11 سبتمبر بعد سبع سنوات : أيّ أسئلة وأيّ موقع نقديّ (13) نعوم شومسكي : الغرب على درجة بالغة من المسكونيّة في اختيار أعدائه(2/2)- ترجمة: محمد الشيباني

هل بإمكانكم أن تقولوا كلمة أخرى بخصوص تواطؤ المصالح السريّة الأمريكيّة ودورها؟





لا أفهم جيّدا هذا السّؤال، فما من شكّ في أنّ الهجمة مثّلت صدمة ومفاجأة عظيمتين بالنسبة إلى مصالح الاستخبارات السريّة الغربيّة بما في ذلك المخابرات الأمريكية. وإذا كان لوكالة الاستعلامات الأمريكية دور، بل دور حاسم، فقد كان ذلك خلال الثمانينات عندما انضمّت إلى المخابرات في باكستان وفي غيرها من البلدان (العربيّة السّعوديّة، بريطانيا العظمى إلخ….) لتجنيد الإسلاميين الأكثر تطرّفا وأصولية وتدريبهم وتسليحهم، وقد أمكن العثور عليهم في نهاية المطاف بغية القيام بـ “الحرب المقدسة” ضدّ الغزاة الروس في أفغانستان.




وأهمّ مصدر في هذا الصّدد أذكر كتاب “الحروب الآثمة” (Unholy Wars) لصاحبه “جون كولاي” (John Cooley) الكاتب والمراسل الصحفيّ الذي أقام مطوّلا بالشرق الأقصى. وكما كان متوقّعا تمّ إلى حدّ الآن بذل جهود هائلة لتطهير الذّاكرة وادّعاء أنّ الولايات المتّحدة الأمريكية كانت تقوم بدور الملاحظ البريء. وعلى نحو مفاجئ نجد بعض المجلاّت المحترمة (حتّى لا نتحدّث عن غيرها) تذكر على نحو خطر مسؤولين من وكالة الاستعلامات الأمريكيّة للـ “برهنة” على نتائج مطلوبة مسبقا في اختراق واضح لقواعد العمل الصحفي الأكثر أوليّة.




وعندما وضعت الحرب أوزارها في هذه المنطقة وجدنا “الأفغان” (وكثير منهم على غرار “ابن لادن” ليسوا أفغانا) يديرون رقابهم إلى مناطق أخرى : من ذلك الشّيشان والبوسنة حيث تلقّوا على الأقلّ دعما ضمنيا من الولايات المتّحدة الأمريكية. وهناك كان حسن الاستقبال لهم، وهذا ليس مفاجئا، من حكومات هذه المناطق. وفي البوسنة نال العديد من المتطوّعين الحقّ في المواطنة في اعتراف بأعمالهم العسكريّة (“كارلوتا غال”، نيويرك تايمز، 2 أكتوبر/تشرين الأوّل 2001 / .New York Times, 2 octobre 2001 Carlotta Gall).




وفي الأقاليم الغربيّة من الصّين حيث يكافح المسلمون الصّينيون للتحرّر من الهيمنة الصّينيّة، يبدو أنّ البعض منهم قد سبق  أن أرسلتهم الصين إلى أفغانستان منذ سنة 1978 للالتحاق بحرب العصابات التي تُشَنُّ ضدّ الحكومة القائمة. وفي فترة تالية وجدناهم يلتحقون بالقوات التي أعدّتها وكالة الاستعلامات الأمريكية إثر الغزو الروسيّ سنة 1979  الداعم للنّظام الذي نصّبته روسيا وساندته. وعلى نحو مماثل نصّبت الولايات المتّحدة الأمريكيّة حكومة في جنوب فيتنام ثمّ قامت بالهجوم على هذا البلد واجتياحه للـ “دفاع” عنه. كما نجد إسلاميين في جنوب الفليبين وشمال افريقيا ومناطق أخرى يهاجمون أعداءهم الرئيسيين : العربيّة السّعودية ومصر ودولا أخرى عربيّة. وخلال التسعينات هاجموا الولايات المتّحدة الأمريكية (يعتبر ابن لادن  أنّ الولايات المتّحدة الأمريكيّة قد اجتاحت العربية السّعودية كما هو شأن روسيا مع أفغانستان).


(…)



ما هي انعكاسات هذا على الشرق الأوسط ؟ وتحديدا على منطقة الشرق الأوسط ؟




لقد وجّهت الاعتداءات الفظيعة لـ 11 سبتمبر/ أيلول ضربة موجعة مريعة للفلسطينيين كما اعترفوا هم أنفسهم بذلك. وابتهجت اسرائيل بـ “الآفاق التي انفتحت ” لسحق الفلسطينيين هكذا دون عقاب بالتغاضي عن جرائمها. فبعد مرور أيّام قليلة إثر وقوع هجمات 11 سبتمبر/ أيلول دخلت الدبّابات الاسرائليّة المدن الفلسطينية، (جينين، رام الله، الضفة الغربيّة لأول مرّة ) وقتل العشرات من الفلسطينيّين، وتمّ إحكام القبضة الحديديّة بقسوة أكبر على هذا الشعب كما كان متوقّعا. وشهدنا مجدّدا الديناميكيّة المعتادة في تصاعد العنف وهي ديناميكية مألوفة في جميع أرجاء العالم : في إيرلندا الشمالية وإسرائيل وفي فلسطين وفي البلقان وغيرها من البلدان.




 كيف تحكمون على ردود فعل الأمريكيين؟ فلقد أعطوا فعلا انطباعا بأنّ موقفهم تميّز ببرودة الدم. ولكن كما ذكر “ساسكيا ساسن” (Saskia Sassen) في حوار أُجري معه : “نشعر الآن كما لو أنّنا نخوض حربا”.




لقد تمثّلت ردود الفعل الفوريّة في مشاعر الصّدمة والرعب والغضب والخوف والرغبة في الانتقام. إلاّ أنّ الرأي العام كان منقسما، كما نجد اتجاهات مضادّة لم تتأخّر لتظهر وتعبّر عن نفسها، واليوم نراها حاضرة في جميع التحاليل، كما هوالحال في مواقف صحف اليوم على سبيل المثال.




في حوار أدليتم به إلى صحيفة يوميّة مكسيكيّة “لا جورنادة” (La Jornada) قلتم إنّنا واجهنا نوعا جديدا من الحرب. فماذا تقصدون تحديدا ؟




يتعلّق الأمر بنوع جديد من الحرب للأسباب التي عرضتها في إجابتي عن السّؤال الأوّل : ففوّهات البنادق مصوّبة اليوم إلى الاتجاه الآخر وهذا شيء جديد تماما في تاريخ أوروبا وأبنائها.




هل إنّ العرب، وهم بالتحديد أصوليون بالضرورة، يمثّلون الأعداء الجدد للغرب.




ممّا لا شكّ فيه لا. وقبل كلّ شيء، لا أحد، ممّن له أدنى حدّ من المعقولية سيعرّف العرب باعتبارهم أصوليين. ثمّ إنّ الولايات المتّحدة الأمريكية والغرب على وجه العموم ليس لهم اعتراض على الأصولية. وبالفعل فإنّ الولايات المتّحدة الأمريكيّة تمثّل واحدة من الثقافات الأكثر تديّنا وتطرّفا وأصولية في العالم، وليس ذلك باعتبارها دولة وإنّما باعتبارها ثقافة شعبيّة. وفي العالم الاسلاميّ، وبغضّ النّظر عن دولة الطالبان، نجد دولة العربيّة السّعودية، الدولة الموالية للولايات المتّحدة منذ نشأتها، فالطالبان هم في الواقع أبناء النسخة السّعوديّة للإسلام.


إنّ الاسلاميين الرّاديكاليين أو المتطرّفين والذين يطلق عليهم عادة اسم “الأصوليين” كانوا الأبناء المدلّلين من الولايات المتّحدة في الثّمانينات لأنّهم كانوا أفضل القتلة في العالم. وفي تلك السّنوات ، كان العدوّ الرئيسيّ للولايات المتّحدة يتمثّل في الكنيسة الكاثوليكيّة التي ارتكبت في أمريكيا اللاّتينيّة أكبر خطيئة بـ “انحيازها للفقراء” وعانت كثيرا من هذا الجرم. إنّ الغرب على درجة بالغة من المسكونيّة في اختيار أعدائه. فمعاييره في ذلك هي الخضوع ومدى الخدمة المسداة للسّلطة وليس للدين. وتوجد شواهد كثيرة على ذلك.



                                        



 المصدر: Noam Chomsky : 11/9 Autopsie des terrorismes (Entretiens traduit de l’anglais par Hélène Morita et Isabelle Genet)   

 Ed : Le serpent à Plumes, Paris 2001. Chp : « Les fusils sont braqués

 dans l’autre sens » pp 11-24.                                                                                           

 

 نعوم شومسكي:”11/9 تشريح لضروب الإرهاب”. مجموعة من اللّقاءات الصحفية ترجمتها من الانجليزية إلى الفرنسيّة هيلان موريتا وإيزابيل جينيه) فصل: “فوّهات البنادق مصوّبة في الاتجاه الآخر” ص ص-11-24.