
ربّما لا تحتاج الأمور إلاّ إلى شيء من التعجّب من دواعي البريطانيين إلى تشكيل محاكم إسلاميّة أو تغيير إحدى الجامعات لتسمية أيام العطل أو مطالبة الكنيسة الأنغليكانيّة الفاتيكان بالاعتذار لداروين. ولكن لا شيء يضمن ألاّ ينقلب هذا التعجّب إلى مخاوف أو استنكار أو جدل عميق بدأت بعض ملامحه تتشكّل منذ أن أعلنت هذه القرارات. ولكنّ الثابت أن هذه التفاصيل الصغيرة، نسبيّا، تحتاج إلى تشقيق ونظر ليزول التعجّب أو تضمحلّ المخاوف أو يساق الجدل دون أن يخرج عن مساقه الحقيقيّ ورهاناته الكبرى.
يقول الخبر الأوّل، وهو أقلّها وقعا لطابعه الرمزيّ، إنّ إحدى الجامعات، وتحديدا جامعة “يوكشاير كوست”، قد تخلّت عن تسميتي عيد الميلاد وعيد الفصح في ضبط العطل الجامعيّة لتعوّضهما بعبارة ” نهاية الفصل الدراسي”. وبُرّر هذا القرار بتجنّب الإساءة إلى أصحاب الديانات الأخرى من الطلاّب والعمل على مزيد الإدماج واحترام التنوّع حتّى لا يبقى مجال، ولو اعتباريّ، للتمييز بين الأعراق والأديان وإن كانت أقلّيّة.
أمّا الخبر الثاني، وهو أشدّ وقعا وأدعى للذهول لدى العلمانيين العرب والمسلمين على الأقل، فيتّصل بموافقة الحكومة البريطانيّة على إنشاء خمس محاكم إسلاميّة تستند إلى أحكام الشريعة الإسلاميّة في انتظار إنشاء محكمتين أخريين لاحقا. وقد ضيّقت الحكومة البريطانيّة من مجال التطبيق بحصره في النزاعات الماليّة والعنف الأسري والخلافات الزوجيّة وقضايا الطلاّب. والواقع أنّ هذا القرار كان منتظرا منذ أن أعلن روان وليامز رئيس أساقفة كانتربري قبل سبعة أشهر تقريبا، بأن الاحتكام إلى الشريعة الإسلاميّة أمر لا مناص منه في المستقبل. وها أنّ ما قاله قد تحقّق رغم ما أثاره آنذاك من ردود فعل لا تخلو من حدّة خصوصا حين انضافت إلى ذلك إجازة رئيس القضاء البريطاني في بداية الصائفة المنقضية تطبيق الشريعة الإسلاميّة في مجال الأحوال الشخصيّة والخلافات الماليّة.
وعلى صعيد آخر مختلف عن السابق وإن كان متصلا بالشأن الديني المسيحي الداخلي، أوردت وسائل الإعلام الطلب الذي تقدّم به إلى الفاتيكان رئيسُ الشؤون العامّة للكنيسة البريطانيّة في خصوص ضرورة الاعتذار رسميّا عما صدر عن الفاتيكان ضدّ أفكار صاحب نظريّة النشوء والارتقاء شارل داروين تقديرا لجهده العلمي في القرن التاسع عشر وسوء فهم الكنيسة لأبحاثه ونظريّته وافتراضاته. وكان ردّ الكنيسة الكاثوليكيّة الرومانيّة الرفض المطلق لهذا الطلب وتمسك الفاتيكان بموقفه المناهض لهذه النظريّة المخالفة للتفسير الديني للخلق.
ولئن كان تغيير تسميات العطل يمثّل تخلّيا واضحا عن التحديد الديني للمناسبات العامة العابرة للأديان الشاملة للمواطنين بصرف النظر عن ثقافتهم، فإنّ السماح بإنشاء محاكم إسلاميّة يبدو مناقضا للقرار السابق بما يتضمّنه من تأكيد للهوّيات الدينيّة. إلاّ أنّ الخيط الرابط بينهما إنّما هو السعي إلى الإجابة عن أسئلة يطرحها المجتمع البريطاني ربّما بحدّة لا نقدّرها نحن اعتبارا لما فيه من تعدّد إثني وديني وثقافي بموجب ارتفاع نسب الهجرة إلى بريطانيا العظمى حتّى أضحت أكثر دول الفضاء الأوروبي اكتظاظا. ولعلّ هذا ما يفسّر، إلى حدّ ما، عمل جامعة ” يوركشاير كوست ” على أن تكون محايدة دينيّا حيادا لا يغلّب دين الأكثريّة على حساب أديان الأقلّيات بما يخلق، في اعتقاد أصحاب القرار، ضربا من التمييز قد يفسد أساليب التخاطب والتواصل داخل هذه الجامعة ويضرّ بسياسة الإدماج والقبول بالاختلاف والتنوّع فيها.
وربّما صلحت هذه الحجّة، ولو نسبيّا، لتفسير موافقة الحكومة البريطانيّة على وجود محاكم إسلاميّة رغم الرّهاب من ” الإرهاب الإسلاميّ “. فلا مبرّر واقعيّا لعدم وجود مثل هذه المحاكم والحال أنّ بريطانيا قد شّرعت منذ أكثر من قرن لوجود محاكم يهوديّة مازالت تمارس، إلى اليوم، صلاحيّاتها في فضّ النزاعات بين أبناء الجالية اليهوديّة.
ولكنّ المسألة أدقّ من ذلك بالنسبة إلى النظام القضائيّ البريطانيّ عامّة. فلا وجود لفصل، على النمط اللائكيّ الفرنسيّة، بين الدين والدولة فمازال القسم على التوراة مثلا معتمدا في المحاكم البريطانيّة إضافة إلى أنّ القانون البريطانيّ، كما هو معلوم، قائم على الأعراف والسوابق القانونيّة التي تبنى عليها المحاجات القضائيّة والمشاورات المفضية إلى الأحكام أكثر من قيامه على المدوّنات. فما المانع بحسب هذا المنطق وهذه التصوّرات من اللجوء إلى محاكم مخصوصة كلّما تعلّق الأمر بقضايا تخصّ جاليات بعينها كاليهود والمسلمين مثلا مادام فضّ النزاعات بالحسنى أمامها وعبر آليّة التحكيم ممكنا؟
ولكنّ هذا الفهم لا يمنع من طرح تساؤلات جدّية تمثّل بعض دواعي التخوّف لدى قطاع عريض من الطبقة السياسيّة والفكريّة البريطانيّة من تبعات قرار من هذا القبيل. فإذا تركنا مبدئيّا مسألة وحدة القضاء المعبّر عن وحدة المواطنة والمساواة بين الجميع بقطع النظر عن الجنس والعرق والدين وجميع الانتماءات الممكنة فما العمل في مسائل من صنف ضرب المرأة والميراث والطلاق وتعدّد الزوجات …إلخ . وهذه بعض المسائل الخلافيّة التي لا يتوافق فيها الفقه الموروث السائد مع ما هو مكرّس في المواثيق والمعاهدات الدوليّة.
إنّ رمزيّة تغيير أسماء الأعياد من جهة انعكاساتها على مصير الناس لا تقارن بأيّ وجه من الوجوه مع خطورة تمكين من يستندون إلى نصوص محنّطة تزعم القداسة من الفصل في نزاعات الأحوال الشخصيّة أساسا والتحكّم في مصائر النفوس بما لا يوافق ما توصّل إليه الذكاء البشريّ.
ومن ناحية أخرى لا تتأتّى عندنا طرافة طلب الاعتذار لداروين من المسألة في حدّ ذاتها بقدر ما تتأتّى من أهمّية بعض ما يدور في اللاهوت المسيحيّ من قضايا كلاميّة وكيفيّة مقاربتها. فبقطع النظر عن تفاصيل المسألة وموقف الكنيسة البريطانيّة والفاتيكان وبصرف النظر عن موقفنا الشخصيّ من نظريّة داروين وما طوّره منها الداروينيّون الجدد فإنّ اللافت في المسألة حقّا هو طرافة الحجج المقدّمة. فالكنيسة البريطانيّة إذ تعتذر لداروين فإنّها قد أسّست اعتذارها على قاعدة مفادها أنّ الدين الحسن لا يمكنه أن يعارض العلم الحسن فهما صنوان كما كانت الشريعة الأخت الرضيعة للفلسفة في التصوّر الرشديّ. ولكن حجّة الفاتيكان لا تقلّ قيمة عن هذه الحجّة. فقد سبق للبابا بانديكت السادس أن كتب بحثا في المسألة توصّل فيه إلى أنّ نظريّة داروين على ما فيها من جهد لا ترقى إلى مستوى النظريّة العلميّة لأنّها غير قابلة للبتّ فيها تجريبيّا فهي مبنيّة على الاحتمال لا اليقين.
فبأيّ آلاء البريطانيّين نكذّب؟ أبتمسكهم بالاندماج وتمكين الأقلّيات الثقافيّة من حقوق لم تكن تحلم بها في بلد المنشإ؟ أم بدفاعهم عن دين لا يناقض نتائج العلوم؟ أم بسعيهم إلى المساواة بين الأقلّيات رغم المخاطر والمخاوف وردود الفعل المشروعة المفهومة؟ وأين منهم ما تعيشه أمّة المسلمين من برد اليقين وطمأنينة الضمير وتماسك الهوّيّة العجيب تماسكا يجعلها كالبنيان المرصوص لا يأتيها الباطل لا من خلفها ولا من أمامها بل لا يأتيها من الجهات الستّ جميعا. فلنا ولله الحمد عيدان لا تبديل لهما ولا إضافة خصوصا إن كانت للسان فالانتين وما شابهه، ولنا شريعة واحدة خالدة تنطبق على الجميع تبدأ من قطع يد السارق إلى رجم الزاني والزانية لتصل إلى حق ّ الرجل في ضرب المرأة وإن كان ضربا غير مبرّح وحقّه المكفول بالنصّ الواضح الظاهر في أن يكون له من الميراث مثل حظ الأنثيين وغير هذا من ضروب المعاملة المهينة للذات البشريّة حسّا ومعنى.
أمّا نظريّة داروين ومن والاه من أهل الكفر الذين سيبدّلهم اللّه قردة خاسئين فلا حاجة لمناقشتها ولا وجه للبحث فيها بما أنّها من صنع نفوس مريضة وهي لم ترد في الكتاب الذي يتضمّن كلّ شيء بحول اللّه فلو شاء ربّك لذكره ومادام لم يذكر فهو غير موجود.
أو تريدون منّا أن نستبدل نار الشكّ ببرد اليقين ؟ أو تريدون اضطراب النفوس بديلا عن ثبات النصوص؟