
منذ بداية الألفية الجديدة تبدو منطقة الشرق الأوسط خارج الاصطفاف السياسي لما يسمّى بـ ” نزعة التكتل الإقليمية للدول المتجاورة ” التي تنتهجها معظم دول العالم، ففي حين تتجه أغلب الدول نحو سياسات التآلف الإقليمي، من أجل المواجهة الثقافية والاقتصادية الإيجابية، أو وربما الصدامية السلبية المعاكسة، مع دول المركز العالمي، التي تتجه هي الأخرى إلى سياسات تكتلية، فإنّ منطقتنا الشرق أوسطية تستولد كيانات سياسية جديدة، مميّزة بممارسة سياسية واقتصادية وثقافية واجتماعية جديدة، حيث باتت على شاكلة كيانات سياسي مستقلة، وإن لم يعترف لها بذلك دوليا وحقوقيا حتى الوقت الراهن، لكنها باتت تُحكم من غير العواصم التي كانت تدار منها شؤونها. وقد ظهر منها حتى الآن في منطقتنا منذ بداية الألفية الجديدة ثلاثة كيانات:
1 – الكيان الإقليمي في كردستان العراق .
2 – كيان الدويلة الإمارة في منطقة غزة .
3 – كيان إقليم جنوب السودان .
قد يقال الكثير عن أسباب تلك النزعات الانفصالية وتأثيراتها، لكن القليل قيل وبُحث أكاديميا، عن ملامح تشكّل هذه الكيانات، وما يمكن أن تستولده من تناقضات داخلية خلال خط سيرها في تكوين شخصيتها السياسية الدولاتية الظاهرة .
هذه التناقضات الأولية التي تنتجها الكيانات، تطبع عادة باقي مراحل عمرها،إذ هي بمثابة الملامح التكوينية للكيان. فمجرد انتفاء سبب وجود حمالها السياسي السابق، والذي كان يتمثل في الفترة الماقبل كيانية، بوجود الدولة المانعة في تحول تلك المنظومات السياسية إلى كيانات مستقلة، حيث كانت الدولة العراقية وإسرائيل والسودان ممثلات لتلك النماذج من الدول، لمجرد انتفاء الوجود العنفي لتلك الدول، فإن البنية الداخلية في تلك الكيانات ستبدأ بإنتاج تناقضاتها الخاصة .
سنأخذ أصعب تلك التناقضات الخاصة لكل واحد من تلك النماذج على حدة بالشرح. وسنبين مدى التشابه بين ذلك التناقض الرئيس الذي تنتجه هذه الكيانات، والتناقض السياسي الرئيس الذي كان في الكيان الأصيل . وسنتعرض في مقال قادم لأسباب ذلك التشابه، وطرق الخلاص منه حسب رأينا.
{{كردستان العراق نموذجا عن موات السياسية:}}
قد يقال الكثير عن حكم صدام حسين وحزب البعث الدامي في العراق، وقد امتد لثلاثة عقود ونيف من تاريخه المعاصر. فذلك الحكم الذي لُطخ بأبشع صور “حيونة الإنسان” حسب تعبير المرحوم ممدوح عدوان، بتحويل المجتمع إلى أداة لتحقيق غايات وهمية، وتمّ اختصار المجتمع العراقي في رؤية حزب البعث للتاريخ والمستقبل، و اختصار الحزب في ذات قائده، فصار المجتمع يعني الحزب والحزب يعني صدام حسين، مما حوّل العراق إلى عائلة يمثل صدام فيها الأب الحامي، ولباقي المجتمع دور الكومبارس الذي ليست له من غاية غير تحقيق رغبات هذا الأب .
بكلام أكثر تنظيرا، لم يعد المجتمع في الدولة العراقية مجتمعا سياسيا. حينما تم رؤيته في تصالح فكري وذاتوي وعقائديّ وتأمليّ… بالغ مع بعضه البعض . ” فالرؤية الصدامية ” للمجتمع كانت غارقة في الفهم القطيعي للمجتمع . ذلك الذي لا يرى في الخارج إلا مكمن مؤامرة لا بدّ من الاستعداد لها، لذا على الداخل أن يؤجّل أيّ شيء آخر قبل الانتهاء من تلك المهمة . حيث لا بدّ في سبيل ذلك قطع أي سبيل للاختلاف في الجسد الداخليّ الواحد . ذلك التشابه المتصوّر البالغ نفى الحاجة إلى أيّ شكل من أشكال السياسية التي تعني بمعناها المجتمعي ترتيب العلاقة والتوافق والمهادنة المتبادلة بين بشر مختلفين، كي لا ينتجوا عنفا ما، وفي ذلك التواطؤ الإيجابيّ مصلحة مشتركة لهم أجمعين . فتغيّب المجتمع المتخالف في الدولة العراقية المعاصرة خلال العقود الثلاثة الماضية أدّى إلى تغيّب السياسة، والعكس صحيح بالضرورة أيضا .
في ما يحدث في كردستان العراق اليوم، شيء كثير شبيه بالذي ذكر سابقا . يحدث الشبيه وإن لم يكن بنفس الحمالات والممارسات العنفية التي كانت تمارس في عهد صدام . فتمتين البنية الأهلية وترسيخها في وعي المواطنين وتصوير الخارج على كونه متربّص مّا بهذا البنية يؤدي إلى النتائج ذاتها من موات للسياسية . وسنأخذ عن ذلك مثالا نراه بليغ الدلالة على ذلك الموات .
” من خارج المتوقع كان إعلان الرئيس العراقي جلال الطالباني، بصفته رئيسا للإتحاد الوطني الكردستاني، بقاء السيد نيجرفان البرزاني، رئيس وزراء إقليم كردستان العراق في منصبه لأجل مفتوح . وذلك عقب الاجتماع الأخير الذي عقد في منتجع دوكان بين قيادة حزبه، الاتحاد الوطني، وقيادة الحزب الديمقراطي الكردستاني، الذي يرأسه السيد مسعود البرزاني، وينتمي نيجرفان البرزاني إلى هذا الأخير. فالتوافق السياسيّ بين الحزبين المذكورين، والمسيطرين بشكل شبه تام على الحياة السياسية في كردستان العراق، كان حسب الوثيقة التي وقّعاها بتاريخ 21 كانون الثاني 2006، قائما على تبادل المنصبين السياسيين، رئاسة البرلمان ورئاسة الوزراء بعد سنتين من تاريخ الوثيقة، أي في عام 2008 . بحيث يشغل الديمقراطي الكردستاني رئاسة الوزراء والاتحاد الوطني رئاسة البرلمان عامي 2006 – 2007، ومن ثم يتم تبادل المنصبين، في السنتين الأخيرتين من عمر البرلمان . بحيث يشغل عضو من الاتحاد الوطني رئاسة الوزراء وعضو من الديمقراطي الكردستاني رئاسة البرلمان .. الخ .
بغضّ النظر عن الظروف الداخلية التي دفعت الاتحاد الوطني لاتخاذ مثل ذلك القرار، فإن القرار يستبطن ثقة من نوع خاص بين الحزبين . ثقة تتجاوز الشراكة السياسية الطبيعية بين أي ندّين يعيشان تنافسا سياسيا مدنيا طبيعيا . فبنية التمدد السياسي الشاقولي لكلا الطرفين في مجتمع كردستان العراق، والقائم على أسس لهجاوية ( من لهجة ) ومناطقية وعشائرية مضافة إلى الطبيعة الأيدلوجية والعلاقات الإقليمية المتباينة بين الطرفين، كل ذلك منح التنافس السياسي بين الطرفين صفة الصراع، طوال فترة العلاقة بين الطرفين، منذ انشقاق جلال الطالباني عن الحزب الأم – الديمقراطي الكردستاني – سنة 1964 إلى الحرب الدامية للـ “الأخوة الأعداء” 1996 . لذا فإنه من شأن أي ثقة من النوع الذي يتبع حاليا في كردستان العراق أن تنعت بـ ” التواطؤ الإيجابي” بين الطرفين . ذلك التواطؤ القائم على فهم كل طرف للحساسيات العشائرية والاقتصادية والمناطقية للطرف الآخر، والتعهد غير المكتوب بعدم تجاوزها . والذي يعمل، دون شك، على إطفاء سعير التنافس الدموي بين الطرفين، لكنه أيضا بالمقابل ينتج مواتا عاما للسياسية بمعناها القائم على وجود متباينين متمظهرين على شكل حزبين، يكشف كل منهما عن هفوات وانتهاكات وخطايا الآخر الند .
فالتواطؤ الإيجابي المتبع حاليا، يبقى، بل يحمي، تلك الامتدادات الشاقولية للحزبين في البنية الجمعية لمواطني كردستان العراق . كما أنّ التواطؤ الايجابيّ يحمي أيضا الخروق السياسية والاحتكارات الاقتصادية والفساد الإداريّ الذي يمارسه كلّ طرف في مناطق نفوذه . هذه الأمور التي لا تنتج بنية دولة حديثة . قائمة على مؤسسات المحاسبة والقضاء الحر والتنافس المدني غير العنفي، وتشكل أعلى وأعمق تفكير سياسي يجب أن تمارسه كل نخب الكيانات السياسية القائمة على غير المرجعيات ” الديمقراطية ” .”
حينما ينحو خط ّالسير السياسيّ في كيان ناشئ مثل كردستان العراق نحو محاصصة بين أهم مسيطرين على كل الفعل المجتمعي، السياسي منه والاقتصاديّ والتربويّ والعسكري ّ.. الخ، فإنه لا يقلّ في نتاجه المباشر عن احتكار طرف ما لتلك الأفعال المجتمعية كما كان يحدث في الدولة العراقية سابقا، طالما أن النتيجة في الحالتين هي ركود الصراع الاجتماعي الإيجابي، فالدولة منتج صراع مواطنيها الإيجابيّ.
قد يقال الكثير عن الوضع السياسي الحرج لأكراد العراق، والمحاصر بدول إقليمية رافضة للوليد الكردي الصاعد . وقد يفسر ذلك بحداثة عهد المجتمع المدني ومؤسساته في كردستان العراق . لكن هل تحارب الكيانات بغير بنيتها الداخلية كما قال المفكر كارل شميث، فما الذي يمنع الدول العربية الذود عن حقوق مواطنيها في وجه العدوان الإسرائيلي غير هشاشة بنية مجتمعاتها، المنتجة عن تراكم الاضطهاد والقمع السياسي العنيف لكل أشكال الانتظام الاجتماعي خارج سرب السلطة . كما يجب أن لا يغفل أن أكراد العراق الذين شيدوا حمالهم السياسي ( حينما كانوا معارضين وحركات تحرر ) على مناهضة الشمولية السياسية بكل تمظهراتها الاجتماعية والاقتصادية، إنهم يمارسون في الحاضر ما يشبه ذلك لحد بعيد.
كتب الصحافي اللبناني جورج نقاش يوما : ضدان لا يؤلفان أمة . فسجنه الرئيس بشارة الخوري . لكنه لم يقل حينها : وأيضا عشيقان لا يؤلفان دولة . لأنه في كلا الحالتين سيؤديان إلى موت السياسية، وإحياؤها أصعب مهمة تواجهها المجتمعات الماقبل سياسية .