
ثمّة وهم خطير في الوعي السياسي يتعلق بفهم النظام الشموليّ، أو نظام الاستبداد المحدث، فالخطاب السياسيّ لا يزال يستخدم مفهومي الاستبداد والشمولية على أنهما مرادفان لمفهوم الدكتاتورية، وشتّان ما بين كلّ واحد من هذه المفاهيم الثلاثة والمفهومين الآخرين.
في الربع الأول من القرن الماضي وضع عبد الرحمن الكواكبي كتابه الشهير “طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد” بيّن فيه طبائع الاستبداد ومفاسده وشروره وآثاره في حياة المحكومين. ورأى أنّ الاستبداد هو مصدر جميع المشكلات التي كانت تعاني منها المجتمعات والشعوب العربية والإسلامية، وأنّ الاستبداد السياسيّ كان مقروناً على الدوام بالاستبداد الدينيّ، يتغذّى كلّ منهما من الآخر ويغذّيه، وأنّ الاستبداد نظام أو بينية هرمية، هرم على رأسه مستبدّ كبير، وبقية الهرم، ممن تحت القمة إلى القاعدة، مستبدّون صغار (متمجّدون بمجد المستبدّ) من دونهم لا يكون استبداد ولا يكون مستبدّ. إذاً لا وجود للاستبداد ولا وجود لمستبد كبير من دون هذا الهرم من المستبدين الصغار، ومن دون علاقات الاستبداد، التي هي بالأحرى علاقات تبعية وولاء شخصيين أو عرقيين أو مذهبيين، أو كل هذه مجتمعة، تقابلها امتيازات متفاوتة بحسب موقع كل مستبد صغير في هرم الاستبداد.
الاستبداد المحدث أو النظام الشمولي هو الآخر بنية هرمية، ولكنها مختلفة جذرياً عن بينية الاستبداد القديم، إذ تتربع على رأس الهرم قيادة الحزب الثوري أو مجلس قيادة الثورة، وعلى رأس هذا أو تلك يقف الأمين العام، القائد التاريخي الملهم أو القائد الضرورة، وعلاقات الولاء هي في المقام الأول علاقات الولاء الحزبي، الأيديولوجي السياسي، والانضباط الحزبي الحديدي، وهذه تتضمن سائر علاقات الولاء الأخرى وتمنحها مظهراً حديثاً، أو شبه حديث، تحكمها آليات “الخوف من الحرية”، بحسب درجة تأخر المجتمع. علاقات التبعية والولاء كانت علاقات موضوعية صريحة في نظم الاستبداد القديمة، أما في النظم الشمولية فالتبعية هي تبعية ذاتية مقرونة بالحماسة والتعصب الحزبي والتطرف الأيديولوجي والحمية الثورية ضد أعداء الحزب، سواء كانوا من داخل الحزب أو من خارجه. هذه الحمية هي أساس علاقات الشك والارتياب وأساس نظام الوشاية، الذي تنتجه هذه العلاقات. الوشاية واجب تمليه ضرورة الدفاع عن الثورة، وشرط ضروري للارتقاء إلى المراتب العليا والحظوة بامتيازاتها، وهي حظوة مشروطة بالولاء الشخصي أو ما في منزلته من الولاءات الأخرى المعروفة.
الولاء الخالص للثورة ولمن يجسدها أو لمن تتجسد الثورة في شخصه شرط ضروري، ولكنه غير كاف، إذ يحتاج إلى البرهنة عليه يومياً بالقول والعمل. التنافس يغدو تنافساً في التعبير عن الولاء، يتوسل بجميع الوسائل الممكنة، ومنها إظهار الكراهية والعداوة لكل من يناهض أهداف الثورة أو يعارض الحزب، ولو كان من الأهل والأقربين أو من الأصدقاء.
تجدر الملاحظة هنا أن هرم الاستبداد المحدث لا يضم جميع أعضاء حزب البعث العربي الاشتراكي وجميع أعضاء أحزاب الجبهة الوطنية التقدمية الأخرى، بل يقتصر على نسبة ضئيلة جداً من هؤلاء الذين تناط بهم مهمات قيادية وتنظيمية وتثقيفية وتعبوية وإعلامية وإدارية وسياسية وأمنية … ومهمات عملية مختلفة، في جميع المجالات، وتتألف منهم “الحركة التوتاليتارية”. أما بقية أعضاء هذه الأحزاب ومعهم المؤيدون والأنصار والأتباع فيؤلفون جماهير الحركة التوتاليتارية وخزانها البشري الاحتياطي، الذي لا ينضب. لذلك كانت الظاهرة الجماهيرية ظاهرة ملازمة للنظم الشمولية. ولعلها مفارقة لافتة للنظر أن الحركة الشمولية تستقطب فئتين متناقضتين من الفئات الوسطى: النخبة المثقفة (كتاب وصحفيون وفنانون ومحامون ومهندسون ومعلمون ..) وفقراء المدن والأرياف، وتدمجهما في بنيتها، فتصيران جزءاً عضوياً من هرم الاستبداد.
لذلك نعتقد أن “جماهير” حزب البعث العربي الاشتراكي وأحزاب الجبهة الوطنية التقدمية الأخرى جزء أساسيّ، بل الجزء الأساسيّ من الجسم السياسي السوري، والجزء الأساسي من الحركة السياسية ومن قوى النضال الديمقراطي المؤمل بناؤها. ولا يجوز أن نغفل عن واقع أن أحزاب المعارضة أيضاً أحزاب شمولية، تتألف من قادة وجماهير، بل من قادة معصومين وجماهير مؤمنة. وعلاقاتها الداخلية هي، بالأحرى، علاقات تبعية وولاء وخضوع وامتثال. ونعتقد أن المعارضة الديمقراطية تخطئ خطأ قاتلاً إذا لم تميز هرم الاستبداد المحدث وهوامشه من الجماهير الحزبية الموالية للسلطة وهوامشها، وإذا لم تقم بإعادة بناء علاقات سياسية سليمة بهذه القوى السياسية المهمة، لإخراجها من الحالة الجماهيرية، حالة التبعية والانقياد والعزوف واللامبالاة والخوف من الحرية. المشروع الوطني الديمقراطي، على هذا الصعيد، هو مشروع تنوير فكري وثقافي وسياسي، ومشروع استنارة عقلية، لا يمكن إن يتقدم إلا بقدر ما تتقدم عملية تحرير العقل والضمير من أي وصاية ومن أي سلطة ومن أي استبداد أو تفرد بالرأي.
ونعتقد أيضاً أن المعارضة السورية تخطئ خطأً قاتلاً حين يظن بعضها أو يقدّرون أن النظام القائم نظام طائفيّ وأن السلطة القائمة سلطة طائفية. الذين يظنون مثل هذا الظن أو يقدرون مثل هذا التقدير، انطلاقاً من مشاعر طائفية ساذجة ومن بعض المظاهر الخادعة، التي تستثير هذه المشاعر أو تستفزها، لا يعرفون ما هو النظام الشمولي أو الاستبداد المحدث؛ ولا يعرفون كيف تعمل آليات “الخوف من الحرية” 1، في الحركات الشمولية في البلدان المتأخرة، التي تعيش نوعاً من تطور رأسمالي مشوه ومبتور، وتهيمن فيها أيديولوجيات مذهبية وطائفية وإثنية. ولا يدركون أيضاً أن هذه الآليات تعمل بالطريقة ذاتها في أحزاب المعارضة. وإن ما يظنه قصار النظر نظاماً طائفياً وسلطة طائفية هو في حقيقة الأمر نتيجة تفسخ البنى الطائفية التقليدية وإعادة إنتاج علاقاتها في البنى التي يفترض أنها بنى حديثة، ولا سيما الأحزاب الثورية. وإذا كان مفهوماً أن تنظر الجماعات الإسلامية إلى النظام هذه النظرة الطائفية، بحكم أيديولوجيتها المذهبية، فليس مفهوماً وليس مقبولاً أن يتبنى بعض العلمانيين النظرة ذاتها. ونميل إلى القول إن أي مقاربة من هذا النوع ليست مقاربة سياسية، وليست مقاربة وطنية، بل مقاربة طائفية تنم على التباس الوعي السياسي، لدى أصحابها، بالوعي الطائفي، وتنم في الوقت ذاته على العناصر المذهبية والإيمانية في الأيديولوجية القومية خاصة. هذه العناصر هي التي تفسر “وحدة” القوميين والإسلاميين، منذ بداية ما سمي “الصحوة الإسلامية” وانغماس معظم المثقفين “العلمانيين” واليساريين في التراث.
الاستبداد القديم كان يحافظ على بنى المجتمع التقليدية التي أنتجته والتي تحمل بذور إعادة إنتاجه، (العشائر والمذاهب والطوائف الدينية والجماعات الإثنية وطوائف الحرف والتجار والمراتب الإقطاعية) ويمتص من قوتها ما يكفي لإعادة إنتاج ذاته؛ أما النظام الشمولي فيخترق جميع بنى المجتمع، بما فيها البنى الدينية، المذهبية والطائفية، ويعيد تنسيقها، وذلك بتفكيك جميع التضامنيات والمتحدات، بدءاً من الأسرة وصولاً إلى الطبقة الاجتماعية أو الفئة الاجتماعية، وربط كل فرد من أفرادها بالجهاز بصورة أو بأخرى، سواء من خلال الحزب أو من خلال المنظمات الشعبية الرديفة أو من خلال أجهزة الأمن، فيغدو المجتمع كحبات الرمل لا يربط بينها أي رابط سوى المكان وتحركها قوى خارجة عنها لا حول لها إزاءها ولا طول. النظام من هذه الزاوية عادل جداً في توزيع القمع وفي توزيع الفقر على جميع فئات المجتمع، التي غدت بنى موازية لبنى السلطة. (زعماء العشائر والطوائف وخطباء المساجد والدعاة والوجهاء الجدد ومعظم القدامى أيضاً ورؤساء غرف الصناعة والتجارة ورؤساء النقابات، وقادة الأحزاب، كالمديرين العامين والوزراء ورؤساء أجهزة الأمن، يقومون، في وقت واحد، بنقل قرارات القيادة الحكيمة وتوجيهاتها إلى رعاياهم وتابعيهم ومريديهم وجماهيرهم ومرؤوسيهم، ويقومون بتعبئتهم وتحشيدهم للمشاركة في “الأعراس” والمهرجانات والاحتفالات والمؤتمرات والمسيرات التوتاليتارية، ويضبطون حركتهم على إيقاع الحركة التوتاليتارية، ويرقصون معاً على قرع طبولها. فعن أي سلطة طائفية يتحدث الطائفيون؟!)
النظام الشمولي لا يقوم ولا يستمر إلا على أشلاء المجتمع. عملية التفكيك والتذرير، التي عطلت آليات دفاع المجتمع عن ذاته، لا تقتضي إطلاق آلية معاكسة فحسب، بل تقتضي إعادة تشكيل القوى الاجتماعية، وإعادة توزيعها، من طريق تأسيس وبناء ما يمكن تأسيسه وبناؤه من منظمات المجتمع المدني المستقلة والقادرة على القيام بوظائفها الاجتماعية، وإعادة الاستقلال للمنظمات التي تسيطر عليها السلطة، ضمن رؤية وطنية ديمقراطية تهدف إلى إعادة بناء الوحدة الوطنية. وذلك غير ممكن إلا بإعادة الاعتبار لعملية الإنتاج الاجتماعي وتحرير الاقتصاد الوطني من هيمنة المافيات النهابة والسمسارة، التي أمعنت في تخريبه وعاثت فيه فساداً. إن تسييس، بل تحزيب، منظمات المجتمع المدني المستقلة، غير الحزبية، كالجمعيات والنوادي والنقابات ومنظمات الشباب والنساء وغيرها، هو أساس الظاهرة الجماهيرية.
يطلق الباحثون على المجتمع الذي ابتلي بالشمولية صفة “مجتمع بلا طبقات”. مثل هذا المجتمع ليس فيه لا حياة سياسية ولا حياة ثقافية ولا نظام أخلاقي. بعض أشخاص السلطة صادقون جداً حين يقولون: “ليس في سورية معارضة”، هذا أمر بديهي، لأنه ليس في سورية حياة سياسية. وليس في سورية مثقفون معارضون، سوى عدد قليل جداً من “المخبولين” أو “العملاء”، لأنه ليس فيها ثقافة، سوى “الثقافة الجماهيرية”، وما أدراك ما الثقافة الجماهيرية، ثقافة رعاع الريف وحثالة المدن.
فرادة النظام الشمولي وجدته تكمنان في بنيته التناقضية، التي تجمع بين النظام بلا قوانين والنظام الخاضع للقوانين، وبين السلطة “الشرعية” والسلطة الاعتباطية، إنه نظام لا ينفك يضع القوانين ولا يحترمها، ولا تنفك السلطة الاعتباطية تعمل تحت غطاء السلطة “الشرعية”. إنه نوع من النظم التي مبدؤها: كل شيء ممكن، لا شيء مستحيل. العمل بموجب القانون ممكن، انتقائياً واستنسابياً. وتجاوز القانون واللعب به وعليه ممكنان بالقدر ذاته انتقائياً واستنسابياً أيضاً. لم لا نسميه مجازاً نظام حالة الطوارئ الدائمة والأحكام العرفية والقوانين الاستثنائية، من غير حرب أو قلاقل داخلية أو كوارث طبيعية؟! تلكم هي الحكمة الثورية من استمرار حالة الطوارئ على مر العقود؛ وذلكم هو السبب الذي يجعل رفع حالة الطوارئ والأحكام العرفية في منزلة زعزعة النظام وتهديد استقراره واستمراره.
المعتقد الشمولي (التوتاليتاري)، الثوري، بأن كل شيء ممكن لم يسفر سوى عن أمر واحد هو: كل شيء يمكن إفساده ويمكن تخريبه أو تدميره. تعبير “الحطام المفتوح”، الذي اشتقه الدكتور الطيب تيزيني عميق الدلالة ومطابق للواقع. بعض مظاهر هذا “الحطام المفتوح” لا يمكن تحملها، ولا يمكن محاسبة السلطة الشمولية عليها، ولا يمكن مسامحتها، ولا يمكن نسيانها، إنها نوع من “الشر المطلق” عصي على العقاب، وعصي على المسامحة، بتعبير حنة أرندت 2. المعتقد الشمولي، من هذه الزاوية، معتقد عدمي؛ مبدؤه هو العدم: عدم القانون، مقابل الإرادة (الذاتية)، التي تفرض قانونها على المجتمع، وعدم الحق مقابل امتيازات شخصية تمنحها الإرادة (الذاتية) لأشخاص بأعيانهم، وعدم الحرية مقابل الدفاع عن أهداف الثورة (الذاتية)، وعدم الأخلاق مقابل الاقتناع (الذاتي) للقيادة الحكيمة، ولعل هذا الأخير من أخطر أشكال العدم، لأنه يجعل من الجرائم، كالاختطاف والاعتقال والتعذيب والقتل والمجازر الجماعية فضائل ثورية، لأنها أوامر الإرادة الذاتية وتوجيهاتها الحكيمة، دفاعاً عن الثورة وأهدافها النبيلة “في الوحدة والحرية والاشتراكية”. إرادة ذاتية وأهداف ذاتية واقتناعات ذاتية. تلكم هي أسس المعتقد الشمولي، وأسس الفساد والإفساد.
الإرادة الذاتية الخالصة إرادة تعسفية واعتباطية ومدمرة، إذا لم تكن محكومة بإرادة عامة، ليس لها من اسم آخر سوى القانون. والأهداف الذاتية الخالصة، التي مصدرها العاطفة المشبوبة والشعور المتوفز والخيال المريض أهداف غير قابلة للتحقيق، إلا بتعسف الإرادة الذاتية واعتباطها وقوتها التدميرية. والاقتناعات الذاتية الخالصة، التي لا يقيِّدها نظام أخلاقي، اجتماعي وإنساني، تفضي إلى مساواة الجرائم الموصوفة والفضائل “الأخلاقية”، الذاتية، أو الفضائل الثورية. جميع الموبقات وجميع الجرائم وجميع القباحات والعيوب تصير مقبولة ومبررة، في ظل هذا الشر المطلق: الإرادة الذاتية المطلقة والأهداف المقدسة والاقتناعات الذاتية المطلقة. هذا الشر المطلق هو أخص خصائص الاستبداد المحدث. وهو شر لا يزال يلابس خير المعارضة السورية وفضائلها، لا يمكن التخلص منه أو تقييده إلا بجعل مشروعها الوطني الديمقراطي مشروعاً مجتمعياً، وبانغراسها هي ذاتها في متن المجتمع، لإعادة بناء العلاقة بين الفكر والأخلاق والسياسة.
الشواهد:
1 – راجع أريك فروم، الخوف من الحرية.
2 – راجع كتاب حنة أرندت “أسس التوتاليتارية” ترجمة أنطوان أبو زيد، دار الساقي، بيروت، 1993. ص 240. والكتاب من أهم الكتب التي عالجت النظام الشمولي . وراجع أيضاً كتاب الدولة التسلطية في المشرق العربي للدكتور خلدون حسن النقيب.