
وهي وجود زئبقيّ رجراج تارة ووجود مقيّد بالزّمان والمكان ووجود خياليّ طموح لا يهبط إلى الأرض ولا يركن إلى الوقائع اليومية. إنها المدينة – النصّ – الأقرب إلى بداهات الشعر وفانتازيات التخييل تتداولها العقول والأحاسيس الخبيئة : مفردات، قصائد وأسراراً وموسيقات تنبثق من النوافذ والشرفات المنسية والأزقة وبقايا القصور العباسية وتتمازج مع صيحة الحلاّج: أنا الحقّ تتصادى بين ضريحه المنسيّ وجسر الشهداء، تتبعها جوقة طبول منادي الخليفة معلنا قرب إعدام الحلاج وتقطيع أوصاله أمام الحشود..
أما المتحف فهو لا يشير إلى أيّ من صيحات المفكّرين ولا العلماء في عصورهم بل يكتفي بعرض أبّهة الملوك وتألّههم وحليّ الأميرات ووسائل زينتهن كما يعرض قوانين الردع وتصاوير المعارك والانتصارات والأسرى والسبايا وتعليق رؤوس الأعداء على شجرة صنوبر في احتفال النصر الآشوري والملكة والملك يتبادلان الأنخاب تحت الرؤوس التي تقطر دما.. ومن المتحف ومن بؤرة مدينة الأبدية يبدأ تزوير الوقائع وانتقائية التاريخ..
في جزيرة الأبديّة، متحف الحضارات الآفلة، سكونية يشي بها افتقاد العلاقات بغياب الحركة والفعل فاللقى والمنحوتات والأراقيم تشخص في سكونها الحجريّ وتنذرنا بمآل زمننا إلى زوالها وتتواطأ التماثيل مع الأبدية لتفضح وجودنا الفاني، تشير إلى بذرة الموت في قلوبنا وتسبل أجفانها الحجرية على ذاكرة موتها العتيق الهادئ إزاء موتنا المرتقب.
ننظر بزهو الأحياء إلى ظلال الإمبراطوريات الغاربة وهي ترتسم على غضون الملوك وخشوع الكهنة وأسى العاشقات وعذابات الأسرى المساقين قطعانا الى موتهم ونكتشف في المسلّات والذهب والتماثيل تزاوج التاريخ والطبيعة :المضمون والمادة.
التاريخ محتوى الصورة وشفرتها، والطبيعة عنصر الصورة (رخامها، حجارتها، معدنها) وبتضافر عنصري التاريخ والطبيعة يتخلّق الوهم المتحفي وتتشكّل ذاكرات الأمم..
تعلن المسلاّت في القاعة الأخرى بكتابتها المسمارية قانون الوجود: القوّة والعقاب والثواب، العدالة والقسوة والنظام الذي يدحض الفوضى وبؤلّه الملوك ويرسّخ العبودية، ففي مسلّة حمورابي نحت بارز- ريليف – يسلّم الاله شماش إله الشمس القوانين إلى الملك حمورابي، ليثبت أنّ الملك خليل الالهة أوّلا وليكون قانونه منزّلا من السماء فلا يمكن الإفلات من تطبيقاته والقصاص الذي يأمر به القضاة وأولي أمر الحياة ..
فجأة يتألّق أمامنا كنز ذهبيّ، عينا أميرة من عصر سعيد غابر حولها كنز آخر من حليّ لم تحصّن الأميرة من أفول الجمال على طريق الموت والحبّ المحرّم فتهاوى مجدها الشخصيّ وأفراحها وأحلامها على هضبات الكروم وبين بساتين النخل وحقول الكتان وما أنجزت خلودها في الزمن إنما حققته بمنحنا أسطورتها الذهبية فقد كتبت رسالتها إلينا بتشنجات الحزن الذهبيّ المرتسم على ابتسامتها التي زيّفها النحّات وسمعنا نحيبها وشهدنا كبرياءها الذهبيّ الذي تجاوز فعل الذهب وسحره الزائد إلى تعاطف إنسانيّ. وكلما تقدمنا في القاعات انهمرت على وجوهنا موجات من غبار العصور المحفوظة في تقاويم الحجر والمعدن وسحبتنا الى متاهات الماضي وشواخصه.
ومن هذا كله: السياقات المتوقفة والنصوص التي تجمّدت في الحجر لا يفلت وميض ضوء ولا همس ولا دفء، ولا تخترق الصلابة الدهرية إلا إذا درنا حول الزمن ودخلنا لحظة إشراق أو تجلّ روحيّ لنكشف عبر الحسّ الشعريّ أو الروائيّ عن جمرتها الكامنة في لبّ الحجر. حاولنا ونظل نحاول اختراق الكثافة التاريخية للوجود الحجريّ المتحفّي لعلنا نظفر بلمحة سرّ غيبته العصور في ثنايا الحجر والمدينة الحية العابثة بمصيرها تكرر لعبة مراوغة الزمن التي تجيدها المدن التاريخية فتمدّ مطامحها في العمق والأفق تخلق لبقائها نصوصا وتتوالد من حركة العلامات والأشياء الحيّة بينما توجه الصورة الخارجية لحياتها اليومية بواسطة مجموعة من وسائل التدمير الذاتيّ والنساء المحجوبات والرجال الذاهلين والرجال المدجّجين بالكراهية للجنس البشريّ، وتخفي تحت السطح المتوتر مباهجها وأوجاعها وعشاقها، مدينة تشهر الموت وتزهو بحظر الحبّ والحريق مستعر، والجنائز تطوف المدينة التي غيّب عنها الانسان ومنابع الجمال، فلا تتحقّق فيها سوى ديناميكية الموت والموتى وكأنها تسعى للتحول إلى متحف عرضي هشّ يحيط بالمتحف النواة : المدينة تنتحر.
ندور في لعبة الأبدية الخادعة داخل المتحف فتداهمنا الصيغة المتحفية المدرسية – التفاسير والإشارات والعلامات – وتصادر عفوية اقتحامنا للسر، توقفنا كل لحظة ترغمنا على قراءة ما لا نريد معرفته، فنحن لا نريد تلك المعرفة الخارجية للتمثال والنصّ والكأس النذريّ والدمية والمسلة، بل نبحث عن النصّ الآخر السرّيّ المدوّن تحت قشرة الرخام وفي طيات الثياب الحجرية وداخل حزمة القصب التي تزين قارب إينانا – عشتار إلهة الخصب والجنس، المتحف يتواطأ مع النصّ الجاهز ضدّ مخيلاتنا فيكبحها ويقدم لنا تقليده المدرسيّ نماذج مقبولة -أوصافا عامة وخارجية، قياسات، أرقاما، أزمنة. هذا لا يهمنا، ما يهمنا هو الفرد المتخفي وراء النص، رعب الرجال والنساء من وصائف الملكة بو آبي الذين دفنوا أحياء في المقيرة الملكية مع قياثرهم وصنوجهم وحليهم وخناجرهم الذهبية، لاتعنينا قلائد الملكة وألوان جواهرها وتصفيفة شعرها قدر ماتعنينا الصرخة المكتومة لمئات الموؤودين وأنين عذابهم بقدرهم المشؤوم.
يجهل المتحفيون متطلباتنا ويجهل منسقو الآثار في الخزانات والقاعات منابع دهشتنا ورعشة أصابعنا وسلسلة المعاني والإيحاءات التي تثيرها فينا خرزة لازورد منقوشة بتعويذة سحرية أو ما تقترحه علينا نقوش مسلة قرأتها قبلنا آلاف العيون التي انطفأت في موجة طوفان أو طاعون كاسح أو مجاعة أو موت قصاص من أجل خرق للمألوف. ما يهمّنا لوعة تلك الصبية التي سباها الفاتحون وذلك العبد الذي وصموه بحلقة معدنية في خصلة الشعر على رأسه ليسهل تشخيص عبوديته بين أحرار الدويلات القائمة على جهد العبيد من الأسرى، ما يعنينا اكثر تحديقة الشهوة في عيني ليليث، وطائرا البوم على جانبيها يرصدان لها الذكور العابرين في ملكوت ثأرها ..
النصوص الجاهزة تخدعنا بإخفاء الحقيقة التي تنطوي عليها حركة أيدي المتعبدين المعقودة بالطريقة السومرية على الصدور العريضة والتعريفات المبسترة تضيف عقبة جديدة أمام فضولنا، النصّ ـ المدينة والنصّ ـ المتحف نصّان متناقضان. المدينة في أحوالها العادية تتبدل تتجدد تكتشف تتبدّى، تتلاشى، تتحلّل، كلّ لحظة وتسفر حركتها عن كشوفات وأسرار ونذر أو وعود، والمتحف بوضعه السكونيّ الثابت يقدم بكلمات محددة، أساليب وأشكالا خارجية لمعانٍ ودلالات جرى تغييبها وراء النقاب اللغوي المعلن، يبقى التعارض حيّا بين مدينة التغيير والموت والزوال والولادات وبين مدينة الأبدية التي يقترحها المتحف إزاء الزوال اليوميّ الجائح، ويقدمها تعويذة خادعة ضدّ فناء المدن في المسيرة الإنسانية وصراعها مع الزائل وهي تعبر مهبّات الأبد..