متى يشفى المسلمون من الجهل بالغرب؟

تتكامل الحضارات ولا تتصارع، فإذا كان هناك صدام ما في العالم العربيّ الإسلاميّ، فهو ليس بين الإسلام والغرب، بل هو صراع بين البربرية والمدنية، بين العائلة التي تتقدّم والعائلة التي تتأخّر، كما كان يقول الروائيّ الجزائريّ المقتول، الطاهر جاعوط.

يمكن الحديث عن غيظ أوحقد وحتى عن غيرة تجاه الغرب، أمّا اجترار كلام عن احتمال تصادم حضاريّ بين الإسلام والغرب، فهو من باب الإنشاء، لأنّ ذلك التعارض الموهوم إسلام/غرب، الذي يثقل المخيّلة الإسلامية، ما هو في حقيقة الأمر سوى وهم مصطنع يبتغى منه دغدغة ضمائر الوعي الشقّيّ المصدومة بضربات الحداثة الموجعة. إنّه ردّ فعل سحريّ ضدّ تفوّق الغرب الكافر الذي يحقّق الإنتصار المدوّي تلو الآخر، في كلّ ميادين الحياة.

إنّ هذا الرفض للغرب هو تبرير لعجز المؤمنين المريع وتراوحهم في مكانهم منذ قرون عديدة. فهل يمثّل الإسلام بديلا للغرب في المستقبل؟ نعم، تردّد العامة وتجاريها الخاصّة. “دع الناس مطمئنين في سباتهم أيها الرئيس، يقول زوربا لصديقه وربّ عمله، لا تفتح أعينهم! إذا فتحت أعينهم فماذا سيرون؟ بؤسهم. إذن دعهم يستمروا في أحلامهم!”

أعتقد أنّ الطرق لا تؤدّي كلها إلى اللّحاق بركب الحضارة، كما تقول العبارة الصدئة. فطرق الحداثة ليست عديدة. إنّها غربية، شئنا أم أبينا. والغرب ليس تشكيلة ثقافية عادية فحسب وإنما هو الزمكان الذي طغى عليه استعمال العقل أكثر من أيّ زمكان آخر. لم يترك العقل صنما واقفا ولا سلطة ولا تقليدا.. عاش هذا الغرب تغييرا نوعيا لم يعرف له تاريخ الحضارات مثيلا. لقد أنجب الغرب ‘أغوالا’ ولكنه أبدع أيضا نظريات سمحت بتهديمها وتجاوزها.

لكن، لماذا تضعه النخب العربية والمسلمة دوما في قفص الإتهام؟ أليس تبريرا للفشل المتتالي وللخيبات المنتظرة؟ وما دهاها تلك الجماهيرالمكفهرة التي نشاهدها على شاشات التلفزيون، ترغي وتزبد لأتفه الأسباب، شاهرة الخناجر والمصاحف في وجه الغرب، ذاك الذي تأكل من حقوله وتلبس من نسيجه وتتنقل على مركوبه وتتعافي بأقراص مختبراته..؟حتّى ذاك المهاجر الذي وجده الغرب عاريا فكسى ووجده جائعا فأطعم وهائما فآوى، عقد العزم على عضّ اليد التي أخرجته من ظلمات بلاده إلى نور الحداثة.

ألا يعوّض هؤلاء حرمانهم بمعاداة مرضية لقيم الحداثة الذهنية والرمزية؟ التي هي في سيكولوجيتهم، ليست متناقضة مع التقاليد الإسلامية فحسب، وإنما هي في حرب صليبية ضد كل ما هو إسلاميّ.

تسعى النخب المتأسلمة ممتطية عبارة إسلام/غرب كثنائية فصل تقابليّ إلى عقد تعارض أبديّ بين الحداثة والعالم العربيّ الإسلاميّ. تختلق غربا واحدا موحّدا، لا يفتأ في يتآمر على العرب والإسلام والمسلمين. لم تسلم حتى العلوم والفلسفات وعلوم النفس والمجتمع من التشويه، فقد وُضعت في نظر الدهماء المتعلمين لمحاربة دين الإسلام. فماركس وداروين وفرويد..، ما هم إلا يهود خيبر جدد في خدمة المشروع اليهوديّ الصهيونيّ.

يتكاثر في جامعات العرب والمسلمين ما يسمى بمعارض إسلامية، يقرأ فيها الطلاب والزائرون ما لذّ وطاب من سبّ وقدح للفكر الأوروبيّ، قديمه وحديثه. تندّد نصوص على الجدران بفكر نيتشة وهيغل وروسو وسارتراللعين.. شعارات تحذرالطلاب من مغبة السقوط في جحيم الأفكارالمستوردة من الغرب المفلس. تختزل فلسفات برمتها في جملة أو جملتين، مكتوبة باللون الأخضر، لون الجنّة.

أستغرب تلك السهولة وأستنكر تلك السذاجة التي يتنازل بها المسلمون للغرب عن تراث الإنسانية كله. فليست الحداثة ثقافة أحد بالذات أو ملكا لأحد دون سواه، هي مشروع نظريّ، تاريخيّ، مفتوح. وبناء على ذلك لا يمكن بأيّ حال من الأحوال أن يكون التناوب على الحكم وحقوق بني آدم وأدمية النساء وحقّ الإنسان في امتلاك جسده وحرية الإيمان بالله أو عدمه وترك دين واعتناق غيره والحقّ في الإستمناء…مقصورة على الغرب وحده. إنها بديهيات لا تحتاج تبريرا لقبولها والعمل بها.

يرتكب رئيس فرنسا السابق، جاك شيراك، جرما كبيرا في حقّ الإنسان العربيّ عندما يِِؤكّد في خطاب ألقاه في جامعة القاهرة سنة 1999 أنّ فرنسا تعترف بخصوصية ‘حقوق الإنسان’ في الوطن العربيّ. وقد جدّد هذا الجرم في زيارة إلى تونس حينما اعتبر الخبز أهمّ من الحرية، في الوقت الذي كان فيه بعض التوانسة يضربون عن هذا الرغيف دفاعا عن حرياتهم على بعد كيلومترات من مكان إقامته في تونس الخضراء!

لا توجد حقوق إنسان ملغاشية أو إسبانية أو عربية. هناك حقوق للإنسان، لم يبتدعها مشرّع ولم يتكرّم بها أحد على المواطن، بل هي، اليوم، حقوق تتمتّع بوجود قانونيّ مسبق.لا تفاوض حولها، وما على المشرّع إلا احترامها، في كلّ زمان ومكان، لأنّها قيم عليا سابقة عن وجوده. لا أقبل أبدا أن يُعقد استفتاء أو تقام بيعة أو تجرى انتخابات لإعطائي حريّتي أو حرماني منها. حريّتي أسبق من عقائد فلان وفتاوى فلتان..

لماذا يتبنّى المسلمون بيسر وسرور الجيل الرابع من الهواتف الخلوية ويعسر عليهم هضم الجيل الأول من حقوق الإنسان، بدعوى أنها غربية؟!