اكتشفوا أنفسكم على Google: زنادقة.. كفّار.. عملاء ومرتزقة. إلى كاتبات وكتّاب الأوان

وصلتنا هذه الرّسالة من الكاتب والصديق عمر قدّور إلى كاتبات وكتّاب الأوان، وهي ذات دلالة على نوعيّة تعامل بعض الإسلاميّين مع موقع الأوان، رغم أنّنا نفسح لهم المجال للتّعليق والتّعقيب، إيمانا منّا بضرورة فتح باب الحوار والنّقد والنقد الذّاتيّ، وضرورة امتحان فكرنا بالمختلف.. (هيئة التّحرير) بينما كنت أبحث عن مقال يخصني، مستخدماً محرك البحث Google، رأيت اسمي وارداً في أحد المواقع في باب جهاد الزنادقة “الماسونية والعلمانية”. ظننت بدايةً أن المسألة تتعلق بتشابه في الأسماء، لكنني عندما دققت النظر وجدت اسمي مسبوقاً ومتبوعاً بأجزاء من الأسماء التي تظهر في شريط كاتبات وكتّاب الأوان، ما استدعى مني الضغط بسرعة على اسم الموقع ناسياً التعوّذ والبسملة والتوكلَ على الله!.

نقلني Google إلى صفحة “باب جهاد الزنادقة”، في موقع يسمى “شبكة الحوار نت الإعلامية”، حيث نجد تحت اسم الموقع شعاراً يدعو إلى التفاؤل “معاً من أجل كلمة حرة واعية ومسؤولة للجميع”. تحت فخّ العنوان والشعار وجدت الصفحة التي تعنى بالزنادقة الذين أنتمي إليهم؛ بطل الصفحة بلا منازع اسمه أبو جعفر، وهو يورد في إحدى مساهماته أسماء كاتبات وكتّاب الأوان، بالترتيب الذي تظهر به في شريط الموقع، تحت اسم “الزمرة الضالة”، وينهي القائمة بتعليقين منه هما: “هؤولاء يحسبون أنفسهم من النخبة؟”، “اللهم لا شماتة، كل نفس ذائقة الموت”. مع اعتذاري عن الأخطاء المطبعية فقد وردت هكذا في المصدر، ويبدو أن صاحبنا أخذته الحماسة، فلم يتوقف عند هذه الشكليات، مع أنه يستعرض مقدرته اللغوية في أكثر من مكان في الصفحة، وينبغي ألا يغيب عن البال أن العربية مقدسة لدى أمثاله باعتبارها لغة القرآن. في جانب المقدرة اللغوية يشتم أبو جعفر شخصاً عقّب على رأي له في موقع آخر، فيبدأ تعليقه على التعليق بالقول: يا ابن المطوية. من جهتي لم أفهم هذه الشتيمة، ولا أعرف ما الذي سأفعله إن خرج لي ملتح تحت جنح الظلام، وقال لي: يا ابن المطوية. فقد يدفعني تمسّكي بالحياة، الناجم عن عدم إيماني طبعاً، إلى الفرار خوفاً، أو أن الذعر والمفاجأة سيجمدانني فأقع فريسة سهلة له.

لن أورد التعليقات الأخرى الموجودة في الموقع، ولست طبعاً بصدد السجال مع “هؤولاء”، لكن هذا الموقع الذي يتمتع بتقنيات عالية يصلح كنموذج للمواقع الإسلامية المنتشرة بكثرة. كما أن الخطاب التكفيري، حتى في أقصى درجات ابتذاله، يصلح للدلالة على العقل الأصولي عموماً، هذا إذا لم يكن الوجه المبتذل هو الوجه الأفضل تمثيلاً. بموجب هذا الموقع ينتمي كتّاب الأوان إلى زمرة واحدة، فهم جميعاً علمانيون زنادقة ماسونيون، يحصلون على أموال من الكيان الصهيوني لقاء إشهار عدائهم للإسلام وأهله. يوضع الجميع في سلة واحدة، مثلما توضع الاتجاهات الفكرية أو السياسية في السلة نفسها، فتصبح العلمانية والماسونية صنوان. السلة الكبرى كما رأينا هي “باب جهاد الزنادقة”، وفيها يُحشر كل من ليس أصولياً. نحن إذن أمام محاكم تفتيش جديدة، فتهمة الزندقة أودت بحياة الملايين من الرجال في القرون الوسطى، ولو ساق أصحاب الموقع هذا المنطقَ إلى نهايته لفرّقوا على الأقل بين كاتبات وكتّاب الأوان، إذ لا يستقيم من منظورهم أن تتمتع الكاتبات بالعقل الكافي للزندقة، والأنسب لهن أن يُتّهمن بالسحر والشعوذة.

يحتوي موقع شبكة الحوار على خيارات إذاعية، والإذاعات المعتمدة فيه هي: إذاعة القرآن الكريم، إذاعة القرآن الكريم بنابلس، إذاعة الزيتونة للقرآن الكريم من تونس. ولربما توجد فوارق بين الإذاعات السابقة يعرفها “أولو العلم”. وكغيره من المواقع نجد فيه نافذة خيارات للانتقال بين صفحات الموقع، وبعد الاختيار على الزائر أن يضغط على الأيقونة المجاورة للذهاب إلى اختياره؛ هنا يكمن إبداع الموقع، إذ لا نجد على الإيقونة كلمة مثل Go، أو Enter، أو ما يقابلهما في العربية مثل “دخول”. الموقع أعدّ العدة تماماً، فعليك بعد الاختيار أن تضغط على مستطيل كُتب عليه “توكّل على الله”. ربما من باب القصور أيضاً أنني لم أفهم مَن المقصود بالتوكل، أهو الزائر؟ أم الكومبيوتر الذي يُطلب منه تلبية الأمر ويتعين على رقاقاته الالكترونية الاستعانة بالله لإتمام عملها؟ وهل بات التوكل على الله تكليفاً للكائنات كلها بما فيها الجمادات؟

تذكّر أسلمة مصطلحات الكومبيوتر السابقة بما هو أكثر عمومية، فأغلب الكومبيوترات المعرّبة التي نستخدمها تضيف تلقائياً شدة وإشارة فتحة ممدودة إلى كلمة “اللـه”، تمييزاً لها كلفظ جلالة، ولأن الكومبيوتر صُمّم أصلاً في بلاد الكفّار، ولا يميز بين الله والأحرف المستخدمة في الكلمة، فهذه الإضافة تنسحب على الكلمات التي تتشارك مع الله في الأحرف. على سبيل المثال صادف، وأنا أكتب رواية، أن تقول إحدى الشخصيات كلمة “أدلله”، فجاءت الكلمة كما في الرسم السابق، وبدلاً من الاستمرار في الكتابة تعين عليّ أن أهدر الوقت في البحث عن طريقة أحتال فيها على البرمجة من أجل كتابة الكلمة الصحيحة، أي “أدلّلُـه”، ولم أجد حلاً سوى إضافة كشيدة تطيل اللام الثانية. طبعاً لا أدري ما حكم فعلتي هذه في الإسلام، وما هي العقوبة التي تترتب عليّ لقاء ارتداد اللامين المتتاليتين عن الإسلام.

من جهتي لم أكن أملك حساسية زائدة تجاه كلمة الله كما هي مبرمجة، مع أن ذلك يفرض عليّ شكلاً مسبقاً ويحدّ من خياراتي كمستخدم، المشكلة كما أوضحت هي في أن تفرض كلمة الله نفسها على مفردات أخرى. في الصميم هي المشكلة ذاتها مع الإسلاميين الذين يحاولون فرض نموذجهم على الآخرين، ويجهدون لأسلمة كل ما تقع عليه أعينهم كوسيلة لإرهاب الجميع والهيمنة على كافة الأشكال الرمزية للحياة. المسألة تتعدى الموقع المذكور لتشكّل سياقاً منسجماً مع ذاته، فأبو مصعب السوري، كما يبين هاشم صالح في مقالة له في الأوان، يدعو صراحة إلى اغتيال المثقفين الحداثيين العرب، بعدّه أولوية على اغتيال الخصوم السياسيين. ما لا يقوله أبو مصعب وأمثاله هو أن اغتيال المثقفين أسهل منالاً وأقل كلفة أيضاً، ويؤدي الغرض لناحية ترهيب الآخرين.

لا أريد بما سبق المبالغة والإيحاء بأن كاتبات وكتّاب الأوان مهددون على نحو مباشر بالتصفية الجسدية، بسبب من تكفيرهم على موقع إسلامي. ولا أعتقد أن ورود هذه الأسماء، مع كيل الاتهامات التخوينية، يرهب أحداً منهم. كل ما في الأمر هو أنني استخدمت محرك Google، فاكتشفت وجهاً آخر، لي ولزملاء آخرين، لم يكن في الحسبان. لن أحاول دحض الاتهامات السابقة، ولربما كان أنجع ما يفعله التكفيريون هو أن يدفعوا الآخرين إلى الكفر فعلاً. على المدى البعيد لن يتأذى الإسلام من العلمانيين بقدر ما يتأذى من أصولييه، فهم سيتكفلون بتقديم صورة منفرة للإسلام، وعلى نحو شخصي؛ إن كان هذا هو الإسلام فأنا أعترف، بل أعتز جداً، بأنني زنديق. وزيادة على ذلك؛ لا مانع لدي من أن يحسبني هؤلاء ماسونياً، وحتى عميلاً لأقذر جهاز مخابرات يرد ذكره في مخيلتهم المريضة.