
كما لو أنّ أبي قد رآني للمرة الأولى، وانتبه فجأة إلى تمّيزي عن بنات الحي الذي نسكن فيه، كما لو أنه اكتشف بغتة سفوري، بين حشد من نساء يغطين رؤوسهن ويحجبن شعورهن، كما لو أنّه شعر بالخجل لأنّ ابنته ليست كبنات الآخرين، فقرّر وفي تلك اللحظة فقط، على عادة الآباء المحصّنين بالسلطات المطلقة، والتي يعزّزها لهم المجتمع، دون نقاش أو إعادة نظر. وكما لو أني ألتقي بأبي للمرة الأولى، وأرى فيه رجلا لم أره من قبل، رجلا خاضعا لأحكام المجتمع، ومرتعبا من قراراته، إذ أنه لم يسبق له أن طلب مني أمرا كهذا، ولم نناقشه أساسا في العائلة، لأنّ الحجاب كان نادرا في أوساطنا العائلية والاجتماعية، ولكن اقتحام بنات الجيران المحجبات لبيتنا، محميات ومحصنات، بنظرة أبيهن الراضية، لا بل والفخورة، جعلت أبي يشعر بالدونية وربما بالإهانة، كوني لا أحمل تلك الحصانة، ففاجأني بطلبه المباغت، أن لا أدخل، قبل أن أضع شيئا على رأسي، شيئا لم أضعه من قبل !
تراجعت خارج الغرفة مندهشة من طلب أبي المفاجئ، عاجزة عن فهم توقيت طلبه في تلك اللحظة بالذات، دون مقدّمات مسبقة .
أرجعني الذهول لا خارج الغرفة فقط، بل وضعني في ارتباك قلب الكثير من مشاعري تجاه أبي، الرجل الذي لا أفهمه، والذي يمارس عليّ مزاجياته بغرابة، فهو منفتح ويساريّ وأب متحضّر حينا، ومتسلّط ومتحكم حينا آخر، أما أن يطلب مني وضع الحجاب، الذي لم أضعه يوما، وفي لحظة مزدحمة بالزوار، كمن يتحاشى حوارا لاحقا أو مجادلة أو رفضا، مستغلا زحمة المنزل ، ليلقي بأمر من أوامره، لا يملك هو ذاته، بينه وبين نفسه، تبريرا منطقيا له، فهي سابقة في جدول طلبات أبي، لم أتمكن من فهمها، و”هضمها ” في تلك اللحظة .
أمي قادرة على فهم رغبات أبي المفاجئة ، فهو يتصرّف حسب المكان واللحظة التي تحكمه، فدخول حشد من المحجبات سوف يفرض عليه الرغبة بالتماثل، وهو الذي يرعبه أن نتميز بشيء، حتى لا نلفت نظر الآخرين لنا، كما لو أن التميز هو فسوق مطلق، وأقصد بدقة، تميزنا نحن النساء، وبالمقابل، فإن وجوده في مكان حافل بنساء سافرات، وحديثات، سوف يجعله يشعر بالخجل من ملابسي المتزمتة. وأنا لا أستغرب أن يغضّ النظر عن الكثير من التفاصيل التي لا يقبلها في مكان ما، بل تصبح عادية، في مكان آخر .
إلا أنّ تجاهلي لطلبه لم ينفع طويلا، لأني وجدتني مع مرور الوقت، أضع تلك القطعة القماشية على رأسي، مذعنة لتقاليد الحيّ الذي نسكن فيه، ولضرورة الاندماج مع فتيات الحيّ ونسائه .
دارت معارك طويلة بيننا، أبي وأنا، انتصر فيها هو، بوصفه رجلا أولا، ولكونه أبي ثانيا، أي ومن جديد، محصّنا بسلطات المجتمع، وأنا، البنت الفاقدة لأية سلطات، حيث أستمد شرعيّتي من لغة الحوار، بينما كان لا يحتاج لإثبات شرعية أفكاره، فهو الرجل والأب، الذي يحقّ له كل شيء.
وجدتني أمام خيارات جميعا حاسرة، كان أقّلها خسارة، وضع الحجاب.
إذ وضعني أبي أمام عدة خيارات، إما الحجاب والاستمرار في حياتي الطبيعية، الخروج من المنزل، ومتابعة دراستي، أو لا أضع الحجاب، وأجلس مع أمي في البيت، وكان يعرف أن أقصى عقوبة قد تطالني، هي سجني في البيت، مع أمي، لأتحول إلى حالة بيتوتية سطحية. كان يعرف أنّ كلّ أحلامي ومشاريعي تنتظرني خارج البيت. فأذعنت، ووضعت الحجاب، الخيار الأقل خسارة، وانتصر أبي .
رافقتني تلك القطعة القماشية، الإيشارب، سنوات طويلة، كانت فيها تثقل على عنقي، وأشعر باختناق كلما ربطت تلك العقدة على عنقي، ولم تكن آنذاك ثمة تنوعات لأشكال الحجاب، بحيث تمّ فيما بعد، اختراع أشكال، لا تتطلب ربط العقدة على العنق، بل لفّ الحجاب حول الرأس، وتثبيته بدبّوس أعلى الرأس، بحيث يظلّ العنق طليقا، ولكن تحت الإيشارب.
ولأنني أساسا لم أكن أهتم بالموضة، وكذلك بسبب وضع عائلتي الاقتصاديّ، لم أكن أمتلك ميزة شراء إيشاربات حديثة، بل كنت أفتح خزانة أمّي، وأسحب أيّ واحد منها، وأضعه على رأسي دون اختيار، لم يكن يمكنني ممارسة ذلك الاختيار، لأنّه كان أساسا مفروضا عليّ، لذلك لم أتفنّن في اختراع ” حجابي ” .
ناقشت أبي، ولمرات عديدة، في استيائي من الحجاب، وحاولت أن أحصل على موافقته في نزعه، وكنت أتكئ على الجوّ المهيأ بيننا، والذي مهّد له انتماؤه السياسيّ آنذاك، وشبه انتمائي للخط ذاته، أي أنّ حالة ” الرفاقية ” بيننا، كانت تساعدني على خوض هكذا حوار، من ضمن حوارات أخرى . فإذا كان يمكننا، أبي وأنا، مناقشة الأوضاع السياسية الداخلية والعالمية، فكيف لا نناقش تفصيلا تافها كهذا، إلا أنّ أبي، العاجز عن الإتيان بالمسوغات أمامي، كان ينهي الحوار، ما أن أتطرّق لموضع الحجاب، وتتحول الرفاقية بيننا، إلى علاقة بين أب مستبد ّوابنة مذعنة .
لم أترك ” واسطة ” لم أستعملها للضغط على أبي، رفاقه في الحزب، أصدقاءه المتحررين الذين لا تضع بناتهم الحجاب، رؤساءه في العمل، الذين كانت تربطني ببعضهم حالات صداقة عائلية، زميلته في العمل، الفتاة المسيحية المتنورة، والتي لها سلطة نفسية، وتأثير شديد عليه، وقالت له آنذاك : ” سأزعل كثيرا فيما لو لم تسمح لـ مها بخلع الحجاب”. وكعادته في عكس الحقائق للتملص، قال أمامي، وبطريقة فاجأتني، وأخرستني تأدبا : ” هذا خيارها، وأنا لم أجبرها عليه ” . كما لو أنها أدركت، وليس صعبا، أنه يرمي باللائمة علي ليتملّص من المسؤولية، أضافت : ” المهم لا أريد أن أراها في المرة القادمة مع هذا الشيء اللعين على رأسها ” .
حين صرنا وحدنا، أبي وأنا، أخذ يتكلم في أشياء أخرى، ولما استغللت ثرثرتنا في تلك الأشياء الأخرى، التي تقرب بيننا، قلت له ” والإيشارب ؟ “، فرد علي بعصبية ” هذه حياتنا، هي هكذا، أتريدين أن أسكن في المريخ لأجلك ؟ “.
حتى تلك المرحلة، لم يكن الحجاب سوى قيد شكليّ على عنقي، يحتّم علي طريقة لباس معينة تنسجم معه، وكان هذا كل ما يزعجني، لم أكن قد دخلت بعد في مرحلة الشعور أنّ هذا الحجاب هو قيد حقيقيّ على حريّتي الوجودية . كل ما كان يزعجني آنذاك، أنّي أضطرّ للعودة إلى البيت، بعد خطوات أقطعها، لأسحب أي إيشارب تعلقه أمّي، على المشجب القريب من باب المنزل الرئيسيّ، أسحب أي قطعة، وأعقدها حول عنقي دون انتباه إلى شكلها أو لونها أو حتى نظافتها . لم يكن لي ” إيشاربي ” الخاص، ولم أشتر يوما ذلك الشيء . وكنت أنسى على الأغلب وضعه، إذ لم أكن أضعه إلا حين أغادر البيت.