شهادة في التجربة الإبداعية: أنا من سلالة مائية

    توهمنا الطبيعة -إذ تقدم لنا هباتها- أنها  تكرر النمط أو تنسخه في معاملها السرية مهتدية بالشفرات الجينية، غير أنها في الحقيقة تخضع العناصر – المادة الأولية- لنظامها الجيني الصارم، وتنوع في الأشكال والظواهر، فما من صخرة في الطبيعة تماثل صخرة  أخرى، وما من شجرة تتساوى مع شجرة  من نوعها، لكن الصخرة والشجرة تتكونان من العناصر ذاتها، إنما تختلفان في تشكيل النمط والمزايا  استنادا إلى الشفرات الجينية..

 لشغفي بالطبيعة، أدركت أهمية الاختلاف ، وصرت أحتفي بالمختلف والمتفرد  وأحترم من يتمرد على السائد ويفلت من التنميط.

لكل مبدع مبتكر – كما يخيل إلى – شيفرته السرية التي يقيم عليها عالمه الإبداعي وطرازه الذي يؤكد اختلافه وتفرد صوته، المادة الخام كلمات اللغة وأشياء الكون. إنما يكمن الاختلاف في النظر إلى الخامات وكيفية التعامل معها، وهذا يستدعي  خصوصية في التعاطي وديناميكية في الفعل وكسرا للرتابة، ولا يحصل مصادفة، بل يتطلب سعيا للاكتشاف المتواصل والتـأمل العميق والتعرف إلى كم هائل من العلوم ومفردات الكون، بدءا بحبة خردل صغيرة أو تشكيل أسلوبي أو تأليف موسيقي، أو انهمار  ضوء من شهاب عابر، أو احتراق نجم بعيد ، مثلما عليه أن يتعرف إلى خلجات النفس الإنسانية في مباهجها وأساها وتهوارتها وعشقها   وخساراتها  وأحلامها وانكساراتها ..

على غير ما درج الناس في أنسابهم، أحسّني  أنتسب إلى سلالة مائية، سلالة أؤلئك السومريين الهابطين إلى دلتا النهرين من فردوس مفقود. قد  أكون كاهنة من كاهنات  القمر. أنا  سليلتهم التى ضلت  في متاهات التاريخ، قد أكون إحدى الناجيات من حقب الطوفانات العظمى، أنقذني (أتراحاسس) نوح السومري –   في فلكه المحبوك من القصب والمطلي بالقار، وأتى بي من زمن إلى زمن ، وحيدة كما وجدني عند معبد أور في برهة إنهيار دويلات المدن السومرية، وانتشلني من لجج  الغمر المائي وأنا أحمل تمائمي وتعاويذي المتمثلة بالنبع الفوار والقمر والبرق،  وألقى بي  في وحشة الزمن المعاصر وحيدة أيضا   كما وجدني هناك..

الحلم مادة وجودي وجوهر حياتي ، ولولاه لكنت ارتميت في زاوية النساء المنسيات وراء الحجب.  وأنا إذ احلم أكتب، وإذ أكتب أخترع أحلاما غضة   تثري وحدتي الوجودية، وهكذا يسلمني الحلم إلى حلم أو سلسلة من الأحلام ، ومابين ذلك يتساقط نثر الحياة اليومي وومض المتع النادرة، وما بين حلم وحلم أحيا حياتي ، ولولا تلك الآلية الحلمية وآلية النسيان لما تحملت ويلات العيش و كوارث الأزمنة  في بلادي  وضغوط المحيط البشري  ومواجهات الأضداد..

يخبرنا فلاسفة اليوغا الهنود أن الحياة هي البرهة الصغيرة الفاصلة بين نَفسَ  ونَفَس، هي برهة   قصيرة جدا ، وأنا أحول البرهات القصار الى أحلا م حتى أبلغ اليقظة النهائية، الخط المستقيم الساكن، حين يأفل الحلم وتسكن المخيلة على عتبات  الموت..

 أعانتني كل هذه الخدع  التي أمارسها مع الزمن   وأعانني  الحلم ، على إبتكار أساطير معاصرة  مؤسسة على مرجعيات معرفية متعددة ، أولها الطبيعة وموروث الفكر الرافديني وعلوم العصر وموسيقاه …

الموسيقى عنصر أساسي في حياتي وأعمالي، وهي أسمى ما ابتكره العقل البشري من فنون  وإبداعات  نقلت  البشرية من حياة التوحش  إلى مسالك  الحضارة وأؤمن على نحو ما  أن الشعوب المحرومة من الموسيقى  تقف على شفا الإنقراض..

درست البيانو على يد العازفة العراقية الشهيرة بياتريس اوهانيسيان  ودرست الرسم دراسة حرة لدى الفنانين الراحلين خالد الجادر ونزيهة سليم.  جربت الرسم قبل أن انصرف كلية للكتابة فلم أجدني فيه، أما الموسيقى فقد اكتفيت منها بالسماع  وعزف بعض الدندنات على البيانو الذي حطمه المارينز لدى اقتحامهم  منزلي صيف 2006..

علمتني الطبيعة  أن أقاوم الألم وأزاول الاختبار، وعلمتني الموسيقى  أن أدرك أهمية اللحظة في أعالي  البهجة وأقاصي الحزن، اللحظة هي المدى الموسيقي بين نوتة وأخرى وهي جسد الموسيقى الذي نعبره  ويعبرنا  خلال التدفق اللحني أو الهرموني و الإيقاعي ..

الطبيعة  موسوعتى وأمي وأبي وكتابي المقدس متجدد النصوص ولها أدين  بفكرة ( الدفق الحيوي ) في أعمالي وحياتي،  الإنتماء للطبيعة وعشق الموسيقى  يستدعيان عزلة وإبتعادا عن الزائل ،  ومن هنا   كانت تدابيري المتواصلة لأبقى في منأى عن التجمعات والجماعات، ابقى وجودا حيويا  يواجه الريح  و الإعصار ويغتسل بغبار النجوم ..

  يتنازعني موقفان :  إعتناق العزلة التأملية والمجاهدة  الجادة للاندماج بعناصر الكون والإمساك بلحظة الحاضر، لألقي  بثماري – أعمالي في العراء الواسع كما تفعل الطبيعة، اشارة لعبوري في  الزمن دون اعتداد بالشهرة  والخلود، فهما ناتجان عرضيان لفعل الإبداع ويناقضان نزعتي للاندغام بالكون،  ويقوم هذا الموقف على اعتداد مطلق بالحاضر وعبور لحظاته  التى تشكل ما ندعوه  (الان)..

إعتناقي للطبيعة   قادني للبحث عن مفاتيح وتفاسير لظواهرها ، فلم أتوقف عند قراءة  ما هو فكري وأدبي، قرأت علوم الفلك وعلوم الحياة والجيولوجيا الفيزيائية وموسوعات النبات والمعادن والأساطير، وأهدتني  الكشوفات المتاحة إلى  ملاحقة مسيرة  الإنسان في متاهات الزمن، ومن هنا، من كل هذا،  توصلت إلى  استخفاف  بالزائل ، والى عصيان للوصايا التي تكبل العقل وتحول دون اشتغاله وانعتاقه ، ومن هنا مسعاي لتحطيم الأطر التقليدية  وتجاوزها في النص والحياة والعلاقات  الآنسانية ..

أتعامل من هذا المنطلق مع الحياة والحب والنصوص تعاملا شعريا – فالشعر هو لب اللغة وجوهر العلاقة مع الوجود- واعترف بسبق الشعر وبدئيته لكل انجازات العقل البشري هو والموسيقى، وأقر  بأنه الوعاء الأكبر  الذي يضم وسائل التعبير  عن النفس والعالم والزمن ..

في نصوصي تمتزج أساليب القص والشعر والمعلومة  التوثيقية  في شكل إبداعي غير قابل للتجنيس الصارم، تحقيقا لحريتي في اختيار الشكل الذي يناسب رؤيتي للعالم ..

تأسست علاقتي بالطبيعة في سني الطفولة الأولى المترنحة على غموض البساتين وأسرار الشجر وأبدية الأنهار  سحر حكايا الجدات أساطير مخلوقات الاجراف وغيلان الكهوف ، كنت أهيم مع  الصغار ونبدد نهارات العطلة الصيفية بحثا عن كنوز الطبيعة : التوت البري وبيوض القبرات المنسية بين أكداس سعف النخل وعنب الذئب المبذول على حافات الجداول  والماء يترقرق تحت  عباءة من نبات العليق  والنعناع البري، وكنا نتسابق في التقاط قواقع الاجراف وجمعها، والركض وراء الحلزونات ومحار الشواطيء الرملية، أو نمسك بالاسماك الفضية الزلقة  ليتبقى على أصابعنا برق من حراشف رقيقة، ونلاحق السلاحف الناعسة  أو ننصت مسحورين إلى أغاني قاطفي التمر و الصيادين و ترنيمات البنات الحاصدات الملفوحات بذهب الشموس وشذا القمح..

كنت أغيب عن الجمع  الصبياني وأضيع نفسي  في متاهات أشجار التين و شجر الزعرور الشائك، أجني الثمار القاصية بعيدة المنال، وانتهي بيدين مجرحتين وثوب ممزق  وقصاص بحرمان  من فراديس البساتين، غير هذا كنت أعدو في المساء وراء مسيل نجمة  احترقت وراء نهر ( ديالى) وهوت في  المياه،  وفي كل هذا   البحث اللاهث عن أسرار الطبيعة كنت اتعثر بالقنافذ والقبرات و الهداهد  القافزة بتيجانها الملكية، وتلتف جلود الافاعي على قدمي  بعد أن

رمتها  وهي تمارس خلودها  على مرأى من  فناء الإنسان. في المساء وعلى دروب البساتين المعتمة المنحدرة نحو النهر كنت  أترصد الثعالب الفاتنة ذهبية العيون وأنغمر بنواح طائر الشقراق  ولا أعرف سر نحيبه حتى كبرت وقرأت الأسطورة التي تقول  إن عشتار سلطت عليه رياح الجنوب وكسرت جناحه عندما رفض وصالها وهو ينوح ويردد : جناحي ، جناحي حتى انتهاء الزمان..

في الليل اتنصت للنداءات الغامضة : أصوات ذات حفيف ضوئي أو حفيف اخضر، أسمع همس النجوم وخبط الزوارق والأ رماث في النهر، وتنهمر على نومي  أشذاء الثمار المغوية و شبح الغول وهمهمات بنات الجرف  البيضاوات ساكنات المغاور اللائي كن يرجعّن انعكاس أصواتنا، ويصنعن لنا أعجوبة الصدى المتكرر بين الأجراف .

هذا العالم  هو الذي اخذ  بي إلى  أمداء  الشعر وممالك العصيان، خبرت فيه  الإندماج في عناصر الطبيعة و تعلمت أبجديات  ما كانت لتعلمني اياها كل كتب العالم..

كانت للطيور خبرات موروثة، فالبلابل   كانت تصدح بالشدو العجيب طوال الليل والنهار دون أن تتوقف أو تكل ، وأسأل جدي الذي أورثني حب الكتب : لماذا لاتنام البلابل ؟؟

يضحك  ويخبرني بالسر:  هذا موسم التين في البساتين، تعالي لأريك  ماذا تفعل البلابل. يدعوني لمراقبة قبيلة من البلابل  وهي تنقر ثمار التين الناضجة و تقطر ماء جلبته من الجدول في لب الثمار السكرية وتروح ترشف رحيق ثمار أخرى ..

يقول الجد : بعد أيام وفي حر الصيف سوف يتخمر لب التين السكري ويغدو خمرا. أنظري تلك البلابل الاخرى ترشف الرحيق المتخمر المسكر وتواصل صداحها ، أرأ يت  عبقرية الطير ؟  إنها تصنع خمورها من تين بستاننا وتمنحنا   مقابله  كل هذا الشدو الجميل.

 القمر تعويذتي السماوية أنا كاهنة معبده في  أور وحرّان، ارتبطت به عبر حادثة كأنها الحلم.  كنت مريضة بالتايفوئيد وعمري سنتان ونصف السنة، والنتيجة انتكاس في مهارات المشي والحركة، فعدت أحبو مثل الرضع في باحة البيت الشرقي  التي تتوسطها حديقة من شجيرات الجورى والفل والرمان و العنب، يقترب مني سرب يعاسيب بأجنحة شفافة زرق  وبنفسجية ووردية وذهبية وتتوقف في الهواء  فوق رأسي فتسحرني وهي ترعش أجنحتها فوقي، أرفع بصري نحوها، فاكتشف في  الأعالي  ذلك القوس الضوئي الذي عرفت فيما بعد أن اسمه القمر، دهشتي باليعاسيب الملونة قادتني إلى  مغادرة الآرض وأعادت لي قواي وأخذت أعدو لامساك بأحدها وربما للإمساك بالقمر  وأنا اصرخ  في رغبة جنونية للوصول إلى  الإثنين  ولبثت أعدو في الأرض حتى هذه اللحظة ..

دودة الحرير، أو دودة القز،  علمتنى المثابرة ودقة الانجاز وعبادة الحاضر. كانت جدتي تخلّق لنا حريرا في إحدى غرفات بيتنا الكبير في الربيع، نضع بيوض دود الحرير السمراء على سطح مستو في شمس الربيع، فتفقس عن يرقات صغيرة، ندللها ببراعم  ورق التوت  التي نفرشها  على أرفف خاصة، فتنمو أمام دهشتنا وانسحارنا باستحالاتها المتتالية : وبعد أن توشك على النهاية تصاب بشراهة مروعة فتلتهم  أوراق التوت الغضة طوال الوقت ثم تبدأ بنسج لعابها الحريري الذي يتجمد حال ملامسته الهواء، تصنع لها كفنا من حرير أبيض بيضوي الشكل، وتتكور داخله، مختارة مصيرها، وتحدث المعجزة عندما يأتي يوم نرى فيه مئات الشرانق اللامعة العاجية البياض  وهي تتلامع فوق أغصان   التوت  العارية، ندعها أياما لتكمل  إستحالة العذارى في  داخلها الدافيء، وتتحول الى فراشات قبيحة  قصيرة الأجنحة لها مجسات كالقرون، فنسارع ونلقي الشرانق الأخرى في الماء المغلي لكي تموت الفراشات ولا تخرق الشرنقة وتقطع خيوط الحرير ونحتفظ ببعض الشرانق لتخرج منها الفراشات وتضع بيوضها التي نحتفظ بها لموسم حرير تان، وتغادرنا   هائمة  وهي تلاحق نهايتها المحتومة..

 من هذه التجربة العجيبة القاسية الناعمة شأن الحرير والفظة فظاظة الموت، تعلمت تبجيل الحاضر وعدم التعويل على ما سيأ تي فكنت أشرع في نسج شرانقي متجاهلة موتي القادم أو خسائري المتوقعة ..

أتعامل يوميا مع النباتات والأزاهير والمحار والنجوم والأشذاء والصخور والمعادن وأتعرف على خصائص الأشياء واصحب النباتات مثل أصدقاء ممتعين  يمنحونني عزاء في وحشة الزمن ..

وعندما أكتب عن البنفسج أو شجيرة الهيل أو  الأرجوان ونخل السايكاس وزنابق الحقل، أو أتحدث عن حجارة بركانية أو عرق مرجان بحري أو بلور أو نسيج معين فإنني اتعاطى مع شيء أليف أعايشه  وأعرف خصائصه، وأستخدمها في نصوصي بحضورها المادي وأبعادها الأسطورية أو دلالاتها الرمزية،  فالقمر يتعدى كونه جرما مضيئا، لأنه في موروثي السومري، ثمر السماء المولود بذاته، المتجدد وهو رمز طاقات الخصوبة وعلامته قرنا ثور فتيّ، وموقعه في نصوصي  يقوم على إستنفار رموزه وعلاقته بالمد والجزر والجاذبية ، وعلاقته بدورة الدم في جسد الأنثى وتأثيره فى حركة السوائل داخل الكائنات الحية، وبالتالي إنعكاسات ذلك على سلوكها ومصائرها ..

لم يكن شغفي بالطبيعة محكوما بذهول رومانسي  وحنين  مبهم للحياة، بل كنت  أتعاطاه بحمية المتأمل ودأب المكتشف وفضوله  واصطباره، وعزز هذا الشغف العاقل  حريتي في التعبير ووفر لي إحساسا بالتحرر من المحددات ، وهو مبتغى المبدع في نشدانه للحرية.

ولا يتحقق هذا بالامتثال الى المسلّمات  وقبول  التقليد، بل بمواصلة طرح أسئلة الوجود والسعي المشبوب الى إمتلاك الحاضر وتمثله ثم اجتيازه شبه ومضة ضوء ..

اطمح   إلى  تقديم نص  أتحدى به قواعد القص السائدة  مستفيدة  من المنجز الأدبي الرافديني – السومري والبابلي-في محاولتي إيجاد شكل وأسلوب لهما خصائص محلية  برؤية معاصرة، دون  أن  تنتابني لحظة تردد أو   خشية من قوانين الكتابة المكرسة..

أعتد كثيرا بمتعة القراءة التي لابد أن  يتوفر عليها النص المقروء ، فبدون  لذة القراءة يتحول العمل إلى  عبء على  المتلقي، ويمكن تحقيق المتعة القرائية بوسائل أسلوبية مختلفة منها البناء الموسيقي للعبارة والموسيقى الداخلية لمقاطع النص،  وأصوات الحروف الصائتة  وتوازنها مع الحروف الصامتة  بإحساس موسيقي  لبنية العبارة ومن ثم الفقرة والمقطع  وتحقيق قدر من السلاسة والتدفق في   مكونات النص، حيث يتكامل  في حركة تصاعدية  أو موجية  أو  دائرية حسب  مبنى العمل  و شكله.

هذا ما يتعلق باللغة و أسرار  تكوين الاسلوب الشخصي، أما المضامين فلا بد من توفرها على متع الاكتشاف لطروحات أو أفكار حرة  أو تناول جوانب  مسكوت عنها  ليعثر بعض القراء على أجزاء من أنفسهم في النصوص ويتعرفوا إلى  ذواتهم في مرآة الآخر وعلى سبيل المثال الكتابة عن الجسد ..

الكتابة عن الجسد هي  دخول في صورة العالم نفسها أي أن  الجسد في رؤيتي  هو مادة لا حدود لها، نكتبه عبر الأحاسيس  والرغبة، وكلما عبرنا في النص عن احتدام حسيّ ، منحنا الجسد اتساعا  فيكون لامتناهيا، بمعنى أن لحظة الحب هي ذروة حضور الجسد ونقطة غيابه أيضا، وليس بالضرورة توصيفه كمادة ملموسة بل التعامل معه كهوية  متلاشية في الآخر، وصورة متشظية من أحاسيس شتى متضاربة وصاخبة تتحول في لحظة الحب القصوى إلى محيط من هيولى العناصر المتناغمة والمتلاشية في بعضها، ومن هنا فليست كل كتابة عن الجسد هي كتابة حب أو عشق  إنما قد تكون  امتثالا لشبقية عابرة  لا تحتفي بالحب والمتع الحسية ولا تعيد  إنتاج الكون بالحب والجنس المنبثق عنه  طبل تحول كل شيء إلى خواء ووحشة ..

العاشق أو العاشقة  لا يرى ولا ترى في ممارسة الحب  سوى أجزاء من جسد المحبوب الذي يغيب في برهة اللامحدود، وتتعايش الأعضاء حرة مع بعضها مشتتة كصورة متشظية،  ومجتمعة كموضوع رغبة، تصير ضياعا وهداية مزدوجة وخلاصا وفناء أقرب إلى الحلول الصوفي،  وحين تنكتب  لحظة الحب  على الجسد  يضيع الجسد وتفنى اللحظة ويتحول جسد المحبوب إلى ضلال وعلامة ماهية جديدة  ينولد منها  وعي مختلف بالنفس والمحبوب أو المحبوبة ..

 جربت هذا الطرح في بعض قصصي القصيرة : الريح وللنساء مسرات الغياب وأساطير ديك الجن الحمصي ورغوة الغرف الذابلة التي تتسم بشبقية كونية تعيد إنتاج الكائن من ذاته وبذاته مع المحبوب غائبا أو متخيلا أو حاضرا ..

انظر للكاتبة : ألف ليلة وقوت الأرض : المتع الأرضية وعصيان الوصايا

شهادة عن المؤثرات الأدبية وأوّل الكتب..