في الحاجة إلى فولتير

المعلوم أنّ القرن الثامن عشر في فرنسا هو قرن الأنوار.كما يعرف أيضا بـ”قرن الفلاسفة”. وأشهر هؤلاء “الفلاسفة” دون جدال هو جان-ماري أرويتArouet المشهور بفولتير (1694-1778) الذي سيرتبط اسمه بمقاومة الجهل والتعصب والدفاع عن حرية الرأي والتسامح إلى حدّ أنّ الجنرال دوغول لما نصحه أحد وزرائه إبان أحداث ماي 1968 بإلقاء القبض على جان بول سارتر نظرا لثأتيره المفترض على الثائرين قال قولة مشهورة: لا يلقى القبض على فولتير!”.

أما مناسبة العودة إلى الحديث عن هذا الفيلسوف الذي وسم القرن الثامن عشر بميسم الأنوار والتنوير فهو تخصيص مجلة الماكازين ليترير الفرنسية (عدد شهر سبتمبر 2008 )ملفا له تحت عنوان بالغ الدلالة: فولتير فيلسوفنا الجديد/فولتير هنا والآن.

والواقع أن نفس المجلة كانت قد خصصت ملفا لنفس الفيلسوف منذ أكثر من عشرين سنة (ع 238 فبراير 1987) يمكن نعته بالملف “الأكاديمي” الصرف (= دراسات “موضوعية” وموضوعاتية لحياة ومؤلفات فولتير). وخلال هذه الفترة المنقضية احتفلت فرنسا والعالم بالذكرى الثلاثمائة لميلاد فولتير،فصدر بالخصوص- مؤلف ضخم عن حياته (خمسة أجزاء) ، كما أعيد طبع وتدقيق مؤلفاته الكاملة (150 جزءا!).

والجدير بالذكر أنه في هذا الملف الأول للمجلة المذكورة وحول سؤال “ماذا بقي من فولتير؟” و رد الجواب التالي لرونيه بومو Pomeau(أحد المتخصصين الكبار في فكر فولتير إن لم يكن أكبرهم):”بقي الأهم،أي الرسالة وهي على مستوى عال.وأنا أعني بالرسالة النضال من أجل الحريات، الحريات الثقافية والدينية و السياسية،النضال من أجل العقل،من أجل حقوق الإنسان،من أجل التسامح،ويكفي تعداد هذه الكلمات التي هي كلمات/برامج لفولتير حتى نتنبه لراهنيتها.إنها تفرض نفسها اليوم كتأنيبات وكمؤاخذات.إنها تمثل مثلا أعلى هو إلى هذا الحد أو ذاك ليس في المتناول في العالم الذي نعيش فيه.التعصب صار يسمى أصولية ويعنيان نفس الشيء.ويمكننا من خلال قراءة صحف كل يوم اكتشاف فضائح وأمور مخزية ينقصنا فولتير القرن العشرين من أجل التصدي لها.”

ويمكن –من جهتنا- الجزم بأن الملف الجديد حول فولتير (فولتير فيلسوفنا الجديد/فولتير هنا والآن) هو إعادة صياغة لما يمكن التعبير عنه ب”الحاجة إلى فولتير “. إذ منذ “التقديم” يتم تنبيها إلى ما يلي: ” هذا العالم الذي قذف فيه كانديد [بطل فولير الشهير] وسط الحروب والزلازل هو العالم الذي تقدمه لنا الجرائد كل صباح”.ومن هنا لا غرابة أن يلجا كتاب معاصرون إلى شخصية كانديد جاعلين منها “محور” أو “بطل” كتابات سردية معاصرة (المقال المعنون ب”كانديد وحواريوه”).بل هناك ما هو أكثر إثارة: إن قصة “كانديد” تمثل نوعا من “اعترافات” فولتير و كتابة مركزة لسيرة حياته الفكرية (المقال المعنون ب”اعترافات فولتير”): فمثل كانديد ، عاش فولتير تجربة إيمان فلسفي تفاؤلي خالص سيوقظه من دوغمائيته زلزال ليشبونة (1755) وخبراته الحياتية المتتالية المتراوحة ما بين نجاحات مفرحة (قضية كالاس) وإخفاقات مؤلمة (المراهنة على المستبد المستنير من نموذج فريدريخ الثاني).وسينعزل فولتير في سكناه على الحدود السويسرية-الفرنسية في نوع من تطبيق الشعار الذي رفعه كانديد نفسه في آخر مطافه الحياتي/الفلسفي: cultiver son jardin !

وحذار من سوء الفهم والتأول هنا: فالأمر لا يتعلق البتة بانسحاب من الحياة العامة والانطواء على الذات الفردية ولكنه إعادة للتموقع إزاء “أوهام” و”مطلقات” كبرى وانخراط في أعمال “صغرى” و”محددة” بل محدودة ولكن ملموسة ومؤسسة وفعالة.فهمة فولتير لم تفتر البتة عن محاربة ما كان يدعوه ب”العار”L’Infame أي التعصب الديني( عنوان الجزء ما قبل الأخير من سيرة حياته عنوانه بالضبط: امحقوا العار!).وهذا ما يمكن اعتباره جوهر نضال فولتير السياسي والفلسفي.و من هنا طابع الاستمرارية في هذا النضال: ف”جرح التعصب ما يزال مفتوحا”( عنوان مقال منشور في الملف الجديد).

” أبدا لن يبلغ فساد الطبيعة دركه الأسفل إلا إذا تسلح الجهل بالسلطة”:هذا ما هتف به فولتير وهو يهرب من فرنسا المحكومة بنظام استبدادي مطلق إلى انكلترا التي كانت تخطو أولى خطواتها الديمقراطية.واليوم “تقدم” العالم كثيرا بحيث انتصرت الديمقراطية في فرنسا و ترسخت في انكلترا وعم نظامها الكثير من بقاع المعمور.لكن هل يمكن التأكيد تماما بأن “العار” …عار الجهل والتعصب واللاتسامح قد محق محقا؟ يكاد نوع من الجواب التشاؤمي يفرض نفسه هنا فرضا.وعليه،فالإنسانية لم نخرج البتة من عصر التنوير ولكننها تدشن قرنا حديدا في مسار تنويري جديد …هو شاق و طويل.ومن هنا ما تزال الحاجة ماسة إلى فولتير… و أمثاله!

نص مختار:

صلاة/دعاء

ليس البشر هم من أخاطب، ولكن أنت، يا رب كل الكائنات والعوالم والأزمنة: فإذا كان مسموحا لمخلوقات ضعيفة وضائعة في الكون الفسيح أن تتجرأ وتسألك شيئا أنت الذي وهبت كل شيء وأحكامك ثابتة وخالدة،فأسألك أن تتكرم وتنظر بعين الرأفة إلى الأخطاء العالقة بطبيعتنا، فلا تكون هذه الأخطاء سبب رزايانا.فأنت-يا رب- لم تهبنا البتة قلوبا نكره بها بعضنا البعض، ولا أيادي يخنق بها أحدنا الآخر، فيسّر ،يا رب، أن نتعاون جميعا من أجل تحمل عبء حياة صعبة وعابرة،وأن تكون الاختلافات الطفيفة في الثياب التي نستر بها أجسادنا الفانية،وفي لغاتنا الناقصة، وفي عاداتنا السخيفة، وفي قوانينا غير الكاملة، وفي آرائنا الخرقاء، وفي شروط [عيشنا] الفائقة التفاوت في نظرنا والمتساوية في نظرك، [يسر يا رب] ألا تكون هذه الفروق الصغيرة التي تميز الذرات التي اسمها البشر إشارات على الكراهية والاضطهاد، ويكون الذين يشعلون شموعا في عز النهار من أجل تمجيدك [قادرين] على تحمل أولئك الذين يكتفون وحسب بنور شمسك،ويكون الذين يغطون كساويهم بنجوم بيضاء ليعلنوا محبتك غير كارهين أولئك الذين يعلنون نفس الشيء لكن من تحت معاطف صوفية سوداء، وتكون عبادتك هي نفسها سواء بلسان عصي منحدر من لغة قديمة أو بلسان جديد (…) ليكن في مقدور الناس جميعا أن يتذكروا أنهم إخوة.و ليكن في مقدورهم التنديد بالطغيان المسلط على الأرواح مثلما يتم التنديد بعمل قطاع الطرق الذين يستولون بالقوة على ثمرة عمل وكسب آمنة.فإذا كانت آفات الحروب غير قابلة لأن نتجنبها ،فلا يكره بعضنا البعض ،ونتناحر لحظة السلم.ولنعمل على توظيف هذه اللحظة من وجودنا-بألف لغة مختلفة ومن سيام إلى كاليفورنيا- من أجل تمجيد جودك –يا رب- الذي منحنا هذه اللحظة.

{{فولتير، رسالة حول التسامح، الفصل الثامن عشر.}}

{( ترجمة خاصة)}