يوتوبيا : الحلم المفقود

الرواية : يوتوبيا

الكاتب : خالد أحمد توفيق

الناشر : دار ميريت – القاهرة – 2007

***

ارتبطت كلمة “يوتوبيا” بالجنّة الموعودة التي سيقيمها البشر على الأرض. ورغم كل المآسي التي لحقت بهذه الفكرة على مرّ العصور استمرّ البشر بالحلم بإمكانية تحقيق دولة ينعدم فيها الظلم والاستغلال، وتتحقق فيها المساواة والحرية والكرامة، دولة بلا سجون ومحاكم وأجهزة أمن.

وقد تعددت الصيغ التي رسمها المفكرون والأدباء حول هذه الفكرة على مر العصور  من جمهورية أفلاطون حتى مدينة الفارابي الفاضلة مرورا بأفكار توماس مور وريكاردو وأدم سميث وكينز  وجنة كارل ماركس الشيوعية…

وسيبقى التاريخ مفتوحا على الحلم بيوتوبيات جديدة يخترعها البشر طالما هناك ظلم واستغلال وسجون وسلطات مستبدة وأديان تسطو على عقول البشر وفقهاء يصادرون الدنيا والآخرة لمصلحة حكام ينتشون وهم يخوزقون شعوبهم.

ولكن هنا في رواية (يوتوبيا) للروائيّ المصريّ أحمد توفيق،  فكرة جديدة(يوتوبيا معكوسة) تنسف المفهوم القديم لليوتوبيا وتستبدله بفكرة  أخرى مضادة، تسخر من المفهوم القديم وتهجوه، تخلع عنه حلمه بواقع فجّ، تستبدل اليوتوبيا الحالمة التي تقرأ الواقع وتسحبه إلى أعلى بيوتوبيا أرضية تقرأ الواقع وتسحبه إلى أدنى، حيث يرسم في روايته مستقبل مصر والعالم العربيّ بعد مئة سنة من الآن، قارئا واقعا غادر مستقرّه ومنطلقه في آن  ليتنبأ بمستقبل أسود ونهاية فاجعة لمجتمعات خرجت من التاريخ ودخلت مرحلة العطالة التامة.


تنتمي الرواية إلى ما يمكن أن نسميه “أدب التنبّؤ” أو” أدب المستقبل”  حيث ينطلق الروائيّ من قراءة الواقع، متنبئا بمستقبله محاولا بذلك رج ّالعقول وتنبيه البشر وتوعيتهم ليدركوا أي مستقبل مفجع ينتظرهم . ولعلّ جورج أوريل كان من أهمّ الكتاب الذين كتبوا وأبدعوا في هذا المجال من خلال روايتيه الشهيرتين ” مزرعة الحيوانات” و”1948″.

هنا يقرأ الروائيّ المصريّ بنباهة عالية وحدس مجتهد الواقع العربيّ والمصريّ تحديدا، خاصة بعد أن اتّبعت الحكومات  سياسة اقتصاد السوق الاجتماعيّ أو ما أسمّيه ” اقتصاد السوء الاجتماعيّ” ليوضّح لنا أنّ هذا الشرخ الذي يحصل حاليا في المجتمعات العربية  ويفرز الناس بين طبقتين ” أدنى وأعلى”، الأولى تزداد فقرا والثانية تزداد غنى، سيصل بنا إلى نقطة اللا عودة وهنا يتحدث الكاتب عن مرحلتنا الحالية بلغة الماضي قائلا :

(بالطبع لا تفهمان شيئا عن الوضع الذي صرنا إليه.. لكني أكره ألا أخبركما بكل شيء.. الصورة التي تريانها كانت موجودة منذ البداية لكن بشكل غير مباشر غير واضح, ثم تضخمت شيئا فشيئا.. يصير الأغنياء أغنى والفقراء أفقر، ثم تأتي لحظة يحدث الانهيار.. ويبدو لي أن هذا حدث في العشر السنوات الأولى من هذا القرن.. فجأة انهار السد.. لم تعد السياحة قادرة على إطعام هذه الأفواه.. إسرائيل افتتحت قناتها التي صارت بديلا جاهزا لقناة السويس.. الدول الخليجية نضب بترولها أو تم الاستغناء عنه بعد ظهر (البايرول) وطردت العمالة الوافدة.. هكذا وجد الاقتصاد عليه عبئا قاصما، وانعدمت الخدمات للفقراء لأنّ الدولة أعفت نفسها تماما من مسؤوليتهم وخصخصت كل شيء.. لم تعد هناك حكومة أو لم تعد هناك حكومة تعبأ بنا.. مع الوقت توقفت الرواتب وتوقفت الخدمات وذابت الشرطة وبالتالي لم تعد علينا ضرائب.. كان آباؤكم من طبقة استطاعت أن تستخدم نفوذها للإثراء.. حسابات مصرفية في الخارج.. قروض من المصارف.. احتكار.. كل شيء كان في مصلحة آبائكم وضدنا على طول الخط هكذا استطاعت هذه الطبقة أن تتماسك وتزداد ثراء بينما هوينا نحن إلى الحضيض …).

هكذا بعد أن يقرأ الكاتب واقعنا الحالي، يسحبنا باتجاه المستقبل ليرينا أن حلمنا/ دولتنا المنشودة ستنقسم إلى مجتمعين، طبقتين، عالمين، عالم الفقراء الذي يسميه الكاتب/ شبرا /وعالم الأغنياء الذي يطلق عليه /يوتوبيا/.

يوتوبيا : مستعمرة الأغنياء، حيث يتوافر فيها الرخاء والرفاه والاستهلاك والمخدرات والجنس والمال والأمن والبوابات العملاقة والمطارات الحديثة يرافق ذلك نمط أخلاقي جديد وقيم جديدة وفراغ قاتل على مستوى الروح وخواء يغزو كيان البشر الباحثين عن متعة جديدة واكتشاف جديد حيث يصور لنا الكاتب حياة البطل  في يوتوبيا قائلا :

(أصحو من النوم.. أفرغ مثانتي.. أدخن.. أشرب القهوة.. أحلق ذقني.. أعالج الجرح في جبهتي ليبدو مريعا.. أضاجع الخادمة الأفريقية.. أتناول الإفطار.. أصب البن على البيض وأمزق كل هذا بالشوكة.. ألقي بالخيط المقزز في القمامة.. أتثاءب.. أضحك.. أبصق.. ألتهم اللحم المحمر.. أدس إصبعي في حلقي أدخل غرفة نوم لا رين لأفرغ ما بمعدتي على البساط.. أضحك.. أدس إصبعي في أذني.. آخذ زجاجة ويسكي على البار وأجرع منها.. أرقص.. أترنح.. أقف.. فوق أريكة.. أتقلب على البساط.. أقرأ الجريدة التي لا تزيد عن اجتماعيات يوتوبيا… أخرج أنبوب الفلوجستين (نوع من المخدرات).. أصب قطرات على جلدي.. أنتشي.. أرى النيران الخضر.. أضحك.. أمشي عاريا في الردهة.. ألبس ثيابي.. أرسم على الجدار بقلم الفحم شعارات تقول : اقتلوا البيض.

(ساعة واحدة فعلت فيها كل شيء ولم يبق شيء في الحياة يهمني أو أريده )

بسبب الخواء الذي تعيشه شخصيات يوتوبيا تجد نفسها مدفوعة باتجاه  البحث عن مغامرات جديدة ومتع جديدة غير متوفرة في يوتوبيا فيكون الصيد أحد هذه المتع, والصيد هنا من نوع مختلف حيث يقوم المغامر اليوتوباوي برحلة خاطفة إلى شبرا بلد الفقراء ويقوم بقنص كائن “شبراوي” ثم يقطع ساقه أو ذراعه أو أذنه  ليتباهى  أمام أصدقائه ومعارفه ثم يحتفظ بها كتذكار في متحفه العائلي.

أما في شبرا حيث التكاثر هو رفاهية الفقراء الوحيدة, يعشش الفقر والحرمان والجوع والغضب والمحاولات اليائسة لدفع الفقر.

هذا الفقر الذي يجعل الناس في شبرا يعيشون  حالا من الخواء محولا إياهم إلى كائنات حيوانية مشغولة بلقمة خبزها حيث يصف المثقف جابر أحد أبطال الرواية وابن شبرا الحالم بإمكانية تصحيح العلاقات الإنسانية بين شبرا ويوتوبيا, حال الناس في شبرا :

(“يا كلاب انحدر بكم الحال حتى صرتم تأكلون الكلاب ! لقد أنذرتكم ألف مرة ..حكيت لكم نظريات /مالتوس وجمال حمدان ونبوءات أوريل / وه .ج . ويلز / لكنكم في كل مرة تنتشون بالحشيش والخمر الرخيصة وتنامون .. الآن أنا أتأرجح بين الحزن على حالكم الذي هو حالي وبين الشماتة فيكم… إنهم يبحثون عن المرأة التالية ولفافة التبغ التالية والوجبة التالية ولا يشعرون بما وصلوا إليه …)

هكذا إذن نحن أمام عالمين مختلفين من حيث الرفاه والغنى والعلاقات الاجتماعية وحتى الأسماء إذ نجد أن الأسماء في شبرا الفقيرة تحافظ على عربيّتها (جابر- سمية – ..) بينما تتغرب الأسماء في يوتوبيا (جرمينال- لارين..) الأمر الذي يحيل إلى اغتراب يمزق العالمين في النهاية الأول مغترب بفقره والثاني مغترب بفعل تعولمه أو تماهيه مع ثقافة المركز التي ابتلعته.

 

يقرّر بطل الرواية وصديقته جرمينال الذهاب برحلة صيد محفوفة بالمخاطر إلى شبرا بعد أن يموّهوا أشكالهم  ليصطادوا  كائنا شبروايّا ولكنهم فجأة يجدون أنفسهم في مأزق فينقذهم مثقف شبرا “جابر”، الذي يؤمن بإمكانية التعايش بين المستعمرتين ويخبئهم في منزله وهنا تتعرف جرمينال ورفيقها على عالم شبرا الحقيقيّ، عالم البؤس الفقر والشتيمة والفوضى، العالم المشغول بحقده ولقمة عيشه، الأمر الذي يفعل فعله في نفوس الشخصيات فتبدأ جرمينال بالتعاطف مع شبرا وناسها، بينما يزداد تصلب صديقها ويتطرف في عداءه على الرغم من وجوده بينهم وتحت رحمتهم. ولكن فجأة يُكتشف وجودهم في منزل جابر فيصبحون خطرا عليه، لذا يخرج ليتدبّر أمر ترحيلهم إلى يوتوبيا ويتركهم في منزله برفقة أخته الوحيدة التي يكرس جابر كل حياته لتبقى محافظة على الحدّ الأدنى من القيم الإنسانية التي يمكن الحفاظ عليها في شبرا، ولكن هنا يستيقظ حسّ المغامرة في نفس البطل ويقوم باغتصاب أخت جابر سمية وبعد أن ينتهي يهددها بألا تبوح بأي شيء وإلا سيقتل جابر وعندما يعود الأخير يخرجون بسرعة ليوصلهم إلى نفق يستطيعون من خلاله دخول يوتوبيا سراً، ولكن قبل دخولهم يوتوبيا يقوم البطل بقتل جابر وقطع يده كتذكار ويعود ظافرا بعد أن حقّق حلمه ليتبجّح أمام أهله وأصدقائه بمغامرته.

 

ولكن بعد يومين تستيقظ يوتوبيا على خبر مفاده : ثوار من شبرا يقومون بقطع الطريق على باخرة من البايرول( الوقود الذي حلّ محلّ النفط بعد مئة عام) ثم يفرجون عنها وعندما يقوم اليوتوباويون بتعبئة البايرول في الطائرات والسيارات يكتشفون أنّ الثوار استبدلوا البايرول بمياه المجارير، الأمر الذي يعطّل كل وسائط النقل في يوتوبيا ويضعهم تحت رحمة أهالي شبرا الثائرين لأنّ الأمر وصل ذروته بعد قيام كائن يوتوباويّ باغتصاب أخت شخص من شبرا وقتله بعد أن احتمى في بيته.

وهنا تنتهي الرواية التي تقدم نتيجة مرعبة للسياسات التي تتبعها السلطات العربية من سجن وقتل وتجويع لمواطنيها.

رواية  تدق ناقوس الخطر وتحذر من مستقبل أسود ينتظرنا في حال بقينا على ما نحن عليه، الأمر الذي يحتم علينا الضغط باتجاه تغيير ما يمكن تغييره قبل فوات الأوان.

ولكن….

لا حياة لمن تنادي !