
{العفيف الأخضر}
يبدو أنه من المؤكّد — حسب هابرماس Habermas — أنّ كلمة “حديث Modern” استُعملت لأوّل مرّة في القرن الخامس الميلاديّ للتّمييز بين عنصرين: أوّلهما الرومانيّ الوثنيّ وثانيهما الحاضر المسيحيّ المعترف به رسمياً.[1] في حين يقول جان ماري دوميناك أن كلمة “حديث” ظهرت لأول مرة في التاريخ الأوروبي في القرن الرابع عشر. وأن مفهوم “الحداثة” لم يبرز إلا في العام 1850على يد شارل بودلير وجيرار دونرفال.[2]
إلا أنّ بعض الباحثين يؤكّدون أنّ مصطلح “الحداثة” ظهر لأوّل مـرّة في أوروبا في إحدى المجلاّت اللاّهوتية في العام 1892. وأنّ أوّل ظهـور لهذا المصطلـح كان في وثيقة كنسيّة، في العام 1905 في “رسالة الأساقفة الوعظيّة المسيحيّة الجامعة لشمال إيطاليا”.[3]
{{معنى الحداثة في الفكر العربيّ المعاصر}}
الحداثة دعوة شموليّة، لا تقتصر على جانب معيّن من جوانب الحياة. وهي دعوة شمولية كذلك لاكتشاف المجهول. وبالتالي فإنّهـا ليست قراراً سياسياً، يؤخذ من أعلى، كمكرُمة ملكية، أو عطيّة أميريّة، أو هبة شيخيّة، أو منحة رئاسيّة، بل هي ردّ فعل، لا يأتي من الدّاخل بقدر ما يأتي نتيجـة صدام الداخل مع الخارج، ونتيجة للتفاعل الحضاريّ. كما أنّ الحداثة وصف لحالة المجتمع وتركيبه، بل هي حركة صراع داخل هذا المجتمع. ومن هنا يمكن وصفها بأنها موقـف من الإنسان، وأنّها منطق جديد لرؤية العالم. وأنّ الحداثة رؤيا ثوريّة تقتحم السّائـد في عقر داره.
الحداثة ليست قراراً سياسياً وليست قراراً فكرياً يتخذه السياسيّون أو المفكّرون. فهم اليوم وأمس كانوا يتحدّثون عن مشروع أسلمة الحداثـة أو تحديث الإسلام.[4] المسألة لا تأتي هكذا ضمن مشروع ماّ، بقـدر ما تأتي استجابة للحاجة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. إنّ الحداثة استجابة للحياة ومتطلباتها وضرورات العيش فيها. قد يكون هناك شعب يعيش في العصر الحاضر ولكنه ليس بحاجة إلى الحداثة.
أي أنّ طبيعة الحياة والفترة التاريخية والاجتماعية التي يحياها لا تتطلب ثورة حداثية في الاجتماع والاقتصاد والتعليم والسياسة. وأنّ دعوات الحداثـة التي تنشـأ بين صفوف مثل هذه الشعوب لا تتعدّى أن تكون حركات فرديّة تقـوم بهـا مجموعة محدودة من الشعراء والكتاب. وتأتي هذه الحداثة مخالفة لتيّار الحياة العامة التقليدي ّالمحافظ. وتظهر كالرّقعة الغريبة الناشزة Heteronomy في الثوب، غير متداخلة في نسيج الحياة العامـة، ذات خيوط نافرة وألوان فاقعـة.[5] وقد عبَّر عن هذه الحالة البرت حوراني الذي دعا مثل هذه الحالة بالتشرقيّة Levantine . ودعـا الفرد بالتشرّقيّ وهـو الفـرد الذي يعيش في الوقت نفسه في عالمين أو أكثر، دون أن ينتمي إلى أي منهما.
وهـو الذي يتمكن من تلبُّس الأشكال الخارجية للعوالم دون أن يملكها بالفعل. وليست لهـذا الفرد قيمة ولا هو قادر على الخلق، وإنما هو مقلّد ومُحاكٍ فقط.[6] فلا هو بالسلفيّ الذي “فكّر في الإصلاح والتحرير بعقل ينتمي إلى الماضي العربيّ الإسلاميّ ويتحرّك ضمن إشكاليته. ولا هو بالليبراليّ الذي بشَّر بالنهضة والتقدم بواسطة مركبات ذهنية، واستطاع تخريج الرجل العربي العصري”.[7] ولنا من بعض الشعوب العربية خير مثال على ذلك.
فالحداثة لا قرار فيها لأحد.
{{إنها قرار الحياة الشامل.}}
الحداثة لا تتحقّق دفعة واحدة بل هي على مراحل وعبر مسارات مد ّوجزر. وهي مشروع لا تكتمل فصوله أبداً.[8]
تعريف الأخضر للحداثة
يُعرّف العفيف الأخضر الحداثة على أنها قطيعة العلم التجريبيّ في القرن السابع عشر مع التأمّلات الإغريقية المسماة علماً.
هي قطيعة العقد الاجتماعي مع الحقّ الإلهيّ.
هي قطيعة فلسفة الأنوار مع المعتقدات الظلامية.
هي قطيعة العقل مع النقل، والثورة الفرنسية مع النظام الاقطاعيّ، والثورة الصناعية مع الحضارة الزراعية، والفرد المالك لرأسه وفرجه مع العضو الهلاميّ الذائب في قبيلته أو طائفته.
هي قطيعة العَلمانية مع الجمع بين الدين والدنيا، وقطيعة الديمقراطية مع الاستبداد. وهكذا فإنّ الحداثة ببنيتها ذاتها، بمنطقها الداخليّ ، بديناميتها المحايثة، قطيعة دائمة أو لا تكون. لأنها هكذا حدثت في التاريخ، وهكذا يحتم منطقها الخاص أن تحدث. انها ككل قطيعة مؤلمة وجارحة.[9]
كما أنّ الحداثة هي انتصار العقل على النقل، أي انتصار الاستدلال على ايمان العجائز، والمعقول على المنقول عن الأسلاف من عادات ومعتقدات عاجزة عن إثبات شرعيتها العقلانية أمام محكمة العقل.
ربما كان تعريف ما ليس العقل، هو الطريق الأكثر أماناً لتعريف العقل. المشاعر الشعورية او اللاشعورية كالحب والعداء والشعور بالذنب ليست العقل، لأنها متحرّرة من قوانين العقل والمنطق. الفكر السحريّ ليس العقل لأنه، عكس العقل. يطلب من الواقع اعطاءه نتائج مخالفة لقوانينه. الحدس ليس العقل، لأنه ليس طريقة عقلانية في البحث عن الحقيقة ومعطياته لا سبيل للتأكد منها. المخيلة ليست العقل لأنّ أحلام اليقظة والاسقاطات والتخيلات التي تنتهجها على أهميتها في الأدب والفن متمردة على رقابة العقل. الأهواء والانفعالات الهاذية ليست العقل، لأنها لا تكون قوية إلا بقدر ما يكون العقل ضعيفاً. اليقين الدوغمائي الأعمى ليس العقل، لأنه لا يقبل الشك ولا النقاش المتعارض. وهما من أخصّ خصائص العقل. الرغبة ليست العقل، لأنها مقطوعة من الواقع، وتهزأ من قوانينه، فيما العقل منضبط بقوانين الواقع، التي هي أيضاً قوانينه كقانون عدم التناقض الذي هو الأساس الذي يقوم عليه العلم الحديث، والذي عرّفه ارسطو عندما قال: “يمتنع أن يوجد الشيء، وإن لا يوجد في وقت واحد، ومن جهة واحدة”.[10]
ويعتبر العفيف الأخضر الحداثة – كما اعتبرها طه حسين من قبل – كلّا لا يتجزّأ مثلها مثل الماء. لا يمكن فصل الأوكسجين عن الهيدروجين. وأخذ حلو الحداثة دون مُرّها، لا يُنتج حداثة بقدر ما يُنتج مسخاً. إنّ فشل الحداثة العربية حتى الآن سببها أننا ما زلنا نأخذ بطرف منها، كما فعل الأوّلون في القرن التاسع عشر كالطهطاوي وخير الدين التونسي والنخب السياسية التي حققت مطلبها في الجمع بين الأصالة والحداثة.[11]
{{سؤال الحداثة الصعب}}
تأتي أهمية العفيف كمفكر ليبرالي حداثيّ من كونه قد أجاب على سؤال كبير وصعب ومهمّ، وهو السؤال الذي يطرح على الفكر العربيّ كل يوم، ولكنا لا نجد له جواباً شافياً، وهو:
{{لماذا لم تتمّ المصالحة بين الحداثة والأصالة العربية؟}}
ويجيب الأخضر على هذا السؤال بهذه النظرة ذات العين الواسعة، والقلب المفتوح، والفكر الطليق بقوله:
لقد استعصت اشكالية الحداثة العربية – الإسلامية على جميع دعاة الإصلاح والنهضة المسلمين في القرن التاسع عشر لأن شروط الوضع العربي – الإسلامي لم تكن ناضجة لاقتباس الحداثة الأوروبية كما اقتبستها اليابان في نفس الفترة. وهذا يعود إلى عدة عوامل رئيسية:
1- غياب فاعل الحداثة التاريخي، وهو البرجوازية الحديثة.
2- عدم وجود أرضية الحداثة، أي الملكية الخاصة للأرض التي لم تدخل إلى دار الإسلام إلا بعد دخول الاستعمار إليها. فقد كان الخليفة هو المالك الوحيد للأرض ولم يكن ملاكها الفعليون إلا مجرد متصرفين ينتفعون بها مؤقتاً في ظلّ خوف دائم من مصادرتها.
3- وهناك عامل نفسي وهو عائق نفسي يتمثل بالتثبت العصابي في الماضي المجيد. والتعلق الوجداني العارم بالحضارة القديمة يسترق الفاهمة، لأن نموذج أية حضارة سالفة – خاصة عندما يكون المقدّس هو عمودها الفقريّ – يشكل ضرباً من الضمير الأخلاقي الجمعي الذي يردع ورثتها عن انجاز عملية التلاقح مع حضارة الآخر المنظور إليه عادة بمنظور المركزية الإثنية الاحتقاري على أنه أدنى من الذات التي ترى نفسها خير الذوات، اختارتها العناية الربانية لتقود لا لتنقاد. وهكذا فكل اقتباس لحضارة الآخر “الكافر” يُعاش كخيانة للماضي المجيد، وكانتهاك لمحرماته التي لا يرقى إليها الهمس.
4- لجوء الوعي الإسلامي التقليدي إلى التعزي بماضيه التليد عن حاضرة البئيس دون أن يعي ما وعاه الشاعر الزهاوي:
أإذا كان حاضرنا شقياً
نسود لكون ماضينا سعيدا؟!
ولهذا السبب لم تدخل إلى الحضارة بسهولة نسبية إلا الأمم اللقيطة تاريخياً كاليابان مثلاً، التي لا ماضي لها يعتقل عقلها عن التفكير العقلانيّ في الواقع الماثل نُصب أعينها.[12]
5- أصوليتنا الشعبوية[13] قيادة وجمهوراً، تكره الآخر كراهية عميقة، حتى لتكاد تكون الاسمنت الذي يشد النواة الصلبة في هذا الجمهور إلى قيادته التي غالباً ما تكون كراهية الآخر هي كل “مشروعها الحضاري” أو على الأقل البند الرئيسي فيه. وكراهية الآخر تتغذى لدى كل من القيادة والجمهور بمشاعر الاضطهاد البعيدة الغور في الشخصية الشعبوية الأصولية التي لا تفعل في الواقع غير إسقاط المشاعر الشريرة الكظيمة داخلها على الآخر.[14]
6- أصوليتنا الشعبوية تقيم مناحة يومية على الهوية القومية والدينية. وأزمة الهوية بتعريف الحد الأدنى، هي حنين لحقبة خلت، أو بدأت تلوّح بمنديل الوداع. وأزمة الهوية في الفضاء العربي – الإسلامي مظهر من مظاهر أزمة الهوية في العالم. لكن الشعبوية الأصولية تحللها تحليلاً تخييلياً وتقترح مخرجاً سحرياً منها لا يمكن أن يقود إلا إلى العنف الأعمى. فهي ترد أزمة الهوية إلى الاستعمار الذي دخل ولم يخرج من العالم العربي إلا شكلياً، وبقي مضمونه متمثلاً في النخب المستغربة التي واصلت تخريب الهوية بمواصلة انفتاحها النسبي على الحداثة. ومن هنا، فإنّ أزمة الهوية تعني في التخييل الشعبويّ الأصوليّ التبعية للحضارة الغربية. والخروج منها يتمثل بـ “الاستقلال الحضاري” عن هذه الحضارة، وهو المستحيل لأننا نكون بذلك كمن يقفز فوق ظله إلى أن يسقط مغشياً عليه. إن حقبة الدولة القومية السيدة والهويات المحافظة ظاهرياً على نقاوتها الآفلة، تمر اليوم بفترة انتقال عاصفة عنوانها الكبير العولمة، بما هي مشروع عالمي لتوحيد العالم في السوق وتوحيد الهويات في هوية عالمية متجانسة أكثر فأكثر. فاليوم تطرح الإنسانية من جديد سؤال الهوية وهي تقف في برزخ عصر الهويات والدول القومية أو ما دون القومية المتناحرة وعصر القرية الكونية التي قد تنتج في السيناريو المتفائل وعياً كونياً مطابقاً يتجاوز رواسب الإثنية المركزية ومنتوجها الفرعيّ وهي النرجسيات القومية والعصبيات الهوياتية.[15]
{{الهوامش:}}
[1] كامل حمود، الحداثة الشعرية بين الرفض والقبول، ص44. نقلاً عن J.Habermas، Le discours philosophique de la modernité.
[2] J.M.Domenach، Approches de la modernité، P18.
[3] يوسف سلامة، ما الحداثة، ص18.
[4] يشير بعض الباحثين بأن الحداثة في الثقافة العربية “نشأت في ظل الإسلام والحضارة الإسلامية وبسبب من روح الإسلام المنفتحة.” وما تحديث الإسلام الآن إلا عملية إبعاد السلطة الدينية عن روح الإسلام حتى تسود الحداثة الحياة العربية من جديد.
أنظر: إحسان عباس، الأصالة في الثقافة القومية المعاصرة، ص19.
[5] أنظر شاكر النابلسي، نَبْتُ الصمت: دراسة في الشعر السعودي المعاصر.
[6] هشام شرابي، البُنية البطركية، ص35، نقلاً عن البرت حوراني : سوريا ولبنان.
[7] محمد الجابري، الخطاب العربي المعاصر، ص36.
[8] العفيف الأخضر، من المواطنة السالبة إلى المواطنة الموجبة، جريدة “الحياة” لندن، 19/7/2001.
[9] العفيف الأخضر، الحداثة كل لا يتجزأ، يؤخذ حلوه ومره معاً، أو يُرفض! جريدة “الحياة” لندن، 10/6/1997.
[10] العفيف الأخضر، معجم الحداثة، العقل و “العقل العربي”، مصدر سابق.
[11] العفيف الأخضر، الحداثة كل لا يتجزأ، يؤخذ حلوه ومره معاً، أو يُرفض! مصدر سابق.
[12] العفيف الأخضر، من النهضة إلى السقوط، جريدة “الشرق الأوسط”، لندن، 25/9/1998.
[13] يُعرّف العفيف الأخضر الشعبوية الأصولية بأنها “إسلام” بالتنكير وليس “الإسلام”. وأن مصدرها هو المدرسة التقليدية والأصولية السائدة في الفضاء العربي – الإسلامي التي لقنت وما تزال النشء كراهية الآخر والمرأة والحداثة قيماً ومؤسسات، حتى غدت المدرسة في الواقع مدرسة كوادر أصولية أكثر مما هي مدرسة عقلانية وحديثة. فمناهجها العتيقة قائمة على التلقين والحفظ الذي يغتال الوعي النقدي ويقتل ملكة الاستقراء والاستنتاج. أما برامجها فما زالت مستوحاة من عقلية ومعارف الحضارات الزراعية المشبعة بالأساطير والتفكير المضاد السحري الايحائي، فيما تجاوزت البرامج التعليمية الحديثة في العالم عصر الثورتين الصناعيتين الأولى والثانية إلى عصر الثورة الصناعية الثالثة. وهي ثورة التكنولوجيا والمعلومات بحيث أصبح من لا يعرف استعمال الكومبيوتر أمياً.
أنظر: العفيف الأخضر، “إسلام” ضد الإسلام، جريدة الشرق الأوسط، لندن، 29/9/1998.
[14] العفيف الأخضر، كراهية الآخر كرهان سياسي، جريدة “الشرق الأوسط”، لندن، 26/9/1998.
[15] العفيف الأخضر، أزمة الهوية، جريدة “الشرق الأوسط”، لندن، 28/9/1998.