
“هذا لا علاقة له بالإسلام إطلاقا”. هكذا يقسم القوم منذ أن فضحتنا غزوة 11 سبتمبر المباركة. ولكن رغم أغلظ الإيمان واستجداد الرحمة واستخراج ما بقي لنا صالحا من زاد شحيح في مجال التسامح والسلم واحترام الآخر ورغم تظاهرنا بالخروج من ” و أعدّوا ” والدخول في “واجنح لها “، لم نتمكن من إقناع أحد بما ندّعي. لم يعد يتعاطف مع تراثنا الإرهابيّ إلا طابورنا الخامس في الغرب، أولائك المرتزقة الذين ندفع لهم من رغيف شعوبنا الجائعة بغير حساب.
أصبحنا في الغرب متّهمين حتى نثبت براءتنا وأصبح يشار إلينا بالبنان كاللصوص أينما حللنا. ولكي لا نكون ضحية أفعال انتقام قد يرتكبها من كانوا ينتظرون بفارغ صبر هدية بن لادن ومحبيه ليفرغوا حقدهم العنصريّ علينا، حاولت شخصيات كثيرة عبر العالم مشكورة حينذاك أن تختلق فرقا جوهريّا بين تراثنا الإسلاميّ وهؤلاء البرابرة الذين أسقطوا البرجين. ولكن فضحنا أهلنا في بقاع كثيرة من العالم الإسلاميّ حينما ابتهجوا وزغردوا وهللوا لغزوة بدر الجديدة على أرض الأمريكان. وأصابنا الذهول ونحن نقرأ ما جادت به قريحة كتابنا من تحاليل أقلّ ما يقال عنها أنها كانت انتقامية بررت الجريمة تحت منطق “الأمريكان أرادوها فنالوها” و”الإرهاب مرفوض ولكن”، وكان الذي جاء بعد الــ “لكن” تبريرا للإرهاب واعتباره في كل الأحوال دفاعا عن النفس وردَّ فعل على ظلم الآخرلا غير.
نحن مسالمون وديننا دين رحمة وسلام، لم نضايق أحدا، نتسامح مع الناس أجمعين. يشيد البوذيون معابدهم كما شاؤوا في بلداننا وكذلك يبني إخوتنا المسيحيون وابناء عمومتنا اليهود المعابد والكنائس والدير على راحتهم. لم نكن ولن نكون مثل المغضوب عليهم والضالين أولائك الذين يحرموننا من ممارسة شعائرنا الإسلامية عندهم. من منعونا من بناء المساجد في بلدانهم وقالوا عنا، أعداء الله، أننا أحفاد الخنازير والقردة.
من قال أننا متعصبون وأن ديننا غير متسامح؟ لا إكراه في الدين بين ظهرانينا، لا ردّة ولا حسبة لدينا ولا هم يجلدون. يمكن أن تغيّر دينك عندنا كما تغيّر قميصك، أنت حرّ في بلاد الإسلام. القبطيّ مواطن لا ذمّيّ ومن ألحد فهو منّا. للشيعيّ قيمته وسط السنّة وللسنّيّ بين الشيعة مكانة أيضا …والأحمديّ والبهائيّ وهلم جرّا.. كلذ الأديان سواسية كأسنان المشط، بل أكثر من ذلك نحن نعتقد أنّ الإنسان يولد دنيويا وأبواه هما اللذان يُديّنانه.
نحن خير أمّة أخرجت للناس، نحترم حقوق الإنسان بل نحن مصدرها ومصدر كل الفضائل والخير كله، فقبل ظهورنا على سطح التاريخ كانت الإنسانية ضالة ظالمة، غارقة في الشرّ. في شريعتنا يتساوى العبد والحرّ والمؤمن وغير المؤمن واللقيط ومعلوم النسب والرجل والمرأة. فهي مبجّلة، في دار سِلمنا، لها عقل ودين وليس لنا عليها أدنى قوامة. لا وصيّ عليها. فما قضيّة “المحرم” سوى شبهة افتعلها أعداؤنا.
المرأة تخرج وتدخل كما تشاء، تسافر مثنى وثلاث ورباع، دون وليّ أمر. تُزوّج نفسها بنفسها، تتمتّع بجسدها بكلّ حرية ولها نفس حظّ الذكر في كلّ أمر حتّى في الميراث. هذه هي حياتنا وتقاليدنا ومن لم تعجبه فلسفتنا في الحياة فليغادر إلى بلدان الكفار ودار الحرب التي ترتكب فيها جرائم الشرف دون عقاب مثل السويد و النرويج و فرنسا وغيرها من بلاد الروم يتّهموننا بالتعصب والعنف والتّبشير لأنّهم يجهلون سماحة ديننا وانفتاح ثقافتنا وبياض تاريخنا.
علينا أن نعرّفهم بالإسلام الحقّ ونصحّح لهم تصوّراتهم الخاطئة. يجب أن يعلموا أننا لم نستعمل السيف يوما في إقناع أحد ولم نحارب من ارتدّ ولا من لم يدفع الجزية وهو صاغر. لم تفتح جيوشنا إسبانيا بل الإسبان هم الذين دخلوا الإسلام أفواجا أفواجا وسَلم منهم من لم يُسلم. لم نشرّد ابن رشد ولم نصلب الحلاج ولم نحاول قطف رأس نجيب محفوظ ولم نقتل فرج فودة ولا محمود محمد طه ولا مهدي عاملالتسامح فريضة حاضرة في حضارتنا قديما وحديثا. اسألوا “بدون ” الخليج وأطفال دارفور وأهل الذمة على طول تاريخنا المجيد إن كنتم لا تعلمون.
لم يكن الجهاد في عرفنا فريضة أبدا. نحن الذين آمنا، جادلنا بالتي هي أحسن ولم نَعدّ لأحد ما استطعنا من رباط الخيل ولم نرهب عدوّنا ولا عدوّ الله. كان أمرنا شورى بيننا، فمن سقيفة بني ساعدة إلى آخر انتخابات رئاسية في الجزائر احترمت إرادة الأغلبية، لذلك لم يتحوّل الحكم في ديارنا إلى ملك عضود، كما تلاحظون. لا ناقة ولا جمل لثقافتنا وديننا في مصيبة 11 سبتمبر، فإن عثرتم على آية أو حديث أو أي سند آخر يحيل إلى ذلك فاعلموا أن هناك آيات وأحاديث موجهة للأصوليين وأخرى لجمهور المسلمين المعتدلين .