موجز الحداثة الشعرية الدرويشية

{{-1-}}

يعتبر الشاعر محمود درويش شاعراً حداثياً من طراز رفيع. فما هي مقاييس الحداثة في شعر درويش؟ هل لأنه كان في فكره السياسي شاعراً حداثياً، أم لأن لغته الشعرية كانت لغة حداثية، أم لأن صوره وموسيقاه الشعرية كانت كذلك، أم لأنه استخدم الأسطورة في شعره؟ هذه اعتبارات جيدة لكي نعتبر على أساسها، أي شاعر يلتزم بها، شاعراً حداثياً متجاوزا ولكن الأهم من هذا كله، هو موقف الشاعر من الحياة جملة وتفصيلاً، ورؤيته لهذه الحياة.

{{-2-}}

ودرويش من حيث هو شاعر ثوري، لا بُدَّ أن يكون بالضرورة شاعراً حداثياً. فأول شرط من شروط الحداثة، أن تكون ذات مفاهيم ثورية. وأول شرط من شروط الثورة أن يكون وراءها قضية. وأهم ما يميز الثائر، هو أن يحمل تصوراً واضحاً للمستقبل. ومن هنا، كانت الحداثة تجاوزاً إلى المستقبل دائماً.

{{-3-}}

ودرويش من شعراء الحرية في العالم العربي، والعالم أجمع. وشاعر الحرية، هو شاعر حداثي من الدرجة الأولى. فلا شاعر حداثياً دون حرية، ودون الدفاع عن الحرية. ولهذا كانت الحداثة بارزة في الشعر العربي الحديث، دون بقية الأجناس الإبداعية الأخرى في الثقافة العربية. ذلك أن الشعر، يمتلك على مرِّ العصور أكبر هامش من الحرية من خلال صوره، ورموزه، وتعابيره، ولجوئه إلى استعمال الأساطير، والسماح باستيعاب كثير من الإسقاطات السياسية، والاجتماعية، والفكرية.

{{-4-}}

ومحمود درويش شاعر مقاومة. وشاعر مقاوم مدافع عن كرامة وطن وحياة شعب، لذا فهو حداثي بطبعه، لأنه يقف في وجه أعداء التاريخ، والإنسانية، والتقدم. لذا، كانت الحداثة خروجاً وتمرداً على أفعال الاغتصاب، والظلم، والقمع.

{{-5-}}

ودرويش كشاعر ثوري، كان يدافع عن قضايا الإنسان في كل مكان. وكل تبنٍ لقضايا الإنسان على هذا النحو من قبل الشعراء والكتّاب، يعتبر مساراً من مسارات الحداثة الرؤية، والحداثة الفعل، وهي طرق موصلة إلى حداثة الإبداع الشعري.

{{-6-}}

ودرويش شاعر حداثي، لأنه لا يأتي بالحداثة كحالة، ولكن كوصل مع الماضي، وامتداد للمستقبل. فالحداثة في الإبداع الشعري الدرويشي، هي أن يأتلف الشاعر مع ثوابت الشعر، ونبض العصر. فدرويش حافظ على علاقته بالذائقة العربية العامة، لكي يتوصل إلى مفهوم للإبداع، كما قال هو، (لقاء مع “مجلة كل العرب”، 28/1/1987).

{{-7-}}

والشاعر درويش، يؤمن أن قوة الأمل، لا تأتي دائماً من قوة التعبير عن نهاية متفائلة لمجزرة إنسانية. وهو يقول: “إن قوة الحزن، وحتى قوة اليأس، إذا عُبِّر عنها بإبداع؛ أي أن الأمل أو اليأس، يأتي من قوة البرهنة على الطاقة الإبداعية لدى الإنسان. ففي اليأس أحياناً قوة الأمل” (لقاء مع “مجلة كل العرب”، 28/1/1987).

{{-8-}}

ودرويش يُعتبر شاعراً مستمراً في الزمن حتى بعد موته. وهذا هو أساس الإبداع الشعري، وهو أن لا ينتهي في زمن إبداعه. ولكن هذا لا يعني أن الحداثة مرتبطة بالمطلق. فالحداثة ذات نسق اجتماعي وثقافي، وبالتالي فهي متغيرة بالضرورة، لأنها نقيض المطلق الجامد، الثابت، والنهائي. وكما يقول الروائي المصري إدوارد الخراط، فإن الحداثة تستوعب الزمن وتجاوزه، ولكنها لا تنفيه. (“قراءة في ملامح الحداثة”، 57).

وقد امتلأ شعر درويش بكل هذه التطبيقات. وشعره الآن بحاجة إلى ورش عمل نقدية كبيرة ومختلفة، لكي نستخرج من هذا المنجم الشعري الضخم، الكثير من المفاهيم النقدية الحديثة، التي نحن بحاجة إليها في سَفرنا الحداثي الطويل والشاق.