد وأقرانه من النازحين والوافدين الذين كانوا عرضة للازدراء والتمييز ويعيشون في مبيتات غير صحية (من أسباب مرض الشاعر أبي القاسم الشابي بالسلّ) وكان نظام النجاح والترقيات في جامع الزيتونة يخضع للسعاية والوراثة واحتكرته عائلات محدودة العدد مثل آل بلخوجة وبيرم والنيفر وبلقاضي فقد قضّى الشيخ عثمان بن المكي وهو آفاقي عشر سنوات في رتبة متطوع وستة عشر سنة مدرسا من الطبقة الثانية وعندما سئل متى يتوقع أن يصبح مدرسا من الطبقة الأولى فأجاب : بعد آخر قطّ من أسرة النيفر ( أرنولد قرين: العلماء التونسيون 1873-1915، معرب، بيت الحكمة 1995ص 122).
انتقل بنا التحليل المجهريّ من العربة إلى القط ومن الزيتونة إلى الأزهر ومن بيرم إلى الحدّاد فتولّدت عن الرواية حكايا وعن الحكايا شظايا للتحليل والتركيب ومزيد الفهم.
—
{{ليست مقاربة ”الميكروستوريا” أداة سحرية للإغراء المعرفي التاريخي ولا هي في المقابل مقاربة عصيّة ملغزة متجلمدة.}}
{د. عبد الواحد المكني : مؤرخ من تونس}