خارجَ سُلطَة المعيار استجابةً لِما جاء في رَدِّ الأستاذ محمد الشيباني

يقول السّيوطي: {{” ولَمْ أُكْثِر من سَماع الرِّوايةِ لانْشِغالِي بِمَا هو أهمّ، وهو قراءةُ الدِّرَايَـةِ “}}

{[المُزهر في علوم اللغة وأنواعها]}

{{” وعلى أيَّة حال، هناك أفكار كثيرة عن الشِّعر}}

{{غير مُتآلفة، بل كثيـراً ما تكون على استعداد}}

{{لتبادُل الاحتقار بريبة، إن لم يكن بكراهيـة}}

{{وغضب “}}

{[إيف بونفوا]}

نحتاجُ في ما نكتُبُه إلى كثير من التَّرَوِّي، قبل أن نذهَبَ إلى أقصى الرِّيح ( هاأنذا أكتبُ بلغة الشِّعر). ما أعنيه، وقد وَرَدَ هذا في جملة للأستاذ محمد الشيباني، أنَّ كُلَّ كتابة لها سياقاتُها، ولها أسبابُ نزولها، كما يقول الفقهاء.

نصُّ ” النصّ القلِق “، هو جزء من مشروع نقديّ إبداعيّ، عملتُ على إنجازه خلال كتابات، كانت أطروحتي لنيل شهادة الدكتوراه، المكان الأوسع لتبرير مُقتَرحاتِه. ولأنني مُنْشَغِلٌ، بمشروعي الشعريّ، الذي فيه ذَهَبْتُ إلى الكتابةِ كاختيارٍ لا يكتفي بشَفاهة النصّ، بل يعمل على وضع الكتابة في سياقها الخَطِّيِّ، ويُنَبِّه إلى وَضْعِ النِّسْيَانِ الذي لم تَتَنَبَّه المُمارسات الشِّعرية العربية إلى فداحته، واكتفتْ بممارسة الخَطِّ، أعني الكتابة، كأصوات، أو ما سَمَّيْتُهُ بالكتابة الصوتية، فأنا أخوضُ الكتابةَ النقدية، كأفُقٍ نَظَرِيٍّ، النَّقدُ ضمنه هو نوع من الْتِمَاسِ ما بَهِ تَبْتَنِي الكتاباتُ الأخرى، شعريتَها، أو بِهِ تشُقُّ أخاديدَ كتابة مُختَلِفَةٍ.

النقد لم يكن مُسلَّمات، ولا قواعد، ورَوَاسِم، مَنْ يكتُبُ يسير على هَدْيِها (أستعمل الكلمة هنا قصداً بما تحمله من إيحاءات دينية، حتى يتضح المعنى أكثر). فالنقدُ، كان دائماً، مكاناً للإبداع، ولاختبار قدرة الناقد، أو القارئ على الذهاب إلى مضايق النصوص، وليس الاكتفـاء بما تُتيحُه من مسالك. وحين نذهَبُ للحديث عن استعمال المفاهيم، وعن المرجعيات التي يَتِمُّ توظيفُها، في هذا النص أو ذاك (لاحظ استعمالي لكلمة نصّ و ليس دراسة أو قراءة، وهذا جزء مما أعمل على توخِّيه كمُقتَرح كتابةٍ)، لا ينبغي أن نخلط بين المفهوم، كما تَمَّ استعمالُه في مكانه، وبين تلويناته، حين يصير جزءاً من عمل، سياقاتُه، تشي، في بعض ثنياتها، بما يـؤولُ إليه، باعتباره، وسيلة فهم، وقراءة، وليس غايةً لأي قراءة، كيفما كان وضعُها. حتى النقد في أوربا وأمريكا اليوم، أصبح رحيماً بالمفاهيم، وحين يذهبُ إليها، فهو يختبرُ قُدرتَها على استنفاد النصّ، أو بالأحرى، على سَبْرِ ما يَحْتَمِلُه من معانٍ. انظر ما يقوله تودوروف نفسُه عن مصير المفاهيم والخُطاطات التقدية، في مُواجهتها للنصّ.

حين جمعتُ بين أبي تمام، (وأنا حين كتبتُ ما كتبتُةُ عنه، لم يكن مرجعي أدونيس، بل الثراث النقـديّ العربيّ الذي ما زلنا لم نقتربُ منه كما ينبغي، ونكتفي بما يُخفيه من كتاباتٍ مُعاصرة) وبين جبران ومحمد بنطلحة وسليم بركات، كُنتُ أعملُ على وضع التَّجارب في سياقها الإبداعيّ الذي هو أكبر من السياق الزمنيّ، وحتى من المُقتَرح الذي اختاره كل واحد من هؤلاء الشعراء. الزمن ليس سجناً، داخله نأسَرُ الشاعر، أو متحفاً، فيه نعرض كتابات الشعراء، باعتبارها زَيّاً، استنفد جَسَدَهُ، أو زَمَنَهُ بالأحرى، فالزمن مكان وُجودٍ، ليس أكثر. لا تتنصَّلُ الكتابةُ من ظلال وُجُودها، أعني من زمنها لكنها لا تُقيمُ فيه، حين تكون كتابة إبداعٍ بامتياز.

أرجو من الأستاذ الشيباني أن يقرأ ما نشرتُه من كُتُب، وهي تصل إلى تونس، عبر المعرض الدوليّ للكتاب، وأكتفي بالإشارة إلى ” مضايق الكتابة ـ مقدّمات لما بعد القصيدة ” و” فخاخ المعنى … ” و”الكتابي والشفاهيّ في الشعر العربيّ المُعاصر”، لِتَتَبَيَّنَ طبيعة المشروع الذي أخوضُه، وأنا على وعيٍ، بمكامن الخطر فيه.

أعتقد أنَّ كل كتابة، تُؤسِّسُ لشيء مّا، أو تتوهَّم أنها تُؤسِّس لشيء مّا، وأنا أستحضر نيتشه هنا، فهي دائما، تجدُ في طريقها حَصىً كثيراً. ليس مُهِمّاً أن تتعثَّر، لكنها تَسِيرُ.

متى كان ما كَتَبَهُ رامبو مقبولاً في زَمَنِه، ومتى كان ما كتبه نيتشه يحظى باهتمام مُعاصِريه، وأعودُ معك إلى الشَّابّي الذي أشار في يومياته إلى سوء الفهم الذي تتعرَّض له كتاباتُه، وكان رهانُه يذهبُ إلى شُبَّان سيأتون من المستقبل…

النقد إبداع، وحين تكون اللغة التي نكتبُ بها، لا ماءَ فيها، ولا تنسى أنني شاعر، فإنَّه يعجز عن مُحَايَثَةِ النص الشِّعريّ، ويبقى مجرَّد كلام خارج مدار الكلام.

لا أستطيع، وأنا أكتبُ أن أتنكَّرَ لِدَمِي، وهذا ما به كان الجُرجاني يُزَاوِلُ كتاباته، وكذلك حازم القرطاجني، وابن طباطبا، وحتى أخرجَ بك من الشعر إلى الفكر، أو الفلسفة، أقفُ معك عند الكتابة الفلسفية، التي غدت اليوم، كِتابَةً، بالمعنى الذي أشار إليه موريس بلانشو، كما أعودُ بك إلى هايدغر، الذي اتُّهِمَ بشعرية لَغته، وبالتباس مفاهيمه … وهو اليوم أكثر حياةً ممن اكتفوا، بلُغة الخَشَبِ، وأصّرُّوا على حرفية المفاهيم، وكتاباتُهم خَلَت من تلك الطَّلاوة والعُذوبة التي كان النقد عند العرب يرى فيها ماءً، لا تتحقَّق إبداعية النص إلاَّ به.

لستُ جاهلاً بما يجري في المعرفة النقدية المعاصرة، فحين يَحْدُثُ لنا نوع من الإشباع، في قراءة ما يَهُبُّ علينا من مُقْتَرَحات نقدية، أو نظرية، علينا أن نملك نوعاً من الجُرأة في اختيار الطريق الذي نَسْلُكُهُ (هايدغر سمَّى كتاباته طُرُقاً)، وعلينا أن نخرجَ من وَضْعِ الصَّدى الذي ما تزال كثير من الكتابات الأكاديمية الجافة تعيشه. أنتَ أشرتَ إلى هذا، وأشرتَ إلى الوضع الذي آلت إليه البنيوية، وغيرها مِمَّا تَوَجَّهْنا إليه بنوع من العماء المعرفيّ، ولم نخرج من هذا الوضع، إلاَّ حين بدأت الانتقادات تأتينا من الغرب نفسه، أي من مبتدعي البنيوية ذاتها.

–تذكيرُ النِّسْيان–

1. كُلَّما اسْتَوْلَتْ عَلَيَّ بِجُرْأَةٍ دَوَاتِي

أكْتُبُ بِأَمْوَاجٍ منَ المِدادِ

………………….

دُونَ شَكٍّ تَشْكُو الكِتابَةُ من عَدَمِ الوُضُوحِ

مَا هَمَّنِي؟

ثُمَّ مَنْ يُفَكِّر في قِراءة ما أكْتُبُ ؟ {[الكلام لنيتشه]}

2. رُوَيْداً رُوَيْداً وقَدْ كَرِهْنا القَدِيمَ، وما نَمْلِكُ بِكُلِّ طُمَأْنِينَةٍ، نَمُدُّ أَيْدِينَا لِلْقَبْضِ على الجديدِ (….) رَغْبَتُنا سَاحِلٌ مَا بَعِيدٌ. {[أيضاً لنيتشه]}

3. قَلِقٌ كَأنَّ الرِّيحَ تَحْتِي {[المتنبي]}