
ثمة مقاربات متعددة ومتضادة لحادثة 11 سبتمبر 2001؛ ويمكن تقسيم تلك المقاربات عموما إلى مقاربات سياسية أو جيو-سياسية أو سوسيو-حضارية وثمة مقاربات انثروبو- تاريخية أو انثروبو – لاهوتية. فللحدث علائق مؤكدة، بالظرفية السياسية وبالحراك الفكراني بعد اندحار الفكرية الشيوعية والماركسية والفكرانيات الاشتراكية عموما، وبالاختلاجات السوسيو- ثقافية للعولمة والحداثة الفائقة وبأزمة العنف والهوية والتحديث الرثّ في البلدان الإسلامية وبتردّي الوضع الاعتباريّ للإسلام والمسلمين في عالم تهيمن عليه الامبريالية الثقافية الغربية. فالحدث والحال هذه، رهين بهذه الاضمامة من الواقعات والظرفيات والسياقات؛ وهو نتاجها التاريخيّ القابل للاستقراء انطلاقا من المؤشرات الكلية لتلك السياقات. إلا أننا نعتقد أن للواقعة جذورا تاريخية ومستندات نصية وثوابت مخيالية، لا مناص من استقرائها وسبرها للوصول إلى جذر الإشكالية وعدم الاكتفاء بأعراضها المخصوصة في زمن مكوكب ومهجّن تحسن فيه الفكرانيات العقدية والتراثية الخلط بين أشدّ المعتقدات لاعقلانية وأحدث التقنيات حداثة.
لقد مثلت القدامة أو الاعتقاد القروسطيّ الحاضن العقديّ للحدث، فيما شكلّت الحداثة الفائقة وسيلته التقنية ومساقه التاريخيّ والحضاريّ. ولئن ركّز الكثيرون على المساق التاريخيّ للحدث، فإنّ قلّة من المفكّرين والمؤرخين هي التي سبرت حيثيات ودلالات سياقه الانثروبو- تاريخيّ والانثروبو- لاهوتيّ.
فممّا لا شك فيه أنّ المقاربة المساقية ترجع الحدث إلى الحيثيات التالية :
1- أزمة الاعتقاد الإسلاميّ في زمان معولم ومفكك المرتكزات النظرية والمعرفية.
2- استشراء أزمة هوية الفرد المذرر في أوان تفكك الروابط القبلية والطائفية والاثنية والأقوامية والطبقية.
3- هيمنة الحنبلية / التيمية / الوهابية غبّ تقهقر الفكرية القومية الناصرية والبعثية والماركسيات بالشرق الأوسط وشمال إفريقيا.
4- اندحار الإصلاحية الإسلامية والفكر التنويري والنهضوي.
5- تراكم الأخطاء السياسية والإستراتيجية للولايات المتحدة الأمريكية في الشرق الأوسط .
إن هذه المعطيات المساقية، لا يمكن أن تقدم إطارا تفسيريا ملائما لهذا الحدث، فهي تكتفي باستقراء حيثيات ظرفية، معزولة عن السيرورة الممتدة للفكرية الإسلامية. فالواقع أن الفكرية الإسلامية تعرف تواصلا عقديا بدون انقطاع، ولم يتمكن الوعي الإسلامي من إحداث أية قطيعة معرفة أو مراجعة لا هوتية جذرية للمنظومة العقدية الإسلامية. ففي غياب أية مراجعة جذرية للكليات العقدية للإسلام وأي استشكال نقدي للثوابت الإسلامية بناءا على منجزات الحداثة الفكرية والمعرفية والتقنية، فإن الرجوع إلى المتصورات الشرعية يصبح ميسرا في ظرف ومكان.
إنّ العنف الإسلاميّ هو جماع ثلاثة مكونات :
1- العنف اليهوديّ التوراتيّ.
2- التبشير الكونيّ المسيحيّ.
3- التقاليد القتالية العربية.
إنّ لحدث 11سبتمبر 2001 أصولا وحيثيات عقدية، لا مناص من تناولها، إن نحن شئنا سبر جوهر ومقدمات القضايا وعدم الاكتفاء بملامسة الأعراض والنتائج والمستتبعات. فحدث 11 سبتمبر مابعد- حداثي تقنيا، وماقبل حداثي، عقديا وفكريا وأخلاقيا. فهو الشاهد الحيّ على استمرارية تقاليد العنف المقدس في الروحية الإبراهيمية، وعدم قدرة هذه الفكرية على ايجاد الحل الإنساني لمعضلة العنف الكيانيّ في صلب البنيات الاجتماعية، عكس أديان الشرق الأقصى ومعتقداته وفلسفاته. فالعنف المؤسّس في الإسلام، هو كوننة للعنف المقدس اليهودي القومي وللعنف الإنجيليّ الكمونيّ. لقد حصرت اليهودية العنف في اطار جغرافي محدود، وكرست، لاهوتيا وعقديا، تفرد القومية اليهودية واصطفاءها على الأغيار أو الأمم ( الغوييم )، أما المسيحية فقد أحدثت تغييرات جزئية في الإبدال اليهوديّ الأصليّ، وذلك بنقل فحوى الخطاب من الإطار المحدود للقومية المصطفاة إلى الإطار الكوني. أما الإسلام، فهو جماع العنف المقدس اليهودي والتبشيرية الكونية المسيحية والتقاليد الحربية العربية. فالجهادية الإسلامية، هي تتويج لسيرورة تاريخية مطبوعة بالعنف الماهوي للفكرة التوحيدية الإبراهيمية. فالإقرار بالتوحيد وفق الآلات الاستدلالية الإبراهيمية، يقتضي التمييز والتمايز عن الأغيار ممن لديهم تصورا أو آليات أو إجراءات استدلالية أو فكرية مخالفة للفكرانية الإبراهيمية.
لقد شكلت الفكرية الأرواحية أو التعديدية أو التشريكية أو النفاتية، فضاءات للتروحن المفتوح وللتجوهرالفردي وللتذاوت التفعالي بين الأفراد والجماعات بعيدا عن القسرية العقدية وعن التنميط الروحي والسياسي. أما الفكرية الإبراهيمية، فقد سعت إلى استبعاد كل الأغيار العقديين وكل الفكريات التعديدية أو اللاأدرية أو النفاتية، كما سعت إلى ربط التوحيد العقدي بالتوحيد السياسي في فضاء سوسيو-تاريخي محدد اسمه فلسطين كما في التوحيد الإبراهيمي اليهودي والى تعميم التوحيد المؤنسن على العالمين كما في المسيحية والى تعميم التوحيد الإبراهيمي المطبوع بسمات عربية خاصة عبر الجمع بين عنف الخطاب وعنف الممارسة التاريخية كما في الإسلام.
والغريب في التوحيد الإبراهيمي أنه توحيد متوتّر وإشكاليّ؛ فهو يؤكد الوحدانية نظريا، ويوجّه أشدّ الانتقادات والتفنيدات للتشريك والتعديد والنفاتية من جهة، إلا أنه لا يتمكن من اجتثاثها من عمارته التوحيدية الشاهقة. فهو مجبول، على النوسان بين المقرر اللفظي والخطابي والتيولوجي التوحيدي الصريح، وبين القيعان التعديدية المتغذية من اللغة والمخيال والتاريخ والجينيالوجيا واللاوعي الجماعي المؤثث بالتشبيه و الأنسة والتشريك. فالتجاء الأديان الإبراهيمية المتواتر إلى العنف المنهجي ضد الغيرية الفكرية والعقدية وضد الأنماط الاعتقادية والايطيقية الأخرى، نابع من قلق المكسب التوحيدي الإبراهيمي، وصعوبة اجتثاث الأصول التعديدية في أي بناء لاهوتي مهما توغل في التنزيه . فالعنف والحال هذه، بحث عن التطهر الذاتي وعن تصريف للتوتر العقدي الرابض بالأعماق وعن السعي إلى خلق النظائر والأشباه واقتلاع الجذور التعديدية والميثولوجية السارية المفعول لدى الجماعات القومية أو الدينية المتشبثة بمقدسها اللاابراهيمي .
( ولما رأى الشعب أن موسى أبطأ في النزول من الجبل اجتمع الشعب على هارون وقالوا له قم اصنع لنا آلهة تسير أمامنا.لأن هذا موسى الرجل الذي أصعدنا من أرض مصر لا نعلم ماذا أصابه . فقال لهم هارون انزعوا أقراط الذهب التي في آذان نسائكم وبنيكم وبناتكم و أتوني بها. فنزع كل الشعب أقراط الذهب التي في آذانهم و أتوا بها إلى هارون. فأخذ ذلك من أيديهم وصوره بالإزميل وصنعه عجلا مسبوكا. فقالوا هذه آلهتك يا إسرائيل التي أصعدتك من ارض مصر. )
(-خروج – الأصحاح الثاني والثلاثون : 1-4)
( واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم عجلا جسدا له خوار ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا اتخذوه وكانوا ظالمين. ولما سقط في أيديهم ورأوا أنهم قد ضلوا قالوا لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا لنكونن من الخاسرين. ولما رجع موسى إلى قومه غضبان أسفا قال بيسما خلفتموني من بعدي أعجلتم أمر ربكم وألقى الألواح و أخذ برأس أخيه يجره إليه قال ابن أم إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني فلا تشمت بي الأعداء ولا تجعلني مع القوم الظالمين. قال رب اغفر لي ولأخي وأدخلنا في رحمتك وأنت أرحم الراحمين. إن الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم وذلة في الحياة الدنيا وكذلك نجزي المفترين.)
(الأعراف : 148-152)
(فلما نسوا الرب إلههم باعهم ليد سيسرا رئيس جيش حاصور وليد الفلسطينيين وليد ملك موآب فحاربوهم. فصرخوا إلى الرب وقالوا أخطأنا لأننا تركنا الرب وعبدنا البعليم والعشتاروث. فالآن، أنقذنا من يد أعدائنا فنعبدك. فأرسل الرب يربعل وبدان ويفتاح وصموئيل و أنقذكم من يد أعدائكم الذين حولكم فسكنتم آمنين.)
( صموئيل الأول/الإصحاح الثاني عشر : 9-11)
فعبادة العجل والبعليم والعشتاروث في اليهودية واستدماج أسطورة تموزفي عمق الرؤية الإنجيلية وادراج الطقوسية الحجية العربية في الجسد العقدي للإسلام، كلها دلائل ومؤشرات على صعوبة الترسيخ النظري والعملي للتوحيد الإبراهيمي في الفضاء الثقافي للشرق الأدنى. فلا غرابة إذن، أن يكون تكريس ومأسسة العنف، الخطابي والمادي، الاستجابة الطبيعية، لتوتر التوحيد الإبراهيمي نظريا، وصعوبة تأصيله في البنية اللاشعورية لشعوب وأمم تشكلت فكريتها، تاريخيا،على قاعدة التعددية والترميز المفتوح والتروحن المتعدد المسالك. إن العنف المؤسس للتوحيد الإبراهيمي، ينبثق من استحالة اجتثاث القاع التعديدي لهذا التوحيد، والاستعادة الشعورية أو اللاشعورية في النصوص التوراتية والإنجيلية والقرآنية والحديثية لكثير من عناصر الرمزية التعديدية القديمة، وفي السلوك السياسي والاجتماعي للأمم المنتصرة للإبراهيمية.
فالجماعات الإبراهيمية، تتسامى على توترها العقدي، بإعمال العنف التطهيري في صفوف الجماعة أولا ،وبأعمال العنف التماثلي في الأغيار. وللتدليل على هذا التصور، نقدم حالة تشريع الاقتتال الذاتي بين اليهود، بعد عبادة العجل أي بعد عودة اليهود للصنمية وللتعديدية.
(فقال لهم. هكذا قال الرب إله إسرائيل ضعوا كل واحد سيفه على فخذه ومروا وارجعوا من باب إلى باب في المحلة واقتلوا كل واحد أخاه وكل واحد صاحبه وكل واحد قريبه. ففعل بنو لاوي بحسب قول موسى. ووقع من الشعب في ذلك اليوم نحو ثلاثة آلاف رجل. وقال موسى املأوا أيديكم اليوم للرب حتى كل واحد بابنه وبأخيه. فيعطيكم اليوم بركة. )
( – خروج –الإصحاح الثاني والثلاثون : 27-29)
فللرد على أزمة النظام اللاهوتي، واستعصاء الانتقال من التعديد إلى التوحيد وإقرار التنزيه المطلق في أوساط تمرست طويلا بالتشبيه والقرب اللاهوتي والحضور المتجسد للمقدس، اختارت الجماعات الإبراهيمية، التشريع للعنف التطهيري والعنف التماثلي. ويسعى العنف التماثلي إلى إسقاط أزمة اللاهوت الإبراهيمي على الروحيات الأخرى، والانتقال إلى العنف المقدس الاستئصالي. فالآخر المتشبث بإطاره العقدي اللاابراهيمي وبسلاسة نظامه العقدي، يثير توترا مضاعفا في الروحية الإبراهيمية المتشبعة بالتمايز والأفضلية والاحتياز الكلي للمقدس.
( فتجندوا على مديان كما أمر الرب وقتلوا كل ذكر. وملوك مديان قتلوهم فوق قتلاهم. أوي وراقم وصور وحور ورابع. خمسة ملوك مديان. وبلعام بن بعور قتلوه بالسيف. وسبى بنو إسرائيل نساء مديان وأطفالهم ونهبوا جميع بهائمهم وجميع مواشيهم وكل أملاكهم. وأحرقوا جميع مدنهم بمساكنهم وجميع حصونهم بالنار. و خذوا كل الغنيمة وكل النهب من الناس والبهائم. و أتوا إلى موسى وألعازر الكاهن والى جماعة في إسرائيل بالسبي والنهب والغنيمة إلى المحلة إلى عربات موآب التي على أردن أريحا.)
( العدد : الإصحاح 31: 7-12)
فالعنف مندغم بالمقدس التوحيدي، والمهابدة الروحية والمادية للأغيار، جزء بنيويّ في المتخيل الإبراهيميّ. فارتباط النظر بالعمل في الموروث العقدي للإبراهيمية، ومأسسة المتعاليات والعنف العجائبي المسمى بالمعجزات أو بالعجائب أو بالكرامات، كلها تقود إلى استبعاد الفكر المتروي المنفتح على كل الأبعاد الوجودية للكينونة وكل التجليات الفكرية والجمالية والمعرفية للصيرورة. فالعنف من مستلزمات الغيرية أو المغابرة؛ فكلما ظهرت المغايرة، وهي بعد لاشعوري أو بنيوي للذات التوحيدية، وأعلنت حضورها المعقلن على مسرح الاجتماع أو التاريخ البشري، إلا ومال المخيال التوحيدي إلى العنف الخطابي أولا، والحربيّ الاستئصالي ثانيا وبذل أقصى الجهود لإقبارها باعتبارها رجسا أو تعبدا تعديديا أو شركيا أو كفريا بلا رصيد استدلالي أو برهاني أو عجائبي يؤبه به. فالوعي التوحيدي، لا يمارس التعالي إلا للتنكر لجزء مكون لذاتيته الروحية؛ فهو لا يزداد تعاليا إلا طمرا للمحايثة العالقة بجذوره، ولا يصر على تنقية الخطاب وروحنته روحنة توحيدية خالصة، إلا ليخفي التعديد المتغلغل في اللغة والوجدان والتاريخ والمخيلة والبنى الأنثروبولوجية للمتخيل السامي عموما. ويرجع تهوس التوحيد الإبراهيمي، بمصارعة التشريك والتعديد على أرضية التصور والتدبر الاجتماعي، إلى انطباع القيعان المخالية لهذا التوحيد بالتعديد، والى إمكانية عودة المكبوت التعديدي في التواريخ الحية للمجتمعات الإبراهيمية، والى قيام التوحيد نفسه على مواد ومتصورات انثروبولوجية معادة الصوغ. فالتعديد هو القاع النظري للتوحيد؛ والتوحيد يسعى بكل البلاغة الخطابية والعمل التاريخي المنقاد إلى أصول مؤسسة مؤمثلة، إلى طمر أصوله والى نسيان ارتهانه الأنطولوجي إلى التعديد عبر تعميق ارتباط المقدس بالعنف وعبر مأسسة العنف التطهيري الموجه إلى الذات والعنف التماثلي الموجه إلى الآخرين. إن ذاكرة الإبراهيمية مثقلة بالدلالات وبالوطان التعديدي، وهذا ما يحفز القائمين على إدارته، على الحذر من عودة المكبوت وانبثاق رأس التنين التشريكي من شقوق بنيتها الاستدلالية والبرهانية.
( متى قرض الرب إلهك من أمامك الأمم الذين أنت ذاهب إليهم لترثهم وورثتهم وسكنت أرضهم فاحترز من أن تصاد وراءهم من بعد ما بادوا من أمامك ومن أن تسأل عن آلهتهم قائلا كيف عبد هؤلاء الأمم آلهتهم فأنا أيضا أفعل هكذا. لا تعمل هكذا للرب إلهك لأنهم قد عملوا لآلهتهم كل رجس لدى الرب مما يكرهه إذ أحرقوا حتى بنيهم وبناتهم بالنار لآلهتهم. كل الكلام الذي أوصيكم به أحرصوا لتعملوه. لا تزد عليه ولا تنقص منه.)
(تثنية : الإصحاح الثاني عشر : 29-32)
فالعنف المؤسس، يعكس أزمة وعي بوضعية التماثل بين الفرقاء العقديين، وعلى استناد الإبراهيمية إلى الحالة الشعورية التقديسية التعديدية ،المعممة للترميز والأسطرة والأمثلة والتقديس.
( و أقام إسرائيل في شطيم وابتدأ الشعب يزنون مع بنات موآب. فدعون الشعب إلى ذبائح آلهتهن فأكل الشعب وسجدوا لآلهتهن. وتعلق إسرائيل ببعل فغور. فحمي غضب الرب على إسرائيل. فقال الرب لموسى خذ جميع رؤوس الشعب وعلقهم للرب مقابل الشمس فيرتد حمو غضب الرب عن إسرائيل. فقال موسى لقضاة إسرائيل اقتلوا كل واحد قومه المتعلقين ببعل فغور.)
( – عدد –الإصحاح الخامس والعشرون : 1-5)
فالجماعة اليهودية مهووسة بالعبادات التعددية القديمة وبأفقها الرمزي ودوائرها الطقوسية وإحالاتها الميتافيزيقية؛ فعبادة العجل وبعل فغور والبعليم والسواري وكوشان رشعتايم (قضاة 3: 7-8) والعشتاروت ونحشتان، كلها أمارات على استعصاءات التوحيد الإبراهيمي في الأصل، وتذبذب التوحيد الموسوي نفسه ونوسانه بين قطبي التعديد والتوحيد بدلالة عمله حية النحاس نحشتان.
أما سليمان فقد ذهب بعيدا في التوحيد والتعديد معا؛ وتكشف سيرته كما وردت في أسفار العهد القديم، على تمزق كياني بين تعديد يسكن المخيال ويمثل الخلفية اللاشعورية والاحتياطي الاستراتيجي للتروحن اليهودي، وتوحيد تجريدي، مجرد من طراوة المقدس التعديدي وزخم الحياة الطقوسية والعبادية التعديدية ومن التساكن السلس بين المقدس الجزئي وبين الحياة البشرية الموزعة على أكثر من منحى. فالواقع أن التوحيد، إذ يقرر ميتافزيقيا مجردة، ومنمطة وموحدة، يلغي الغنى المجازي والرمزي للروحيات الأفقية أو التعديدية المنفتحة على كل تجليات المقدس. فالتوحيد الإبراهيمي، يتوخى حصر المقدس في اله أوحد و مجرد وفي أشخاص متفردين( تمتيع ألعازر بن هارون ونسله بميثاق السلام أو بميثاق كهنوت أبدي ) ( عدد : 25) وفي شعب مخصص بالفرادة الميتافزيقية(شعب إسرائيل ). فلئن ارتبطت الإحيائية أو الثنوية أو التعديدية أو النفاتية أو الشكوكية أو الغنوصية، بالتعددية الفكرية والانفتاح السياسي وبالاهتمامات الجمالية والميتافزيقية، فإن الإبراهيمية تربط التوحيد الميتافيزيقي بالتوحيد السياسي وبالتنميط الثقافي والنفي النسقي للأخر الروحي والعقدي. ولما كان إقرار التوحيد إشكاليا من الناحية النظرية، وتفعيله عمليا، في أوساط عقدية متشبعة بالقيم وبالصورالميثولوجية التعديدية، كان العنف الجواب الخطابي والعملي لتلك الاستعصاءات.
ومن أمثلة هذا الاستعصاء إشارة الكتاب المقدس إلى انتهاء سليمان إلى حضن الوثنيات، بعد أن ارتقى، سابقا، إلى ذروة التروحن الإبراهيمي .
(فالتصق سليمان بهؤلاء بالمحبة. وكانت له سبع مئة من النساء السيدات وثلاث مئة من السراري فأمالت نساؤه قلبه. وكان في زمان شيخوخته أن نساءه أملن قلبه وراء آلهة أخرى ولم يكن قلبه كاملا مع الرب إلهه كقلب داود أبيه. فذهب سليمان وراء عشتروت إلهة الصيدونيين وملكوم رجس العمونيين. وعمل سليمان الشر في عيني الرب ولم يتبع الرب تماما كداود أبيه. حينئذ بنى سليمان مرتفعة لكموش رجس الموآبيين على الجبل الذي تجاه أورشليم ولمولك رجس بني عمون. وهكذا فعل لجميع نسائه الغريبات اللواتي كن يوقدن ويذبحن لآلهتهن. فغضب الرب على سليمان لأن قلبه مال عن الرب إله إسرائيل الذي تراءى له مرتين وأوصاه في هذا الأمر أن لا يتبع آلهة أخرى. فلم يحفظ ما أوصى به الرب. فقال الرب لسليمان من أجل أن ذلك عندك ولم تحفظ عهدي وفرائضي التي أوصيتك بها فأني أمزق المملكة عنك تمزيقا وأعطيها لعبدك.)
( الملوك الأول / الإصحاح 11: 2-11)
فرغم المجهودات التوحيدية لموسى، فإن الجماعة اليهودية لم تتمكن من اقتلاع الإبدال التعديدي من متخيلها الجمعي. ومهما تعالت على الأغيار وتباهت بتفردها بالميثاق، فإنها لم تتمكن من استبعاد المؤثرات التعديدية والأنماط الميثولوجية من بنيتها اللاشعورية ومن أطر تفكيرها.
ومن هذا المنظور، مثلت المسيحية، الانبثاق الأكبر للمكبوت التعديدي في الوسط الإبراهيمي- الموسوي. فبعد الفصل الإجرائي بين الإلهي والإنسي، وتعيين المهام الكهنوتية للأنبياء، عادت المسيحية إلى الجمع من جديد بين الإلهي والإنسي في شخص المسيح معلنة بذلك استحالة التعالي الشاقولي المستند إلى مقولات اصطفائية والى مركزية إثنية مانعة للتذاوت الروحي بين الجماعات.
يقول روجيه دادون عن المنجز اليسوعي ما يلي :
( وبينما لن يستطيع موسى أبدا رؤية أرض الميعاد، ها هو يسوع يحقق ملكوت السماوات ويجعله واقعا. وهكذا، فبعد عملية غوص تمثلية خارقة ( التجسد، والفعل صار جسدا، الصلب، و ” إلهي،الهي لماذا تركتني “، إلخ)، يأخذ التعالي شكلا آخر : الابن يلتقي الأب، ليؤلف معه هذا التعالي الفائق المتجسد في الروح القدس. يحدث كل شيء وكأن تلك النتف المرسومة في هوامش الموقع اليهودي أصبحت خطوطا صافية. كما لو أن المقدس المجمع أو المعلق في الموقف اليهودي اتخذ فجأة تماسكا وصلابة، وراح يطالب ويحصل على كماليته الوجودية، ذات الصورة الأكثر تمييزا، تلك الصورة المهداة من قبل مبدإ ” النعمة “.)
(- روجيه دادون – طريق المقدس بين المتمرد والمخلص – مواقف – العدد – 65- خريف – 1991- ص. 144)
أما ابن حزم الظاهري، فقد قارب المنجز اليسوعي من موقع إسلامي قريب من المواقع اليهودية.
وقالت طائفة منهم : المسيح حجاب خاطبنا الله تعالى منه.
فيقال لهم : أنتم تقولون إن المسيح رب معبود، و إله خالق، والحجاب عندكم مخلوق والمسيح عند طبيعة واحدة، وعند بعضكم طبيعتان ناسوتية ولاهوتية. فأخبرونا أتعبدون الطبيعتين معا اللاهوتية والناسوتية أم تعبدون إحداهما دون الأخرى؟
فإن قالوا : نعبدهما جميعا أقروا بأنهم يعبدون إنسانا وحجابا مخلوقا مع الله تعالى. وهذا أقبح ما يكون من الشرك.
وإن قالوا : بل نعبد اللاهوت وحده قيل لهم فإنما تعبدون نصف المسيح لا كله لأنه طبيعتان عندكم ولستم تعبدون إلا إحداهما دون الأخرى .)
(- ابن حزم – الفصل في الملل والأهواء والنحل – وضع حواشيه : أحمد شمس الدين – منشورات محمد علي بيضون – دار الكتب العلمية – بيروت – لبنان – الطبعة الثانية : 1999- المجلد الأول – ص . 79)
فالإبراهيمية لاتتمكن من القطع نهائيا مع اوقيانوس الروحيات التعديدية والإحيائية والثنوية واللاأدرية؛ وقد جسدت المسيحية الاستعادة الحية والنسقية للنسغ الميثولوجي السامي، المصاغ صياغة لاهوتية منسقة. لقد كانت الاستعادات القديمة، للمخزون الأسطوري التعديدي، استعادات غير نسقية ومعدومة السقف النظري اللاهوتي المنظم؛ أما المسيحية فقد وضعت صياغة نظرية لاندغام الإلهي في الإنساني، ولقابلية الجسد البشري لاستقبال الإلهي و لتقويض التمايز المطلق بين المفارق والمحايث.
لقد مثلت المسيحية إعادة إنتاج عالمية للحدس الإبراهيمي بعد إعادة تلقيحه بمجازات ميثولوجيا الشرق الأدنى القديم. ومن هذا المنظور ، فالمسيحية هي تبئير منسق لإشكاليات التوحيد الإبراهيمي – الموسوي ، ومحاولة لاستزراع المجاز التعديدي في صلب التوحيد الإبراهيمي – الموسوي. وهذا ما يفسر تمردها على كل الروابط الموسوية عموما وعلى الناموس الموسوي خصوصا، وعلى السلطة الرمزية للصدوقييين والفريسيين والناموسيين .
فقد نقلت المسيحية مزجها بين الناسوت التعديدي واللاهوت التوحيدي من الإطار الضيق للجدال والاستدلال والمجاز التوراتي إلى الإطار الموسع للجدال المخصب بالعقل والمنطق الهيليني ، وسعت إلى تفكيك تماسك الشريعة والكهنوت الصدوقي أو الفريسي. ومما لاشك فيه، أن الربط بين اللاهوت والناسوت، بين الحدس الإبراهيمي والتوحيدي الموسوي من جهة وميثولوجيا الشرق الأدنى من جهة ثانية، مثل لحظة من لحظات تنسيق المكبوت العقدي لليهودية، وتأزيما جوهريا للنسق برمته. فلئن اكتفت الجماعة اليهودية، باحتواء كل الانعطافات الجزئية نحو العبادات القديمة، فإن المسيحية شكلت لحظة نسقية متماسكة، اكتسب فيها الناسوت التعديدي شرعية لاهوتية أو موسوية غير مسبوقة. فالمسيحية،هي تشريع للتعديد انطلاقا من التوحيدي الإبراهيمية. والأكثر من ذلك، أن اللاهوت التعديدي، امتلك بعد إعادة تنظيره، مسيحيا، من نفي الشرعية عن اليهودية نفسها ومن شرعيتها المنغلقة على طقوسية جافة بالقياس إلى العرفانيات الموسومة بالوثنية والتعديد.
ومن الطبيعي أن تتولد عن هذا الصنيع ، أصناف من العنف النظري والعملي من الجهة اليهودية ومن الجهة المسيحية أيضا؛ وقد بالغ الكثيرون في الاحتفاء بسلمية المسيحية وميلها إلى اللاعنف والى التبشيرالسلمي خلافا لليهودية والإسلام. والحال أن المسيحية، تنطوي على عنف نظري ظاهر في كل الأناجيل؛ فاليقين النظري لا ينبني إلا على عنف الخطاب وعلى التعالي اللاعقلاني على عقل المتأمل الخارج عن مدارات المقدس الإبراهيمي .فالمسيحية، صياغة لاهوتية للمكبوت الأممي الأغياري القديم وشرعنة إبراهيمية للفكرية الوثنية بناءا على مقولات ومتصورات إبراهيمية، وخلخلة ليقينيات الناموس وزعزعة لارتباط التوحيد اليهودي بمصير شعب مصطفى وشريعة مفروضة وكهنوت مقدس.
فالمسيحية لم تتمكن من الانعتاق النسبي من الحدود الحصرية للتوحيد اليهودي المأزوم إلا بالانفتاح على التراث الوثني وعلى الزخم المخيالي لكل الشعوب والأمم وعلى الغنى الخيالي للمخيلة الغنوصية والعرفانية دون أن تتخلى عن الطهرانية التوحيدية والمنظورية القيامية نظريا.
( وأية مدينة دخلتموها ولم يقبلوكم فاخرجوا إلى شوارعها وقولوا حتى الغبار الذي لصق بنا من مدينتكم ننفضه لكم . ولكن اعملوا هذا أنه قد اقترب منكم ملكوت الله. و أقول لكم إنه يكون لسدوم في ذلك اليوم حالة أكثر احتمالا مما لتلك المدينة . )
إنجيل لوقا : الإصحاح العاشر : 10-12)
(ولكن ويل لكم أيها الفريسيون لأنكم تعشرون النعنع والسذاب وكل بقل وتتجاوزون عن الحق ومحبة الله . كان ينبغي أن تعملوا هذه ولا تتركوا تلك. ويل لكم أيها الفريسيون لأنكم تحبون المجلس الأول في المجامع والتحيات في الأسواق . ويل لكم أيها الكتبة والفريسيون المراؤون لأنكم مثل القبور المختفية والذين يمشون عليها لا يعلمون .
فأجاب واحد من الناموسيين وقال له يا معلم حين تقول هذا تشتمنا نحن أيضا . فقال وويل لكم أنتم أيها الناموسيون لأنكم تحملون الناس أحمالا عسرة الحمل و أنتم لا تمسون الأحمال بإحدى أصابعكم. )
( إنجيل لوقا/ الإصحاح الحادي عشر : 42-46)
(ودخل يسوع إلى هيكل الله و أخرج جميع الذين كانوا يبيعون ويشترون في الهيكل وقلب موائد الصيارفة وكراسي باعة الحمام وقال لهم. مكتوب بيتي بيت الصلاة يدعى و أنتم جعلتموه مغارة لصوص . )
(- إنجيل متى / الإصحاح الحادي والعشرون : 12-13)
وعليه ، فإن المسيحية تأثرت بالغنوصية واليهودية والوثنية كما يرى مورسيا ألياد ، وانطوت نظريا ، على كل الالتباسات النظرية المفضية إلى التوتر اللاهوتي أولا والى العنف ثانيا .
(لكن اليهودية “ارخنت” عددا من الأعياد الموسمية والرموز الكونية ، وذلك بربطها بأحداث مهمة في تاريخ إسرائيل (عيد المظال وعيد الفصح وعيد الأنوار الهانوكا الخ ). وقد اتبع أباء الكنيسة نفس النهج ، فقد” مسحوا” الرموز والطقوس والأساطير الأسيوية والمتوسطية ، وذلك عبر ربطها “بتاريخ مقدس” ، وهذا “التاريخ المقدس” يتجاوز ، طبيعيا أطر العهد القديم ويشمل الآن العهد الجديد وتبشير الحواريين و تاريخ القديسين بعد ذلك . )
(Mircea Eliade- Aspects du mythe – éditions Gallimard – 1963-page.209)
والواقع المزج بين المختلفات الروحية، يفضي إلى عنف ضمني أو صريح، والى التباس إشكالي في صميم البناء النظري التوحيدي. فالعنف والحال هذه ، جزء جوهريّ أو كيانيّ في الروحية الإبراهيمية، وليس عرضا تاريخيا تحدده الملابسات التاريخية أو الإحداثيات الإستراتيجية أو التدافعات الثقافية أو الحضارية العابرة أو النزوعات الفردانية لأشخاص كريزميين كما يعتقد الكثيرون .
أما الإسلام فقد أتى تتويجا ، لكل التاريخ العقديّ والفكريّ للفكرية الإبراهيمية، واستجابة تركيبية للارتجاج الأصليّ للإبراهيمية في غرارها الناموسيّ الموسويّ وفي غرارها الغنوصيّ أو اليسوعيّ . كما أنّ الإسلام، امتاح بشكل أو بآخر من الخصوصيات التاريخية للعرب وللتجربة الشخصية أو الذاتية أو الروحية للشخص المؤسّس. فالإسلام، من هذا المنظور، استعادة تاريخية، لنفس الإشكالية، وسعي متجدد إلى تجاوز الإشكال الانطولوجيّ للحدس التوحيديّ وللاستدلال الإبراهيميّ على وجود المتعالي والمفارق . فإذا كانت المسيحية، التمثّل اليهوديّ للروحيات الغنوصية والوثنيات القديمة والانفتاحات المعرفية والجمالية والسياسية للعصر الهليني، فإنّ الإسلام هو اشتغال بعدي على كل الزخم العقديّ القبليّ لليهودية والمسيحية ،من منظور قوميّ خاصّ، واستنادا إلى أفق التجربة الروحية والفكرية لمحمد. فالإسلام والحال هذه تركيب للمكونات التالية :
1- التوحيد القوميّ الموسويّ اليهوديّ ؛
2- التوحيد التعديديّ الهيلينيّ للمسيحية البولسية ؛
3- الانفتاح الهيلينيّ والمانويّ والمسيحيّ على الكونية ؛
4- تعرّجات التجربة السياسية والاجتماعية بالعربية ؛
5- التطلع الروحيّ والسياسيّ للشخص المؤسس والجماعة المؤسسة أي الصحابة؛
فالإسلام يبني متصوراته العقدية، استنادا إلى المادة العقدية المشتركة بين الساميين؛ والحال أن الامتياح من نفس المعين، وإحداث تغييرات أو خلق تكييفات في المادة العقدية ، كثيرا ما يفضي إلى تلوينات في المخزون العقدي والروحي المستوحى ، وفي تكييف الوجدان الديني وتوجيهه وجهة غالبا ما تبدو جديدة أو مخالفة للتوجيه العقدي المكرس مؤسسا وسياسيا . فالتلوين العقدي، يستلزم سحب احتكار المادة اللاهوتية من المؤسسة العقدية المكرسة ، وذلك بالعودة إلى الصور الأنموذجية الأولى، ونزع الشرعية عن المداورة البشرية لتلك النماذج. ولما تميزت المادة العقدية الأصلية ، بالانفتاح الدلالي وبالقابلية للتطويع وإعادة الإنتاج أولا ، وباختلاف توجهاتها ثانيا ، فإن الفكرية الجديدة ، تقدم تركيبة عقدية أو مزيجا روحيا أو تجميعا عقديا، تخترمه التناقضات والالتباسات عمقيا . وعليه ، فإن العنف، هو نتاج إعادة الإنتاج الأصلية، للمواد الروحية والايطيقية المستلهمة أو المجتافة. فالعنف، إذن هو إحدى تجليات التوتر الدلالي والتداولي للنصوص الأصلية وللتوجيهات الإستراتيجية للأشخاص الكريزميين المؤسسين .
فالإسلام يقف على نفس الأرضية التوحيدية – التعديدية اليهودية ؛ إلا أنه يعتبر الاصطفاء الإلهي لليهود تاريخيا، والميثاق والناموس منسوخين .والأكثر من ذلك ، أنه يشكك في التوحيد اليهودي التاريخي ، وذلك باتهام اليهود بالثنوية أي بعبادة عزير إلى جانب الله وبقتل الأنبياء وتحريف التوراة . فنزع الشرعية من الشعب المقدس، يقتضي نزع الامتياز العقدي منه ، وإسناده إلى أمة مختارة .
(وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا …) (البقرة : 143)
فتفضيل الأمة وعقيدتها التداولية وتحويل اليهود والمسيحيين إلى محض مشركين خلص واحتكار كل الامتيازات اللاهوتية، لا يعني إلى الاستعادة البعدية للمسلك اليهوديّ الأصليّ، القاضي بتفرّد شعب بالامتياز العقديّ، وبضرورة استتباع الأغيار.والامتياز العقديّ، يفضي إلى تفعيل العنف المنهجيّ ضدّ السويّ العقديّ .
( حين تقرب من مدينة لكي تحاربها استدعها إلى الصلح . فإن أجابك إلى الصلح وفتحت لك فكل الشعب الموجود فيها يكون لك للتسخير ويستعبد لك . وإن لم تسالمك بل عملت معك حربا فحاصرها. وإذا دفعها الرب إلهك إلى يدك فاضرب جميع ذكورها بحد السيف. وأما النساء والأطفال والبهائم وكل ما في المدينة كل غنيمتها فتغتنمها لنفسك وتأكل غنيمة أعدائك التي أعطاك الرب إلهك . هكذا تفعل بجميع المدن البعيدة منك جدا التي ليست من مدن هؤلاء الأمم هنا. وأما مدن هؤلاء الشعوب التي يعطيك الرب إلهك نصيبا فلا تستبق منها نسمة ما بل تحرمها تحريما الحثيين والأموريين والكنعانيين والفرزيين والحويين واليبوسيين كما أمرك الرب إلهك لكي لا يعلموكم أن تعملوا حسب جميع أرجاسهم التي عملوا لآلهتهم فتخطئوا إلى الرب إلهكم .)
(تثنية : الأصحاح العشرون : 10-18)
ولئن كانت اليهودية، توحيدا قوميا محصورا بجغرافيا لاهوتية محددة، فإن الإسلام نقل الآلية التوحيدية اليهودية إلى الفضاء الكوني، بعد تعريبها وإخضاعها للشرائط الثقافية للعربيا. فالإسلام، ظهر في ظرف تاريخي عرف الكونية الثقافية بعد فتوحات الاسكندر الأكبر والهيلينية والكونية العقدية بعد المسيحية البولسية والمانوية. وهكذا، نقل الإسلام، التوحيد القومي اليهوديّ إلى إطار عربيّ محدد الملامح والخصوصيات الثقافية والتاريخية أولا، والى إطار كوني ثانيا. وقد شكلت هذه النقلة المزدوجة، مصدر توترات نظرية كثيرا ما أدت إلى مضاعفة العنف وتشريعه ومأسسته .فالإسلام إذ يرمي اليهودية بالشرك ( عبادة عزير )وبتحريف التوراة، يقوم باستعادة أصولية للجذر الإبراهيمي، ويلغي تاريخ إسرائيل والتطلعات المسيحية لليهود. ولئن سعت اليهودية إلى توطين عقيدتها التوحيدية في جغرافيا تاريخية محددة، فإن الإسلام سيستعيد الإوالية اللاهوتية – السياسية اليهودية ، وسيزرعها في التربة الفكرية العربية بعد تلقيحها بالتطلع الكوني. ومن الطبيعي أن يكون للمواقف النظرية ، مترتبات عملية أي تفعيل العنف القدسيّ، مما ليس غريبا عن التاريخ العقدي اليهودي وعن نصوص التوراة والعهد القديم ولا عن فحوى الخطاب القرآني المكي وعن الدلالة الصريحة للخطاب القرآني المدني.
( سبح لله ما في السموات وما في الأرض وهو العزيز الحكيم. هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر ما ظننتم أن يخرجوا وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب يخرجون بيوتهم بأيديهم و أيدي المؤمنين فاعتبروا يا أولي الأبصار. ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء لعذبهم في الدنيا. ولهم في الآخرة عذاب النار، ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله ومن يشاق الله فإن الله شديد العقاب .ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله وليخزي الفاسقين. وما أفاء لله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب ولكن الله يسلط رسله على من يشاء والله على كل شيء قدير.) ( الحشر : 1-6)
( قال ابن إسحاق : ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قسم أموال بني قريظة ونساءهم وأبناءهم على المسلمين، وأعلم في ذلك اليوم سهمان الخيل وسهمان الرجال،
وأخرج منها الخمس، فكان للفارس ثلاثة أسهم، للفرس سهمان ولفارسه سهم، وللراجل من ليس له فرس، سهم. وكان الخيل يوم بني قريظة ستة وثلاثين فرسا، وكان أول فيء وقعت فيه السهمان، و أخرج منها الخمس، فعلى سنتها وما مضى من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها وقعت المقاسم، ومضت السنة في المغازي.
ثم بعث رسول الله رسول الله صلى الله عليه وسلم سعد بن زيد الأنصاري أخا بني عبد الأشهل بسبايا من سبايا بني قريظة إلى نجد، فابتاع لهم بها خيلا وسلاحا . )
(- ابن هشام – السيرة النبوية – حققها وضبطها وشرحها ووضع فهارسها : مصطفى السقا وإبراهيم الأبياري وعبد الحفيظ شلبي – دار ابن كثير – دمشق – بيروت – الطبعة الثانية – 2003- ص.800-801)
والإسلام إذ يؤسلم الإبراهيمية واليهودية والمسيحية، يروم نزع الشرعية التوحيدية عن اليهودية والمسيحية معا، واحتكار المخزون القدسي الإبراهيمي . ولما واجه يهود المدينة ونصارى نجران، هذا التوجّه بالمناكفة والممانعة، تحول الصراع التأويلي حول الأصول وحول الدلالات الأصلية للإيمان ومحتوى الإبراهيمية وأبدية الناموس الموسويّ، إلى عنف استئصاليّ دفع يهود بني قينقاع وبني النضير وبني قريظة وخيبر إلى الخروج من تاريخ العربيا جملة . فالحروب حول الرموز وحول احتكار الترميز الإبراهيمي ، تنتقل من الحيز النظري، إلى الحيز العملي، وتحكم على العلائق بين المجوعات العقدية – السياسية K بالاحتراب المطلق وبالنزعة الاجتثاثية المؤصلة لاهوتيا .
( حدثنا بن إبراهيم أخبرنا جرير عن عمارة بن القعقاع عن أبي زرعة عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ” لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا اليهود حتى يقول الحجر وراءه اليهودي يا مسلم هذا يهودي ورائي فاقتله ” .
(محمد بن اسماعيل البخاري – صحيح البخاري – اعتنى به : ابو عبد محمود بن الجميل – مكتبة الصقا –القاهرة – الطبعة الأولى – 2003- الجزء الثاني – كتاب الجهاد والسير – باب قتال اليهود – ص . 44)
فاليهودي هو الآخر المطلق للمسلم سياسيا؛ ومن المفارقات التاريخية في التاريخ الفكري للأديان الإبراهيمية، هو الشبه الظاهر، لا هوتيا بين الإسلام واليهودية. فالآليات الفكرية والاواليات الترميزية والأنماط الاستدلالية، متقاربة بين الديانتين . والفرق بينهما ، يكمن في الخاصية القبلية والثقافية وبروز مؤسسة النبوة الإسلامية .لقد انبنت اليهودية على أبدية الناموس الموسوي وعلى الأفضلية الإلهية لشعب إسرائيل ، و حصر كل المعتقدات الروحية، للتعديدية والوثنية والأرواحية القديمة في حيز الرجس.
فرغم كل التقهقر السياسي لليهود في ظل الإمبراطوريات العربية – الإسلامية وشراسة النقود الكلامية والفقهية للعقائد اليهودية، فإن موسى بن ميمون يقرر عدالة واكتمال وأبدية الشريعة الموسوية، في نفي ضمني لشرعية العمل التأويلي اليسوعي و المحمدي.
( و أما موسى فقد علمت ما قيل له وما قال . وقول الكافة له : هذا اليوم رأينا أن الله كلم إنسانا الخ. أما كل نبي منا تأخر بعد سيدنا موسى، فقد علمت نص قصتهم كلها وكونهم بمنزلة الوعاظ للناس داعين لشريعة موسى، يتواعدون الراغب عنها، ويعدون من استقام في تبعها. وكذلك نعتقد أن هكذا الأمر دائما كما قال : لا هي في السماء الخ، لنا ولبنينا إلى الأبد.)
(- موسى بن ميمون – دلالة الحائرين – تحقيق : حسين آتاي – مكتبة الثقافة الدينية – القاهرة – 2002- ص. 413)
وبنفس المنطلق، يلح الفقهاء والمتكلمون على نسخ الشريعة وانتهاء العهد والميثاق، وأفضلية الشريعة المحمدية على نظيرتها الموسوية .والأفضلية العقدية، تعني الاستتباع السياسي وتفكيك الجماعة العقدية للغير، وانخراطها في يوميات العقيدة الظافرة وفي أفقها السياسي والقيامي.
وقد نتج عن تكريس هذه الأفضلية، التهجير القسري لليهود والنصارى؛ والتهجير، يصدر عن رغبة قومية في توحيد الجغرافيا التاريخية للدين الجديد، و استتباع الخصوم العقديين، الرافضين عن قناعة لاهوتية واقتناع ايماني، لواقع وأفق المحمدية.
( وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه سمع رسول الله يقول : ” لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب حتى لا أدع فيها إلا مسلما ” رواه مسلم.
وعن عائشة رضي الله عنها قالت : آخر ما عهد رسول الله لا يترك بجزيرة العرب دينان رواه أحمد.
وفي مسنده أيضا عن علي رضي الله عنه قال : قال رسول الله : ” يا علي إن أنت وليت الأمر بعدي فأخرج أهل نجران من جزيرة العرب “.
وفي المسند أيضا عن أبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنه قال :آخر ما تكلم به رسول الله يقول : ” أخرجوا يهود أهل الحجاز وأهل نجران من جزيرة العرب ”
قال بكر بن محمد عن أبيه : سألت أبا عبد الله عن قول النبي : ” أخرجوا المشركين من جزيرة العرب ” قال : إنما الجزيرة موضع العرب و أما موضع يكون فيه أهل السواد والفرس فليس هو جزيرة العرب موضع العرب الذي يكونون فيه . )
(- ابن قيم الجوزية – أحكام أهل الذمة – تحقيق : عادل سعد – مكتبة نزار مصطفى الباز – مكة – السعودية – الطبعة الأولى – 2004-المجلد الأول – ص. 116) .
فالواقع أن الإسلام يمزج العقدي الميتافيزيقي بالقومي السياسي في صيغة تركيبية موحدة ظاهرا، وحافلة بالتوترات باطنا؛ فالإسلام يقوم بتعريب شبه كلي للإبراهيمية، ولأجزاء كبيرة من اليهودية، ويكرس الفرادة اللغوية واللسانية للقرآن، وفي نفس الوقت ينفتح على الأفق الكوني .فاليهودية هي الدين الخاص بشعب الميثاق المصطفى ، والموعود بأرض الكنعانيين ، والمسيحية هي الديانة الكونية الموجهة لكافة البشر، والمستعملة لكل الألسن، والمنفتحة على كل الفضاءات الثقافية والعقدية. أما الإسلام فقد مزج بين الحصرية والتمركز اليهودي والعربي المتمثلين هنا في تعريب الإبراهيمية والإقرار بإعجاز النص المؤسس وضرورة أداء الفرائض بلغة العرب حصرا، والتطلع المسيحي الهيليني إلى الكوننة العقدية . فالإسلام، ينطوي على تركيب معقد بين التوطين العربي، وبين النزوع الكوني. وهذا التركيب، يولد كثيرا من التجاذبات النظرية في الجسد النظري للمعتقد وفي المسلكية العملية لحاملي المحمدية المكلفة بالشهادة على العالمين.
فاقتلاع اليهودية والمسيحية، لا يرجع في الحقيقة إلى طبيعة الصراعات السياسية والعسكرية بين حاملي لواء تطهير وتنقية الإبراهيمية من أوشاب التاريخ العقدي المتموج للشرق الأوسط القديم ويهود العربيا كما يعتقد البعض ، بل إلى رؤية لاهوتية، تتغيا احتياز المقدس الإبراهيمي، وتبيئته في المخيال والوجدان العربيين واستزراع المحمدية في القاع التصوري للإبراهيمية. فالإختلاف الإسلامي / اليهودي يرجع، تحديدا، إلى الخلاف حول المحمدية أي حول المكانة اللاهوتية لمحمد في السيرورة العقدية اللاحبة للإبراهيميين. فالإسلام يقرأ الذاكرة الثقافية الإبراهيمية، بعديا، استنادا إلى حيثيات التدافع العقدي في مكة ويثرب والى الوضع الاعتباري للشخص المؤسس. وفي هذا السياق، فإن الدين الجديد يتحرك في المسافة النبوية القائمة بين الشخص المؤسس الأصلي أي إبراهيم، والشخص المتوج للإبراهيمية أي محمد. والواقع أن اليهود والنصارى يرفضون أصلا، أي انتقال أو استيحاء للإبراهيمية خارج تارخها العقديّ، المتمثل في يوميات الاعتقاد والتشريع اليهودي والفداء المسيحي .
( قال محمد بن إسحق حدثني محمد بن أبي محمد حدثني سعيد بن جبير أو عكرمة عن ابن عباس قال : قال عبد الله ابن صوريا الأعور لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما الهدى إلا ما نحن فاتبعنا يا محمد تهتد . وقالت النصارى مثل ذلك ، فأنزل الله عز وجل ( وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا ) وقوله ( قل بل ملة إبراهيم حنيفا ) أي لا نريد ما دعوتمونا إليه من اليهودية والنصرانية بل نتبع ( ملة إبراهيم حنيفا ) أي مستقيما .قاله محمد بن كعب القرظي وعيسى بن جارية . )
(- إسماعيل ابن كثير – تفسير القرآن العظيم – دار الجيل – بيروت – لبنان – الجزء الأول – ص. 177)