
عاشت كلّية الآداب والفنون والإنسانيات بمنّوبة (تونس) طيلة شهر جوان والنّصف الأوّل من شهر جويلية بين قاعتي “حسن حسني عبد الوهّاب” و”سكينة” على إيقاع مناقشات رسائل الماجستير وأطروحات الدّكتورا وملفّات التّأهيل ورسائل دكتورا الدّولة. ومن بين هذه الرّسائل اللاّفتة للانتباه “الجدل الإسلاميّ اليهوديّ باللّغتين العربيّة والعبريّة إلى حدود القرن العاشر” وهو عنوان بحث تقدّم به الأستاذ فوزي البدوي لنيل شهادة دكتورا الدّولة في اللّغة والآداب العربيّة، في اختصاص الحضارة العربيّة الإسلاميّة. وقد ناقشت هذه الرّسالة يوم 10 جويلية 2008 لجنة علميّة متكوّنة من الأساتذة: د. توفيق بن عامر بصفته رئيسا، ود. كمال عمران بصفته مشرفا، ود. عبد الرّزّاق الحمّامي ود.محمّد بوهلال بوصفهما مقرّرين، ود. منصف الجزّار بوصفه عضوا مناقشا. وقد تحصّل المترشّح إثر مناقشة هذه الرّسالة على شهادة دكتورا الدّولة في اللّغة والآداب العربيّة بملاحظة مشرّف جدّا.
هذه حيثيّات المناقشة بإيجاز شديد. أمّا الرّسالة فهي بحث قد أمضى فيه الأستاذ فوزي البدوي أكثر من عشر سنوات في التّكوين والتّنقيب والتّفكير والتّخطيط.
–أمّا التّكوين فقد اقتضى منه هذا العمل أن يذلّل مصاعب العوائق اللّغويّة كتعلّم اللّغة العبريّة، والعبريّة القديمة بصفة خاصّة لأنّ الباحث قد اختار أن يركب الطّريق الصّعبة وهي: أن يتتبّع الجدل الإسلاميّ اليهوديّ باللّغتين حتّى تكون صورة العلاقات الدّينيّة الإسلاميّة اليهوديّة كاملة، لا وحيدة الجانب، في المرحلة الوسيطة، وأن يستقصي آثار هذا الجدل الّذي امتدّ في الزّمن إلى المرحلة العثمانيّة ذلك أنّ أشكال الصّراع العقديّ الإسلاميّ اليهوديّ قد تغيّرت بعد ذلك خاصّة في سياق المرحلة الحديثة، وهو موضوع قد تكفّل به الباحث الأردنيّ مهنا حداد.
–أمّا التّنقيب فقد تطلّب ذلك من الباحث أن يشرع في جمع النّصوص العربيّة والعبريّة ومتعلّقاتها من النّصوص الرّبّانيّة في التّفسير والفقه واللّغة. وقد استغرق جمع مدوّنة الجدل الإسلاميّ اليهوديّ زمنا كاد يثني عزم الباحث، ويرجع ذلك إلى أسباب عديدة، منها أنّ بلوغ هذه المدوّنة والاستفادة منها لم يكن من الأمور الميسورة في بداية التّسعينات لأنّ الوسائل المعلوماتيّة وقواعد البيانات الإلكترونيّة لم تكن متوفّرة على الصّورة الّتي عليها اليوم. ولكنّها عندما توفّرت بوجود قاعدة بيانات الإلكترونيّة لمؤسّسة جيستور والموسوعة الإلكترونيّة الّتي أصدرتها جامعة بار إيلان الإسرائيليّة في نسختها الخامسة عشرة حيث جمعت أشتات النّصوص في أغلب فنون الأدب العبريّ الوسيط، انقلب مشكل الحصول على المعلومات إلى مشكل آخر تمثّل في استثمارها وتحليلها وتأويلها.
–أمّا التّفكير فقد كان هذا العمل برمّته وليد حيرة هي حيرة “المسلم الحزين” الّذي ما إن اصطدم بإحراجات المعرفة وحقوقها حتّى ثارت في النّفس مشاعر الخوف “من أن أخسر إيمانا عزيزا عليّ وأن أجد نفسي عريا من كلّ أجوبتي الجاهزة أتوارى من القوم من سوء ما بشّرت به كتب الأديان والفلسفة الدّينيّة وخصوصا ما أصابني من روع المدرسة التّصحيحيّة الأنغلوسكسونيّة…” (ص3). وباختصار كان على الباحث أن يقوم بما يسمّى في التّحليل النّفسي بعمل حِداد travail de deuil. وقد كان من ثمار هذا العمل هذه الأطروحة الّتي ما كانت لتنجز إلاّ بتخلّيها “نهائيّا عن دعاوي التّحريف والنّسخ والبشارة بالرّسول من قبل في التّوراة والإنجيل، والقبول النّهائيّ بمكتسبات المرحلة “التّاريخانيّة” في المجال الدّينيّ مع كلّ الألم الّذي يمكن أن يتسبّب فيه ذلك لذات أرادت أو أريد لها أن “ترجع إلى ربّها راضية مرضيّة” ” (ص7). ومن ثمار هذا العمل النّفسيّ أيضا التّخلّص من موروث هائل من الأجوبة الجاهزة المتعلّقة بالتّحريف والبشارة بالنّبيّ في التّوراة والإنجيل… والبحث عن طريق ثالثة بين الإيمان واللاّإيمان ” تحترم العقل، طريق تخرج الإنسان من إيمان إلى إيمان ومن ضيق أطر التّفكير الوسيطة إلى رحاب أفق التّفكير المعاصرة” (ص4). وقد وجد الباحث ضالّته في فكر الفلاسفة البروتستانيّين من أمثال رودلف بولتمان أو بول ريكور اللّذين رسما مع غيرهما من كبار المفكّرين أفق التّفكير الحديث في الشّأن الدّيني. فاختار أن يبحث عن إيمان خارج “التّحريف والإعجاز”. وكانت ثمرة هذا الاختيار التّركيز في هذا البحث على مسألتين فقط من مسائل الجدل الإسلاميّ اليهوديّ هما مسألتا النّبوّة والتّحريف دون مسائل الجدل الدّينيّ الأخرى كالنّسخ والألوهيّة والتّشبيه والتّجسيم. ومبرّر هذا الاختيار أنّ مسألتي النّبوّة والتّحريف تستوعبان المسائل الأخرى ” فالنّسخ تال للإقرار بالتّحريف وفرع عليه، والتّشبيه والتّجسيم حاصل في الآيات الّتي رأى المسلمون أنّها حرّفت” (ص5).
ويمكن للقارئ أن يتساءل لماذا اختار الباحث من الفكر الإسلاميّ اليهوديّ قطاع الجدل فيه؟ يرى الباحث أنّ هذا الجدل الدّينيّ يتنزّل في فضاء وعصر كان فيهما الدّين المرآة الّتي يعاين فيها المرء نفسه والعالم. فهو في صميم معضلة الاختلاف “يساعد (أي الجدل) على البحث في الكيفيّة الّتي نظر بها المسلمون إلى العقائد المخالفة وكيف قدّموها إلى أهل ملّتهم”. ولذلك كان منهج الباحث “محاولة تفكيك بنية الإقصاء المتبادل وبنية نظام العقائد واللاّعقائد، والوقوف على نمط المعقوليّة القائم خلف هذا النّمط من الخطاب”. فالغاية من هذا التّفكيك هي رصد هذه المعقوليّة على نحو يولي اهتماما بالغا للبحث التّاريخيّ قبل النّظر الفلسفيّ. فلم تكن العناية منصبّة على الأفكار فحسب وإنّما على طريقة التّفكير وأدوات التّفكير مادام السّؤال الأكبر هو النّظر في “المنزلة الإبستمولوجيّة لخطاب الجدل الإسلاميّ اليهوديّ” (ص6)، كلّ ذلك للوقوف على حدود هذه المعقوليّة وشروطها تمهيدا للانفصال عنها “والبحث عن خطاب جديد حول اليهوديّة من منظار تاريخ الأديان المقارن.” يحرّر من إسار العقل الدّينيّ.
–أمّا التّخطيط فقد أقام الباحث عمله ودبّره وأجراه على مقتضى الأطروحة التّالية:
“… إنّ الإسلام هو من صميم التّيّار المسيهوديّ، بل هو وريثه الشّرعي”.
هذه الأطروحة محلّ نزاع. فاليمين المحافظ الصّهيونيّ المسيحيّ في الولايات المتّحدة وفي إسرائيل يريد إقصاء الإسلام لأنّه غريب عن الحركة المسيهوديّة. أمّا الحركة التّصحيحيّة الأنكلوسكسونيّة فقد اعتبرت الإسلام النّاشئ مجرّد توليفة أو أخذ من التّيّار المسيهوديّ اقتباسا واستعارة. وقد تكفّلت باتريسيا كرون في كتابها عن الهاجريّة ببيان أنّ الإسلام قوّة خامّ مقتبسة من قيم يهوديّة سامريّة على وجه الخصوص وأنّ هذا الإسلام ليس في الحقيقة سوى نتيجة لاحقة لحركة معقّدة من الاتّصال والانفصال عن اليهوديّة.
تقوم أطروحة فوزي البدوي على بيان أنّ “ما فعله الإسلام هو فعل تملّك appropriation قائم على استيعاب الأطروحة ونقيضها في الدّيالكتيك الهيغلي، وليس مجرّد فعل تلفيق syncrétisme” (ص6). ومن شأن هذه الأطروحة أن تدحض كلّ الدّعاوي الّتي تسعى إلى إخراج الإسلام من دائرة الفعل التّاريخيّ، وأن تدفع المسلمين إلى تجديد صلتهم بالتّراث الإغريقيّ الرّومانيّ في نسخته السّائدة اليوم.
ولكن يمكن للقارئ أن يطرح هذا السّؤال: ما هي علاقة هذه الأطروحة “الإسلام هو من صميم التّيّار المسيهوديّ ” بموضوع الرّسالة “الجدل الإسلاميّ اليهوديّ…”؟ ففي ظاهر الأمر يبدو أنّنا أمام أطروحتين مختلفتين. ينبغي أن نذكّر في هذا السّياق أنّ الإطار الجامع بين الأطروحة وموضوع الرّسالة هو الصّلات القائمة بين الإسلام واليهوديّة، وهي صلات لا يمكن البرهنة على وجودها من خلال النّصوص فحسب وإنّما بالتّعويل أساسا على منهج تاريخ الأديان الّذي يبيّن أنّ الإسلام كغيره من الأديان نشأ في سياق عمليّة من الانفصال والاتّصال بديانات الشّرق القديم. وما يذهب إليه الأستاذ فوزي البدوي هو أنّ الإسلام، وهذه هي أطروحته، إنّما هو “شكل مخصوص من اليهوديّة هو ما عرف في تاريخ الأديان بالمسيهوديّة الّتي أعطت للإسلام الوليد بعد ذلك بوصلته الحقيقيّة من خلال الأمرين الأساسيّين اللّذين شدّدت عليهما هذه المسيهوديّة الأولى وهما نظريّة “الكتب المحرّفة” ونظرية”النّبوّة الحقيقيّة” اللّتان ستجدان آثارهما في نظريّتي التّحريف والنّبوّة الإسلاميّتين ” فـ”الإسلام الوليد هو الابن الشّرعيّ لهذا التّيّار الّذي يحاول الكثيرون اليوم إخراجه منه” (ص10). وإذا علمنا أنّ الجدل الإسلاميّ اليهوديّ موضوع هذه الرّسالة قد كان مداره على نظريّتي “الكتب المحرّفة” و”النّبوّة الحقيقيّة”، وأنّ الآثار الأولى لهذا الجدل موجودة في القرآن بحكم إقراره بأنّ التّوراة كتاب محرّف بشكل لا لبس فيه أصبحت صلة الرّسالة بالأطروحة واضحة. فمادامت الأطروحة هي “الإسلام هو من صميم التّيّار المسيهودي”، وكانت المسيهوديّة الأولى قد شدّدت على مسألتي “الكتب المحرّفة” و”النّبوّة الحقيقيّة” أضحى الجدلُ الإسلاميّ اليهوديّ الإطارَ الّذي استأنف فيه الكلام في “الكتب المحرّفة” و”النّبوّة الحقيقيّة” ولكن ببلاغة الرّدود وإستراتيجيّاتها السّجاليّة. ولنا أن نطرح في هذا المقام السّؤال التّالي: ألا يكون مبحث الجدل الإسلاميّ اليهود برمّته قد اختزل في مسألتي “التّحريف” و”النّبوّة” حتّى يكون متوافقا مع التّيّار المسيهودي الّذي تميّز عن سائر التّيّارات الدّينيّة بتشديد القول في “الكتب المحرّفة” و”النّبوّة الحقيقيّة”؟
{{ولكن كيف بنيت هذه الرّسالة؟}}
بنى الأستاذ فوزي البدوي دعائم أطروحته وسطّر خطّتها وحرّر كلّ صفحة من صفحاتها على أساس هذه الخلفيّة المتمثّلة في ربط الجدل الإسلاميّ اليهوديّ بالسّياق المسيهوديّ، فكانت الثّمرةُ رسالة ضخمة فخمة يناهز عدد صفحاتها التّسعمائة صفحة تألّفت من مقدّمة وأربعة أقسام متفاوتة الطّول وخاتمة وفهارس متنوّعة المداخل.
أمّا المقدّمة فقد تعرّض فيها الباحث لعوائق هذا البحث النّفسيّة والمعرفيّة والإجرائيّة وتذليله لها قبل أن يبسط ملامح أطروحته على ما بيّنّا آنفا، ويذكر دواعي البحث في الجدل ويصف سياسة عمله في هذا الموضوع الشّائك ومنهجه. فهذا العمل ينبغي أن ينظر إليه كما أراد له الباحث. فهو عمل “يتّخذ الدّين موضوعا وتاريخ الأديان منهجا وتجديد الدّين أفقا، وبالتّالي فهو يريد أن يحاسب على أنّه كذلك…” (ص3). وبعد ذلك عرض الباحث في بقيّة المقدّمة حالة البحث في المجال الإسلاميّ اليهوديّ والجدل تحديدا. وقد بيّن أنّ الدّراسات المتعلّقة بالجدل الإسلاميّ اليهوديّ مدينة في المراحل الأولى لمدرسة العلم اليهوديّة الّتي نجد من بين أعلامها موريتز شتاينشنايدر، وهو أوّل من قام بجرد إحصائيّ للرّدود بين الدّيانات التّوحيديّة الثّلاثة في مصنّفيه الشّهيرين التّراث اليهوديّ المدوّن بالعربيّة وكتاب أدب الأغراض الجدليّة والتّمجيديّة باللّغة العربيّة. ومن الدّارسين الّذين تطرّقوا عرضا لموضوع الجدل الإسلاميّ اليهودي نجد كذلك دانيال لاسكر وعادل تيودور خوري في مؤلّفه حول الجدل البيزنطي ضدّ الإسلام من القرن الثّامن حتّى القرن الثّالث عشر ميلادي، وموشي برلمان الّذي تخصّص في دراسة العلاقات اليهوديّة الإسلاميّة توّجها في خصوص موضوع الجدل بمقال جامع عنوانه “الجدل الوسيط بين الإسلام واليهوديّة”، وكاميلا أدانغ، وهي باحثة هولانديّة، لها مؤلّف مستقلّ عنوانه “المؤلّفون المسلمون وكتاباتهم حول اليهوديّة والتّوراة”، كما نجد مايكل ليكر وموشيه جيل وأوري روبين وسارة شترومسة، وهي أفضل الباحثات على الإطلاق في مجال الصّلات الفكريّة بين الإسلام واليهوديّة في المرحلة الوسيطة، وحواء لازاروس يافيه، وهي باحثة إسرائيليّة من آخر إصداراتها “عوالم متداخلة: الإسلام الوسيط والنّقد التّوراتي”، وكذلك تيودور بولتشيني وغاري لادرمان إضافة إلى إيغناس غولدتسيهر أشهر مستشرقي المجر اليهود سليل الفرع المجريّ لمدرسة علم اليهوديّة الشّهير المعروف بالمعهد الرّبّاني الوطني، من أهمّ ما كتب في الموضوع مقالة ” حول الجدال الإسلاميّ ضدّ أهل الكتاب”، وكذلك المجريّ اليهوديّ مارتن شراينر الّذي كتب “المدخل إلى تاريخ التّوراة في الكتابات العربيّة” و”تاريخ الجدل بين اليهود والمسلمين”. ومن كبار المؤرّخين نجد كذلك إلياهو شتراوس أشتور خلّف مقالتين ” مقدّمة في تاريخ اليهود الشّرقيّين في الحقبة الوسيطة”، إضافة إلى جورج فايدا وروبير برانشفيك وألفراد مورابيا وإغناتسيو دي ماتيو ومارك كوهين وبرنارد لويس المعروف بسعة العلم والتّبحّر وارتباطاته بوكالة المخابرات المركزيّة والمخابرات البريطانيّة، من كتبه في الموضوع “يهود الإسلام” وفيه تطرّق إلى مسألة الجدال الدّينيّ بين الدّيانتين.
هذه هي معظم الأعمال الّتي سبقت في مجال الجدل أو الّتي اطّلع عليها الباحث في اللّغات الّتي يعرفها، ولم يجد من العرب المسلمين أو العرب المنحدرين من الثّقافة الإسلاميّة سوى عبد المجيد الشّرفي في أطروحته الفكر الإسلاميّ في الرّدّ على النّصارى إلى نهاية القرن الرّابع هـ/العاشر م، أو أبو عمامة الجزائري أو عبد الإله الجماعي أو سعيد رينولدس.
وبصفة عامّة يكشف موضوع الجدل الإسلاميّ اليهوديّ أنّه مازال موضوعا هامشيّا مقارنة بما كتب في الجدل الإسلاميّ المسيحيّ، فلم تكتب فيه بحوث مستقلّة إذ جاء التّعرّض إلى الجدل عرضا في ثنايا كتب صرفت لكتابة التّواريخ العامّة أو المسائل الدّينيّة المشتركة. ويمكن من هذه النّاحية أن نعتبر أطروحة الأستاذ فوزي البدويّ قد سدّت من ناحية ثغرة كبيرة في مجال الجدل الدّينيّ، وساهمت من ناحية أخرى في إثراء نوع خاصّ من الدّراسات في تاريخ الأديان وعلم الأديان المقارن على نحو جدّيّ.
بعد ذلك صرف الباحث عنايته في القسم الأوّل لوصف المدوّنة وعرضها. والمقصود بالمدوّنة نصوص الجدل الإسلاميّة واليهوديّة. وقد استقصى الباحث نصوص المدوّنة على امتداد عشرة قرون. فصرف الباب الأوّل من هذا القسم لعرض نصوص الجدل الإسلاميّة فبدأ بالقرآن بوصفه يمثّل النّصّ الوحيد من نصوص القرن الأوّل وإن كان اعتباره نصّا في الجدل فيه أخذ وردّ بين الباحثين. وقد أحصى الباحث أربعة وسبعين نصّا على امتداد عشرة قرون تراوحت ما بين المطبوع والمخطوط والمفقود. وقد قدّم منها أربعة وخمسين نصّا تقديما متفاوتا حسب ثراء النّصّ وقيمته. وعموما فهي نصوص ينتمي معظمها إلى أدب الرّدود أو كتب المناظرات كـ “مناظرة رأس جالوت” لهشام بن الحكم،، أو كتاب التّمهيد للباقلاّني (ق5)، أو كتب التّاريخ كمروج الذّهب والتّنبيه والإشراف للمسعوديّ (ق4)، أو كتاب البدء والتّاريخ لأبي الطّاهر المقدسي (ق4)، أو الآثار الباقية للبيروني (ق5)، أو كتب المناقب ككتاب مناقب الإسلام لأبي الحسن العامري (ق4)، أو كتب الفرق والمذاهب والنّحل ككتاب ابن حزم “الفصل في الملل والأهواء والنّحل” (ق5)، أو كتب المجادلات ككتاب أبي المعالي الجويني “شفاء الغليل في بيان ما وقع في التّوراة والإنجيل من التّبديل” (ق5)، أو “إفحام اليهود” للسّموأل المغربي (ق6). وعموما لم ينقطع التّأليف في مجال الجدل الإسلاميّ اليهوديّ إلاّ في أواخر القرن العاشر، ولم يستأنف إلاّ في أواخر القرن 19م في سياق تاريخيّ جديد موسوم بما يسمّيه أدونيس بصدمة الحداثة.
أمّا الباب الثّاني من هذا القسم فقد أحصى الباحث من مدوّنة نصوص الجدل اليهوديّة أربعين نصّا معظمها مفقود وخمسة عشر منها مطبوعة وواحد فقط مخطوط. عرض منها الباحث تسعة نصوص، أوّلها ظهر في القرن الثّاني وهو “فصول الرّبّي أليعازر وهو أثر مدراشي هجادي، وآخرها مجنّ الآباء لشمعون بن صماخ دوران (ق9). وبعد ذلك انقطعت الرّدود بخفوت الجدل الدّينيّ بين المسلمين واليهود. وبصفة عامّة لم يكن الجدل الدّينيّ الإسلاميّ اليهود محصورا في كتب الرّدود والرّسائل، وإنّما ورد في شكل مناظرات شفويّة دوّنت لاحقا ووردت في كتب مختلفة الفنون استفاد منها الباحث في مواطن متفرّقة من أطروحته.
أمّا القسم الثّاني الموسوم بهذا العنوان “في الصّلات بين الإسلام واليهوديّة” فيتألّف بدوره من بابين مستقلّين.
عنوان الباب الأوّل : محمّد في “القرية الأبيونيّة”، درست في العلاقات بين الإسلام واليهوديّة ونوقشت فيه أهمّ النّظريّات أو الأطروحات كأطروحات المدرسة التّصحيحيّة الّتي يمثّلها وانزبرو وكراون ومايكل كوك ومارتين هيندس، وهي تعتبر الإسلام النّاشئ مزيجا من قيم يهوديّة سامريّة. وأطرف ما في هذا الباب هو الرّأي القائل، ويتبنّاه الباحث، بأنّ الإسلام الحقيقيّ لم ينشأ من مكّة بل نشأ قبل ذلك في ذهن محمّد من خلال رحلاته المتعدّدة إلى الشّامّ ومن خلال اختلاطه بالحنيفيّة وأهل الكتاب، ومن خلال ذاكرته الدّينيّة الّتي تحتاج على بعض الحفر الأركيولوجيّ (ص194).
أمّا عنوان الباب الثّاني فهو: محمّد واليهوديّة في “تجربة المدينة”. فقد اعتنى فيه الباحث بدراسة علاقة الرّسول باليهود من خلال ما سمّي بتجربة المدينة بوصفها أوّل صدام مباشر احتضن الجدل الدّيني الأوّل بين المسلمين واليهود وتشكّلت فيه ملامحه الأساسيّة من خلال المحاور التّالية الّتي دار عليها الجدل بين محمّد ويهود المدينة. وهي: 1إنكار نبوّة محمّد وأن يكون المسيح أو “النّبيّ الّذي أظلّ زمانه”،2 الشّكّ في موضع نبوّته، فموضعها أرض الشّام لا أرض العرب، 3 اضطراب مقالته عن التّوراة كعدم تمييز محمّد بين الأنبياء والملوك، 4خلوّ نبوّته من المعجزات الحسّيّة، 5 سوء فهم النّبيّ لتاريخ اليهود الدّينيّ.
ويمكن اعتبار القسمين الثّالث والرّابع بأبوابه المختلفة في صميم موضوع الجدل.
فقد جعل القسم الثّالث “التّحريف أو كيف يحكمونك وبينهم التّوراة؟” لدراسة إشكاليّة التّحريف في نصوص المجادلين اليهود والمسلمين. وقد صدّر بمدخل “في الحاجة إلى الدّليل” أثير فيه إشكال التّحريف الّذي أقرّة القرآن لمّا اعتبر التّوراة كتابا محرّفا. وهو إقرار دفع المسلمين إلى قبول هذا الحكم فحاولوا في زمن مبكّر تخريج دعوى هذا التّحريف أو التّبديل. فذهب فريق منهم إلى عدم الانسياق في هذه الطّريق باعتبار هذا المبحث المعضل لا طائل من ورائه مادام القرآن قد أقرّه. وذهب قسم آخر ومنهم ابن حزم الّذي وجد نفسه بحكم جدله مع اليهود وأصحاب الأديان مدفوعا إلى نبش الكتب السّماويّة السّابقة والاطّلاع على مدوّنات الجدل اليهودي المسيحيّ السّابقة بحثا عن دليلا يعضد الدّعوى القرآنيّة. وقد جرّ البحث عن الدّليل النّصّيّ إلى البحث عمّن حرّف التّوراة بدافع من القرآن ذاته الّذي تحدّث عن شخصيّة غامضة هي “عزيز”. وهذا في الواقع موضوع الباب الأوّل ” من حرّف التّوراة؟ ” أهو عزيز ابن الله (الفصل1) أم عزرا أو عزيز في نصوص الجدل (الفصل2)؟ وقد اعتنى الباب الثّاني “لماذا حرّفت التّوراة؟” بمسألة دواعي التّحريف وأسبابه. فالقرآن قد سكت عن سبب التّحريف الحاصل في التّوراة، إلاّ أنّه قدّم الأساس النّظريّ لها. وقد عقد الباحث في هذا الباب أربعة فصول للجواب على هذا السّؤال، أثيرت فيها مسألة التّواتر. فالفكر اليهودي التّقليديّ يفتخر بنصّ التّوراة لأنّه حفظ حفظا جيّدا بروايته جيلا بعد جيل، فنُقِل كما يقول المسلمون نَقْل تواتر دون انقطاع، وهو تواتر نفاه المجادلون المسلمون لإثبات دعوى التّحريف، كما أثيرت قضيّة اختلاف النّسخ وسوء التّرجمة الّتي لم تحمّل إلاّ جزئيّا مسؤوليّة التّحريف الّذي علّله المجادلون أيضا بتقلّبات التّاريخ اليهودي. وفي الباب الثّالث الموسوم بـ”أين وقع التّحريف؟” أثار الباحث مسألة الفضائح الأخلاقيّة والجرأة على الأنبياء الّتي توقّف عندها المجادلون المسلمون كمعارضة إبراهيم لله وعدم تصديقه لوعده، أو تقريب نوح القرابين للأوثان، أو كذب يعقوب على الله، أو زنى لوط بمحارمه، وغير ذلك من دلائل التّحريف الّتي تجاوزت الأنبياء إلى الجرأة على الذّات الإلهيّة، وقد اتّخذت في نصوص الجدل صورا عديدة كالتّشبيه والتّجسيم ونسبة الكذب إلى الله، كما تجلّت آثار التّحريف في الأخطاء الحسابيّة والأخطاء التّاريخيّة والجغرافيّة وتناقضات النّصّ التّوراتيّ. وقد قدّم الباحث أمثلة كثيرة تبيّن أنّ ما قام به المسلمون من النّقد الدّاخليّ لنصّ التّوراة يمثّل عند الباحث “اللّحظة الأكثر موضوعيّة في دراستهم الّتي وجدت غاية اكتمالها مع ابن حزم. وهو ما يبرّر حديثنا عن منهج حزميّ في قراءة النّصّ التّوراتيّ، ولكنّه منهج حالت عوائقه الإبستمولوجيّة الدّاخليّة دون تطوّره إلى نقد نصّيّ حقيقيّ.” (ص484). بيد أنّ إثبات التّحريف الكلّيّ أو الجزئيّ في التّوراة قد أفضى إلى تناقض لم يستطع الفكر الإسلاميّ تجنّبه، وهو كيف يمكن الإقرار بتحريف التّوراة ثمّ يستشهد بها في إثبات صحّة نبوّة محمّد؟
أمّا القسم الرّابع “النّبوّة: رسول أم فسول؟” فقد درس فيه الباحث مسألة النّبوّة في السّياق الإسلاميّ اليهوديّ. فنظر في إشكالات النّبوّة وما أثارته من قضايا في الدّراسات المعاصرة. وقد ناقشها الباحث بالإشارة إلى معنى من معاني النّبوّة في اليهوديّة. كما بيّن مسار الجدل بين المسلمين واليهود في هذه المسألة، وقد كان جدلا مقيّدا بما سطّرته المسيهوديّة الأولى، فكانت نبوّة النّبيّ على النّمط الموسويّ في صورته ومعجزاته، ثمّ أوضح الكيفيّة الّتي شقّ بها الإسلام طريقه لإثبات نبوّة محمّد وذلك بالبحث عن مسلك جريء مثير ارتبط بمعنى مخصوص للتّوراة وتاريخ الآباء بدونه ما كان للإسلام الهاجريّ حسب عبارة البعض أن ينفصل عن المسيهوديّة، فيستقيم دينا متكامل الأركان. وبعد ذلك أنجز الباحث دراسة تفصيليّة حتّمتها مادّة البحث موضوعها الإجابة عن سؤال ينتظره كلّ قارئ هو: هل بشّرت التّوراة بالنّبيّ حقّا وأين؟ فتتبّع الباحث أغلب النّصوص العربيّة، وقارنها بالتّرجمات في أصولها العبريّة وشروح شرّاح اليهود عليها، ثمّ درس معجزات النّبيّ الّتي أنكرها اليهود وقسّمها إلى معجزات حسّيّة وأخرى غيبيّة، وحلّل نماذج منها، وهي الّتي بلغت عند ابن تيميّة عشرات الألوف، لكنّ الباحث انتهى إلى أنّ أهمّ معجزة في الإسلام هي معجزة القرآن. فبحث في طريقة فهم المجادلين لها، وكانوا في الأغلب عالة على ما استقرّ في كتب التّفسير والكلام، كما تقصّى ردود اليهود على إعجاز القرآن كردود ابن كمّونة وسعديا الفيومي والقرقساني والرّبّي شمعون بن صماخ دوران.
وتوّج الباحث عمله بخاتمة عامّة عرض فيها أهمّ النّتائج محاولا الإجابة عن سؤال شخصيّ: “ما العمل؟” إذا كان الإعجاز والتّحريف ممّا لا يصمد اليوم أمام العلم والبحث التّاريخيّ مادام تاريخ الأديان يعلّمنا أنّ كلّ الكتب المقدّسة هي محرّفة بمعنى من المعاني.
هذه باختصار واعتصار شديدين الخطوط العريضة لأطروحة كثيفة التّوثيق، غزيرة الأفكار، تعجّ بالقضايا الدّينيّة الكبرى والجزئيّات الدّقيقة الّتي تنمّ عن ثقافة متينة وتبحّر في علوم المسلمين واليهود وتاريخ الأديان وتاريخ الأديان المقارن، إضافة إلى قدرة على التّحكّم في كلّ المعطيات واستثمارها بنجاعة، كلّ ذلك جعل قراءة هذه الأطروحة على ضخامتها وفخامتها مزيجا من المتعة والاستفادة في مجال دقيق لا يعرفه إلاّ أهل الاختصاص.
{العادل خضر: أستاذ جامعي وباحث بكلّية الآداب والفنون والإنسانيات بمنّوبة، تونس.}