
أتناثر قطرات من غياب على الفراش وأنا في الحمى, تمسخني الحمى إلى امرأة من ظلال حتى أن الريح كانت تخترقني فأهفهف فيها مثل وشاح وأتلاشى في الضوء شبه انعكاس لرؤيا الرجل عن وجودي الشبحي ..
لا أحد لو وجد معي, كان سيسمع صوت ابن رشد لأنه كان يتدفق من أعماق لاوعي المرأة المحمومة التي أراها وأتفرج عليها وهي أناي الأخرى وصورتي , وأنا المادة التي قالها أرسطو وأنا الصورة التي ظن أنها تبقى بعد زوال المادة..
همس ابن رشد : هو ذا ما يعول عليه..
فظهرت عبارته التماعا ازرق في الهواء..
– ماذا ؟؟
تساءلت وأنا مستغرقة في الكوابيس..
– ماذا ؟؟
– هذا الذي بين يدي ..!!
بمشقة فتحت عيني وتوهج أمامي مصباح شبه دمعة كبيرة بين راحتي ابن رشد ا لذي لم أبصر له وجها.. بهر عيني ضوء المصباح الذي كان يضيء ذاته بذاته وكأنه بلورة تتضاعف فيها انعكاسات أضواء نجوم ومجرات..
عجبت كيف أن المصباح لا يحرق يدي ابن رشد وهو بهذا الوهج الضوئي.
لم أواصل عجبي لأنني سقطت ثانية في غيبوبة الحمى .
بلغت ابن رشد حيرتي من أمر المصباح ورأيت عبارته تمتد أمامي بسطوعها الأزرق على شبه شاشة حاسوب ضوئية ليزرية عائمة في الفراغ:
– هو يخرق العتمات ولا يحرق, يزيح الظلال والوهم والفكرة القلقة التي لا يسندها برهان..
– أنت مدعو لحفل الشاي أنت الآتي إلينا مما وراء الغيوب, ضيف شرف ليلتنا.
هل نطقت الدعوة بلسان ذهولي أم أن الرجل نطقها فحسبتها كلماتي؟؟
لعله. هو الذي قال ونطق ودعا ابن رشد, وأنا التي أتوهم ما ليس لي من كلمات الليل, وإذن ذا صوته يتداخل في صوتي ويموج في ثنايا نبرتي المحمومة وأخاله صوتي..
لكنه لا يتماهى مع هذياني بل يدوزن اللغة ويزنها وأنا اضحك اضحك بينه وبين ابن رشد وألاحق تصويبات اللغة التي يدونها على مسمعي وكأنها إيقاعات صنج..
لا أظن أن أحدا سمعني حين تمتمت بكلمات مضادة للغات..
كانا ينصتان إلي وكأنهما لا يسمعان هذياني فينصرفان عني إلى حوارهما.
سمعت الرجل يدعوه لاحتساء الشاي وابن رشد يدير الحوار كما لو أنه يذيب سكرا في
القدح ,يمزج مرارة الحقائق الملموسة بحلاوة التخيلات المتصورة..
ويتداول معه الصواب من القول ويهمل هذياني عن شهوة نقض اللغة..
هاهو الشاي يزهو بامتياز انه تناهى إلى ابن رشد في عصره الافتراضي وهو شراب العامة في عصرنا وشراب النساء المتراميات في وحشة الجسد والرجال الوحيدين في ليل الندم, شاي له اشذاء سهول اليانغتسي وألوان شروق الشمس على ثلوج اوساكا ومذاق شجرة زيتون معمرة: مرة عصية وشامتة بحلاوة التمر والتين والسكر..
– هيا انهضي وقومي من موتك قيامة, أنت مادة اللحظة وصورتها, بك يصير الوقت آنا, أنت (الآن ), ولاشيء سوانا في آونة نهوضك, اجل هيا انهضي,
لم تكن رعشة الحمى التي اعترتني, إنما ما سببه انهمار صوت غريب في دمي الراجف..
..يردد الكلمة بإيقاع زخات مطر وبرق..
كلماته تحط على جسدي قطرة قطرة ووميض برق يضاعف الحمى ..
على عنقي تذوب الكلمة على شفتي تذوب فارشفها..
اجل, إنهما يضحكان ليس من ضحكي وهذياني بل من تأويل الوجود في الوهم.. أنا وهم, والرجل وهم, وأما ابن رشد فانه الوحيد الذي يتجلى حضورا بين وهمين..
أنا المادة والصورة, الحمى حولتني إلى امرأة من هذيان وهذياني مسخني إلى محض صوت ملتبس بين صحو مرير و غيبوبة آمنة..
تنتابني رجفة البرداء : أين أنت؟؟
تراودني الكلمات
وأنت تهتف بي أيها الظل البعيد:
تعالي تعالي..
أين أجيء أين امضي أين أكون وأنا صورة مهددة بخسران مادتها؟
إلي تعالي تعالي..
اهمس في الهذيان : لا…لا..
أنا,, أنا منداة بالحليب وأقراص العسل تسيح على كتفي والنمل يتداعى على وليمة أصابعي أنا غيري .. لماذا أنت أنت ؟؟
أراه يتواثب عبارات من ضوء تمتد في هواء غرفة الحمى واسمع اسمع اسمه اللاتيني يتردد لازمة موسيقية: افيرويس افيرويس افيرويس.. موسيقى رتيبة تتكرر, افيرويس افيرويس..
ابن رشد يدون في الهواء :
أنا لست من ترون وافيرويس ليس اسمي, ماهيتي في كنيتي, أعيدوا لي اسمي أيها الفلاسفة فلست احيا بغير اسمي , أنا المادة والاسم صورتي بينكم.
اسأل من يراني اسأل من يسمعني:
– من أتى بابن رشد إلى ليلة الحمى ؟؟
يهمس لي:
– ابن رشد متوضع في وعيك, انه فيك راقد في أعماق العقل ..
-أنا اسمعه ولا أراه, هل تراه؟؟
– هو لا يرى لأننا ملكناه فكرة لا مادة, هو الصورة المتجلية لنا فينا…
تستسلم الجموع لعصا الراعي يسوسها لتأمن مجازفة العقل فيما ينقض إرث عبوديتها, ومغامرتها في مجهول ما يقترحه التفكر, تلوي الجموع أعناقها إلى الوراء مستنجدة بتمائم وتعويذات وأضرحة تأخذها إلى أمان الرضا بما وجدت من تهاويل النصوص والقداسة الملتبسة..
يمضي ابن رشد وأنا اركض وراء خطوته واراه يعلن نقده العاقل بين الجهات, يصرخ توما الأكويني : لا يبقى من الأشياء إلا صورتها, لا يبقى من الموجودات إلا صورتها..
يدون ابن رشد مقولاته على الهواء:
– طالما المادة فانية فالصورة زائلة بالضرورة..
أراني ثانية أرقد مادة متعالقة مع صورتها : مادة وصورة مرئية فإذا فنيت الساعة ستنتهي الاثنتان ..
6
أين ذهبت ؟؟
أرى دموعا متحجرة في مآقيه, أرى ابن طفيل يواسي الجاحظ وهما مرميان على الأرائك الخضراء مزقا مزقا وارى فريد الدين العطار يحاور عنقاءه بمنطق البوم,, أرى شتاينبك يكظم غضبا واندريه جيد يحاور أبا نؤاس ويحتسيان ثمالة كأس عثرا على شرابها في خزانتي القديمة, أرى مجلدات ألف ليلة طبعة بولاق تبحر في ماء انسكب من المزهريات التي حطمها المارينز, أنطوان دي سانت اكسوبيري يجمع دموع الأمير الصغير في إناء من الكريستال ويقدمه إلى ( حي ابن يقظان) الهارب من أمه الغزالة إلى وحشة الحياة.
ونشكل جوقة لنسلي الأصدقاء الحزانى الذين أسقطهم المارينز عن عروشهم في مكتبتي, نضع أقنعة من السليكون لمجانين رائعين وأقنعة لشعراء التروبادور الجوالين ونوقظ ( دون كيخوتة ) و( لوركا) و( بودلير ) و(الرصافي) بضجيجنا ونحن نمثل مشهد القتلة يقتحمون بيتي المهجور بعد تحطيم الأبواب وإطلاق النار على الشعراء و رموز آلهة سومر وأواني الزهور والشمعدانات والمصابيح والرسائل العتيقة وأقداح الشاي وأكواب أقلامي الخشبية والخزفية..
– هل عانيت من متلازمة الهوية؟؟
تضحك انيتا ديساي وترتب رداء الساري على كتفها الأيمن وتشير إلى( ادوارد سعيد) وهو يقف خارج المكان- يقود اوركسترا غير مرئية وتجلس إلى جانب (اناييس نن) في ركن المذكرات وبينهما ( نسائي الوحيدات) وتتهامس المرأتان بحديث ينضح منه عرق الأنوثة..
الأوراق عاصفتي و قيامتي تدور في إنحاء بيتي المستباح, وتطيح في جنونها بالأقداح و تمثال آلهة الخصوبة من جزر الخالدات وكرة الرخام من مالطة وعنقود العنب من حجر اليشب, يتهاوى عالم الذاكرة في العصف, وتنهمر الأغاني من اللامكان ويسيح كل شيء في الغرف…
شبه طوفان يتعذر التحكم فيه وتختلط أصوات الرجال والنساء وصراخ الصغار بدمدمة الإنفجارات..
يغادرنا الوقت إلى نهاياته ولا يبقي لدينا سوى لحظة (الآن), فتعاودني الحمى وأرى ابن رشد متجسدا أمامي, يحتسي الشاي مع ظل الرجل في الجوسق الخشبى أمام النافورة, ويتبعهما الآخرون ليبدأ حفل الشاي على شرف الكلمات الراحلة في الحريق..
يد الحمى تسحبني إلى رواق الذهول وتدعني وحيدة في متع الهذيان..