
عندما أوقد البطل الأولمبي الصينيّ الجمبازيّ “لي نينغ” (Li Ning) الحائز على ثلاث ميداليات ذهبية في الألعاب الأولمبية الصيفيّة موسكو 1984 (وفق ما توفّر لنا من معلومات فإنّه يستعدّ لترويج علامة تجاريّة رياضيّة تحمل اسمه، عاشت الرياضة! عاش السّوق!) نار الحوض الأولمبي بملعب “عش العصافير” يوم 8-8-2008 على السّاعة 8 مساءً و 8 دقائق (وربّما قلنا و 8 ثواني إمعانًا في الدقّة وأسطرة رقم 8 ) إعلانَا عن بداية المهرجان، كان كلّ شيء يوحي بالمفاجآت رغم التسريبات والجوسسة الإعلامية التي أرادت إفشاء أسرار حفل افتتاح أُحيط بهالة من الكتمان والرقابة.
ولقد سبقت هذا الموعد تخوّفات بالجملة ممّا قد ينغصُ عمدًا أو عفوًا بهجة الحفل بدءًا بأحوال الطقس (احتمال المطر- الضباب- الرطوبة- الحرارة) فضلا عن تلوّث الماء والهواء والتفجيرات الإرهابيّة التي سبقته (ولحقته بعد يوم وربّما ستتكرّر). هذا دون أن ننسى الحملات المنظّمة المضادّة لاختيار بيكين عاصمة للأولمبياد الصيفي في دورته 29 لأسباب تتّصل بالحريات داخل الصّين وبحقوق التيبت وبالموقف من دارفور ودون أن نتغافل عمّا شاب مسار الشعلة الأولمبيّة من عرقلة المناهضين للنظام الصّيني الذي أحكم إقفال المواقع الالكترونية “المناوئة”، ودون أن نغفل عن ذكر دعوات سحب الأعلام الوطنية لبعض الوفود وتعويضها بأعلام أولمبيّة احتجاجًا على الصّين.
كان كلّ شيء يوحي بتصادم منطقين: فمن جهة نجد منطق الرّاصدين -عن حقّ وباطل- للوضع الداخلي “المأزوم” والمترصّدين للزلاّت والمشكّكين في مكاسب “الصين الحديثة” وذلك لإفساد الصّورة. ومن جهة أخرى نجد منطق “التحدّي” والحساب الدقيق لتفاصيل التفاصيل وذلك لتلميع الصّورة وجعل اتّهامات الخصوم تندكّ على “سور الصّين العظيم”. وبلغة الرياضة كشف الحفل أنّ الجولة الأولى كسبها منطق الدولة الراعية للألعاب وبالضربة القاضية.
فلئن وصفت تقارير صحفيّة كثيرة حفل الافتتاح طيلة 60 دقيقة بـ”استعراض للقوّة البشريّة” جاز لنا أيضا اعتباره استعراضًا لكلّ شيء. فمنطق الأرقام يُذكّر أنّ بلد المليار وثلاثمائة مليون نسمة قد انكبّ طيلة سبع سنوات على إعداد حفل ساهم فيه 14000 متطوّع (منهم 9 آلاف عسكري) وحضره في الملعب 91 ألف شخص وشاهده جمهور تلفيزيوني قُدّر بـ 4 مليارات فرد، ساهمت فيه 204 بعثة مشاركة تضمّ حوالي 17200 رياضي ورسميّ إضافة إلى حضور حوالي 90 قائد دولة أو ممثّلا رسميّا.
وإلى هذا كلّه سبقت هذه الألعاب أعمال تهيئة وتجميل وتجديد وهدم (حوالي 300.000 منزل) وبناء ناهزت نفقاتها 43 مليار دولار.
كانت فعلاً دورة الأرقام القياسيّة بلا منازع، دورة الاكتساح الصيني الشامل للعالم. كانت فعلاً دورة الإبهار الذي تعدّى حدود إبهار التقنية والأضواء والإخراج الذي أشرف عليه “زهانغ ييمو” (Zhang Yimou)، ونجد في الشبكة العنكبوتية تفاصيل مذهلة أخرى ترويها الأرقام).
كانت فعلاً دورة “استعراض القوّة الرمزيّة” من خلال 28 لوحة مسحت 5 آلاف سنة من تاريخ هذا الشعب العظيم الذي التقت فيه مياه فلسفة كونفيشيوس وجداول الثورة الثقافية ومكاسب الزعيم “ماو” وما رافقها وتلاها من تحيين وتصحيح و تراجعات لم تـُفقـِد خصوصية هذا الثراء الثقافي.
كان الحفل “إبحارا” (كما دلّت عليه إحدى اللّوحات) في خزّان للابتكار والأفكار لُحمَتُه اختراعات الورق والبارود والبوصلة والألعاب النّارية وسَدَاه روعة الفنّ رسمًا ورقصًا وموسيقى وقرائن التحديث والنهضة، ويكفي أن نذكر بلوغ الصين نسبة نموّ مذهلة “ذات رَقمَين” كما يُقالُ بلغة الاقتصاديين.
كان الوقت المخصّص للحفل تكثيفـًا غير مسبوق للكشف عمّا بلغهُ هذا “التـنّين الأهليّ” و “النمر المُرَوّضُ” من تفوّق وسيادة، رغم ما قد يَلمحه بعض “المناوئين” وراء وداعة المشاركين في الحفل وابتسامتهم وبهجة الفرجة من تاريخ للمعاناة والألم خلال القرون التي خَلَت.
ولمّا اقترح المنظّمون تعويذة الألعاب وأطلقوا عليها اسم “بيكين الراقصة” كانوا محقـّين، كما أنّهم كانوا كذلك عندما اختاروا الأغنية الرسميّة للحفل: “بيكين ترحّب بكم” وأردفوها بأغنية “نحن جاهزون”، كانوا على صواب لأنّهم لم يتركوا شيئًا للصدفة إذ جعلوا الحفل حفلاً للرقص والغناء والمشهد والغرائبيّة: غرائبيّة الشرق الأدنى.
كلّ شيء كان دالاّ على أنّ الصّين قد أعدّت كلّ شيء على مقياس لعبة “الثمانية الكبيرة” (Le Grand8) (حتّى نجدّد العهد مرّة أخرى مع رقم 8) التي نجدها في مدن الألعاب وحيث تأخذ العربة في صعود إلى القمّة (ما يسمّى بالجبال الروسيّة) ونزول بسرعة وإثارة غير متناهيتين.
أمّا بعد، وقد انتهى الحفل، فممّا يبقى في الذّاكرة أنّ السياسيّ علا صوته فوق كلّ صوت بما في ذلك صوت الروح الأولمبيّة الأصيلة التي نشأت في رحاب ديمقراطية أثينا والتي رأت في ترتيب البيت السياسيّ الدّاخلي شأنـًا خاصُّا وأنّ الألعاب مناسبة لطرح جلدة العداء مهما كان سببه. كان الحفل مناسبة لتسابق رموز السّياسة الدولية إلى توزيع الابتسامة المتكلّفة هنا وهناك والسّعي إلى “اختطاف أضواء” باهتة خافتة مقارنة بضوء شمس الصّين السّاطعة. وقتئذ تناسى هؤلاء (من قبيل ساركوزي الذي أعلن بعد أحداث التيبت من لندن عن إمكان مقاطعة الدورة بصفته رئيسا لفرنسا وللاتحاد الأوروبّي في هذه الفترة. كما نذكر دعوات الكونغرس الأمريكي الرئيس بوش إلى مقاطعة الدورة) الـ”مناهضون للصّين” آلام الشعب الصّيني وعزلة الـ”دالاي لاما” ومعاناة دارفور وانتهاكات حقوق العمّال في الصّين ومنع الدستور حقّ الإضراب منذ 1982 بما أنّ النظام الشّيوعي “اجتث جميع المشاكل”!!. كما تناسى هؤلاء القادة بسرعة تشغيل الأطفال وإعدام “المنشقين” في الملاعب (وقد كانت الألعاب الأولمبية فرصةً للتذكير بهذا)، ولم يكن الوقت مناسبًا لتذكّر إغراق الصّين للأسواق بالبضائع الرخيصة والمقلّدة واكتساحها أسواق افريقيا، وغير هذا كثير… كان الوقت مواتيًا فقط لتصريحات مثل ما جاء على لسان بوش من تعبير عن “سعادته بتمثيل الولايات المتّحدة في حفل افتتاح الألعاب الأولمبيّة” مع “انشغاله بوضع الحريات في الصّين”، وكان الوقت مناسبا أيضا لتدشين واحدة من أكبر سفارات الولايات المتّحدة في العالم إيذانًا بوضع لبنة من الحجم الثقيل في مسار التعاون الثنائي مع هذا العملاق المتمرّد على تفاصيل كثيرة من اتفاقيات منظمة التجارة العالمية والاتفاقيات العامّة لتجارة الخدمات. كان لابدّ من وضع العين عليه لترويضه ومراقبته ضمن ما سُمِّيَ في الثمانينات بـ”دبلوماسية البينغ بونغ” التي اتخذت من جولة في لعبة كرة الطاولة جمعت بين الأمريكيين والصينيين بداية لإذابة الثلج بين الدولتين.
في أولمبياد 2008 لعبة داخل لعبة: مصالح وسياسة وسيادة وصفقات تحت الطاولة، عقود بيع وشراء،.. أولمبياد داخل الأولمبياد. لم تكن الصّين بحاجة وحدها إلى تلميع الصّورة وترويج صورة أخرى أكثر نقاء، علينا أن نذكر أنّ حامل العلم الأمريكيّ الذي تصدّر وفد الولايات المتّحدة الأمريكية يوم الافتتاح كان عدّاءً سودانيّ الأصل قدم من مخيّم للاّجئين بكينيا: (عودة إلى الصّين ودارفور).
انطفأت أنوار “عش العصافير” لِتـُشْعَلَ أضواء أخرى، ثمّ تبدأ حمّى التسابق والتلاحق لاعتلاء منصّات التتويج والحصول على توقيعات النجوم، كما عاد الحديث عن المنشّطات والتجاوزات والمظالم التحكيميّة والسّوق الرياضيّة والبيع والشراء وعقود الاحتراف.
كلّ شيء كان دقيقًا منظّمًا ومعدًّا بعناية فائقة إلاّ شعار الدورة “عالم واحد حلم واحد” ( One World one Dream). فلئن كان العالم نزّاعًا إلى التوحّد في سوق مال واحدة معولمة فإنّ وحدة الحلم مازالت بعيدة المنال: الحلم بالسّلام والحريّة واحترام الكيان البشري والتوق إلى اللاّنهائي…. (نذكر بالمناسبة أنّ رمز اللاّنهائي في الرياضيات هو 8 مقلوبة).
انطفأت أنوار ملعب عشّ العصافير، وعلى مرمى حجر من سور الصّين العظيم اِشتعلت في اليوم نفسه الحرب في أوسيتيا الجنوبية، دُقَّ جَرَسُ الجولة الأولى في حلبة الملاكمة بين الصّديقين اللّدودين: جورجيا وروسيا وضاع في الخضمّ صوت الأمين العامّ للأمم المتحدة الذي دعا يوم الافتتاح إلى “احترام الهدنة الأولمبيّة” فكان الردّ بإلقاء حجر على “عش العصافير” وكسر “بيض السّلام” مع تهشيم بلّور بنيان “العالم الواحد والحلم الواحد”.
وربّما آن الأوان أن نشرب “فنجان صينيّ”… فبيكين ترحّب بنا مرّة أخرى!!