11 سبتمبر بعد سبع سنوات : أيّ أسئلة وأيّ موقع نقديّ؟ (4) هل انفصلنا عن 11 سبتمبر؟

حاول البعض الإجابة عن هذا السؤال محاولا قياس المسافة التي تفصلنا عن “حدث القرن” عن طريق رصد “الإنجازات” التي حققتها الأطراف المتصارعة. إلا أن ما يبدو هو أنه لم يتوفّق في إثبات نجاح إنجازات ما يسمّى “الحرب على الإرهاب”، ولا حتى في إثبات تحوّل نوعيّ في الأعمال الإرهابية. والظاهر أن ّهذا “التوقف التاريخي” لايرجع أساسا لما بعد الحدث وما تمخّض عنه، وإنما لطبيعة الحدث ذاته. فهذا الحدث ليس من تلك الأحداث التي تتوارى بمجرد أن تحدث وتغدو ماضيا تظهر نتائجه في المستقبل، وإنما هي من الأمور التي تحدث ” على التراخي”، فتبدو دوما كأنها لم تحدث بعد، لذا فإنّ أنماط الزمان التقليدية لا تفي بتصنيف وقائعها وترتيبها الترتيب الكرونولوجيّ .

لعلّ هذا ما يفسّر كون ما سمّي”حربا على الإرهاب” يبدو وكأنه يراوح مكانه ، كما أن العمليات تبدو متكررة لا يكاد متتبعها يتبين مسافات مقطوعة، وانجازات محققة، وتطورا ملحوظا.

فسَّر البعض ذلك بأنّ الخصم في هذه الحرب “بلا عنوان”، وأنها حرب مع مجهول. إنها حرب بين طرف يَرى وآخر لا يُرى، بين طرف معروف وآخر يتعذر تحديده. وهذا ما مكّن البعض الآخر من أن يتحدّث عن حرب يخوضها “مزيج من الأشباح والبشر” .

لو أنّ الأهداف المتوخّاة من هذه الحرب كانت واضحة مرسومة لربما سهل علينا قياس البون الذي يفصلنا عن “الحدث الأعظم” بقياس مدى اقترابنا من الهدف المتوخى. والحال أنّ هذه الحرب لا تبدو عند الطرفين كليهما هادفة إلى مرمى بعينه. ولعل هذا هو مصدر شعورنا أمامها بتكرار متواتر لعمليات متشابهة. خصوصا وأن هذه العمليات لا تنتهي بتحقيق مطالب ووصول الى أهداف. إنها تبدو عمليات لا تستهدف هدفا بعينه، عمليات عارضة، ليست وراءها مبررات “معقولة”، ولا يضبطها منطق. وربما لهذا السبب يتعذر تبين معاني تلك العمليات. فهي عمليات تحدث كي تحدث. مرماها لا يوجد خارجا عنها.

وعلى رغم ذلك فقد حاول البعض إيجاد منطق خفيّ يثوي وراء ما يجري من عمليات وعمليات مضادة فتحدث عما أسماه “حرب أفكار”، وقال ” إن ما اتسمت به حرب الأفكار هذه هو الإطلاق”، مشيرا إلى التصريحات التي تجعل من هذه الحرب “حرب الخير ضد الشرّ” عند طرف، و”حرب الفسطاطين” عند الآخر. إلا أن حرب الأفكار كما حرب الإيديولوجيات تفترض رؤية معينة للتاريخ، تفترض “منطقا للتاريخ” يتبين معناه واتجاهه فيحاول الدفع بحركته، والحال أنّ ما يبدو هو أنّ الأطراف جميعها لا تصدر عن إيديولوجيا تستهدف تغيير العالم، وتحقيق غاية التاريخ. فالأمر لا يتعدى محاولات متكررة للتسبب في عثراته من غير استهداف غاية و حقيق انجاز وقطع مسافات، اللهم إن اعتبرنا هدفا كونها تجعلنا نعيش حالة طوارئ مستديمة في انتظار عمليات قد تأتي وقد لا تأتي.