
لعلّ الملفت حدّ الإبهار والدهشة في عالم الإعلام اليوم هو ما لا تنفكّ تعرضه القنوات الفضائية على شتّى أصنافها العربية منها والغربية من برامج تتراوح ما بين الإباحيّ والمتزمّت، المنفتح والمنغلق، الداعي إلى التحديث والمشدود إلى التقليد. والحال أنّ السرّ في هذا التعارض والتضارب ما بين مختلف هاته القنوات لا يكمن كما قد يبدو للبعض في موقف يتحيّز إليه صاحب هذه القناة دون الآخر ولا في إيمانه بنهج أخلاقي درءا لغيره أو ما إلى ذلك. ذلك أنه خلف كلا النوعين من القنوات نجد الشخص عينه وصاحب المال ذاته. فهو الرجل نفسه من قرّر أن تبثّ البرامج في هذه القناة على نحو إباحيّ وفي القناة الأخرى على نحو ملتزم، مخالف كلّيا للأوّل .
هنا إذن يطرح هذا السؤال: إلى ماذا تحتكم هذه الرؤية في التدبير الإعلاميّ؟ وما الذي يتحكّم في كلّ ما تعرضه القنوات الفضائية اليوم من برامج تتمايز حدّ التنافر؟ وما موقعنا نحن بالنسبة لكل ما يطرأ في عالم التقنية هذا؟
سعيا وراء الجواب عن هذه الاستشكالات، ماذا لو استأنسنا برؤية أحد المهووسين بفكرة المجتمع المعلوماتيّ وهو الفيلسوف السّويدي ألكساندر بارد، حيث يصل هذا الأخير حدّ تسمية مجتمعنا الحاليّ بالمجتمع النيتوقراطيّ. ويمضي محددا ماهية هذا الأخير بتأكيده على أنه كباقي المجتمعات المعروفة، مجتمع طبقيّ. يقول بارد نافيا إمكانية قراءة ما يجري اليوم بمنهج ماركسيّ: إننا للأسف في حاجة إلى تحليل بديل، نستعيض به عن تحليلات ماركس العائدة لسنة1840. ذلك أنّ التحليل الماركسيّ إذا كان يحدّد البروليتاريا مقابلا إياها بالبرجوازية، فنحن من منظورنا المعلوماتيّ نقابل المستهلك le consumatariat بالنيتوقراط le netocrate.
والفرق بين النيتوقراطيّ والمستهلك إنما يعود إلى كون الأوّل يملك كل الوسائل والسبل الكفيلة بجعله ينتج هويته الخاصة بينما الثاني ليس له من حلّ بديل غير اقتناء هويته من بين الهويات المعروضة في السّوق والمنتجة لأجله كمستهلك. وعليه فالمجتمع الحاليّ، أقصد المعلوماتيّ، مجتمع مهووس بالهوية بدل المال ووسائل الإنتاج. مما يعني أنّ صراع الطبقات على نحو ما هو عليه في المجتمع المعلوماتيّ، صراع يدار بهدف الاستحواذ على آليات إنتاج الهوية وصنعها. ومن ثمّة نفهم كيف غدت الهوية شيئا يُقتنى، بل يباع ويشترى. ومن أجل الدفع بمنطق الاستهلاك إلى حدوده القصوى خلقت مؤسسات للقرض لا حصر لها ورتبت إجراءات للاقتناء لا نظير لها.
فمن إبداعات المجتمع الاستهلاكيّ البيع بالسلف وهو طريقة من الطرق الكثيرة التي ييسّر بها ذلك المجتمع على أعضائه عملية الاستهلاك واقتناء الأشياء بحيث لا يعود ذلك الاقتناء تتويجا لمجهود ماديّ ومعنويّ بل إنّه يسبقه ويتقدم عليه. على هذا الأساس إذن يمكننا استيعاب ما تعدّد من هويّات غدا الإنسان أمامها مجرّد مقتن فحسب. فهذا الاقتناء وحده هو ما يحكم سلوكه كإنسان بحيث حلّ كمنطق ضدّ كلّ منطق وبات يؤسس لماهيته كإنسان خلافا لما كان يتصوّره أنموذجا مثاليا لا يقتدى بغيره. وعليه أضحى السلوك هو ما يولّد القيم لا قناعاتنا أو رؤيتنا للكون كما مضى. فلا غرابة إذن إذا كان الشخص نفسه الذي يدافع عن مبدأ تحريم الربا هو أول المدمنين على مسلسلات القروض البنكية. والرجل ذاته الذي لا يكلّ عن مواكبة الأفلام البورنوغرافية هو من يدعو إلى استصدار قانون منع الصحون الهوائية وجلد الزاني والزانية.
في عالم الصورة إذن حيث اكتملت الميتافيزيقا بتعبير هيدجر نكون اليوم كمن يتوهّم الهوية الواحدة، الصافية بَيْدَ أنّه بين هويات لا عدّ لها هويّات بالجمع. وفي خضمّ هذا “البين بين” على حدّ توصيف المفكّر المغربيّ بنعبد العالي نغدو مأخوذين في ريزو للهويات هو وحده ما يشكّل نمط وجودنا من حيث كوننا مجرّد مستهلكين لا نيتوقراط.