” من اعتنى بالتاريخ ضمّ إلى عمره أعمارا”
حسن حسني عبد الوهّاب
الدكتور الهادي التيمومي: جامعي ومؤرّخ تونسي من مواليد سنة 1949 بالكبّارة من ولاية القيروان. يشغل اليوم منصب أستاذ التاريخ المعاصر بالجامعة التونسية. في الحقيقة، عرفت الاسم من خلال ما وقع بين يدي من دراساته وبحوثه الجامعية. فشدّتني جدّيتها وأسئلتها الخاصة وخاصة ما خطّه حول “نمط الانتاج المخامسي” الذي هيمن في تونس لفترة ما من تاريخها. فعملت على مزيد التعرّف على هذا القلم وعلى ما يخطّ. فاكتشفت أنّ للهادي التيمومي كتبا كثيرة في نفس الاختصاص :التاريخ، منها :
– النشاط الصهيوني بتونس (1897-1948) دار محمد علي، تونس 1982 (الطبعة الثانية 2001)
– نقابات الأعراف التونسيين (1932-1955)، دار محمد علي، تونس 1983
– انتفاضات الفلاحين في تاريخ تونس المعاصر : مثال 1906، بيت الحكمة تونس 1994 (دكتوراه حلقة ثالثة)
– تاريخ تونس الاجتماعي (1956)، دار محمد علي، 1997
– الاستعمار الرأسمالي والتشكيلات الاجتماعية ما قبل الرأسمالية: الكادحون الخمَّّاسة في الأرياف التونسية (1861-1943)، جزءان، دار محمد علي، كلية العلوم الإنسانية بتونس، 1999 (دكتوراه الدولة).
– في أصول الحركة القومية العربية (1839-1920)، دار محمد علي، 2002
– مفهوم التاريخ وتاريخ المفهوم في العالم الغربي من النهضة إلى العولمة، دار محمد علي، 2003
_ مفهوم الامبريالية من عصر الاستعمار العسكري إلى العولمة، تونس 2004
-تونس 1956-1987
-الغائب في تأويلات ” العمران البشري” الخَلدوني
وبعد أن قرأنا نصيبا كبيرا من هذه المؤلفات، اتصلنا بالمؤلف وعرضنا عليه فكرة الحديث. وقد تفرّع إلى أحاديث جانبية عديدة تكشف لنا رؤية خاصّة لهذا الرجل .
في إطار محاولتك فهم المنطق الدّاخلي للتاريخ التونسي قبل الاستعمار الحديث، جئت بفرضية « نمط الإنتاج المخامسي » واعتبرت أنماط الإنتاج الأخرى مثل نمط الإنتاج الإقطاعي أو نمط الإنتاج الآسيوي أو نمط الإنتاج الخراجي(سمير أمين)… غير ملائمة، فهل لك أن توضح لنا فرضيتك ؟
إشكاليتي هي التخلف والعجز العربي عن تبني الحداثة الغربية، أي تبنى الرأسمالية والدّيمقراطية والدولة القومية والثقافة المتمحورة حول الإنسان لا حول الميتافيزيقيا. والمعروف أنّ المستشرقين قدّموا تفسيرات لهذا التخلّف مثل غياب العقلانية، والعزوف عن السيطرة على الطبيعة، واستبداد الدولة واحتكارها للسياسة وللاقتصاد، وتبعيّة المدينة للدولة، وسيادة العوامل الفوقية مثل الدين والسحر والشعوذة… وهذه الأسباب – وإن كنت لا أنفي صحّة الكثير منها – هي أسباب « متمحورة حول الذات الأوروبية»، أي مستمدّة من التاريخ الأوروبي فقط، فما به تقدم الأوروبيون اعتبر غيابه سبب تأخر العرب. ولقد حاولت أن أفهم الواقع النوعي الخاص للصيرورة التاريخية التونسيّة قبل الاستعمار الفرنسي، والجهاز المفاهيمي الذي اعتمدته هو الجهاز المفاهيمي للمادية التاريخية مع الاستئناس بالفرويديّة وبالبنيويّة، واعتبرت أن الماركسيّة التقليدية بحاجة إلى مراجعة لأنها عزت التخلف العربي إما إلى غياب برجوازيات على غرار البرجوازيات الأوروبية، أو إلى غياب نمط الإنتاج الإقطاعي، أو لوجود نمط إنتاج آسيوي… لقد كانت هذه الماركسيّة الكلاسيكية « متمحورة هي أيضا حول الذات الأوروبية» رغم إعلانها العكس. وقد قام المصري سمير أمين بقلب هذه الماركسيّة التقليديّة رأسا على عقب، وبليّ العصا في الاتجاه المعاكس تماما، وصنع نظرية في التاريخ العربي الإسلامي يمكن اعتبارها « متمحورة حول الذات الشرقية » إذ رفض مقولة نمط الإنتاج الإقطاعي، وقال إن تخلف العرب راجع إلى هيمنة نمط الإنتاج الخراجي، وهو نمط إنتاج يشبه نمط الإنتاج الإقطاعي، لكنه نمط إنتاج صلب وغير مرن، ولا يمكن تجاوزه بسهولة، خلافا لنمط الإنتاج الإقطاعي الذي استطاعت البرجوازية الأوروبيّة تحطيمه بسهولة وبناء اقتصادها الرأسمالي.
إنني لم أقتنع لا بنمط الإنتاج الفيودالي، ولا بالخراجي، ولا بالآسيوي لمقاربة الواقع التونسي قبل الاستعمار، وقد شرحت ذلك في بعض كتبي بإسهاب. وقررت الانكباب على دراسة القاعدة المادية للمجتمع التونسي دراسة ملموسة معمقة، وخاصة المنتجين المباشرين وعلى رأسهم العمال « الخمّاسة » (عمال ينالون خمس الإنتاج الحبوبي)، وتونس بلد فلاحي معروف منذ القديم (مطمورة روما). لقد اكتشفت أن الفقهاء المالكيين استنكروا مؤسسة الخماسة لأنها في نظرهم عقد شغل ينطوي على الرّبا والغرر وكراء الأرض بما تخرجه، واكتشفت أنهم نظروا إلى هذا العقد بمعايير التجارة ويوطوبيا المجتمع « المساواتي »، وهذا ما يفسر أنهم لم يجدوا لهذا العقد إطارا شرعيا مناسبا، فاضطروا إلي الحيل الفقهية. ويمكن القول هنا إن « العقل العربي » ليس عقلا « قياسيا » (القياس) فقط كما يقول محمد عابد الحابري، إنما هو أيضا عقل مجبول على النظر إلى « المعاملات » بمعايير التجارة ويوطوبيا المجتمع « المساواتي » (مدينة الفقهاء الفاضلة).
أعتقد أني اكتشفت وجود نمط إنتاج خاص جدّا هيمن على تونس منذ اندثار العبودية بها وحتى خضوعها للرأسمالية، سمّيته « نمط الإنتاج المخامسي »، نسبة إلى العامل الخماس، لأن كل عقود الشغل في المجتمع (عقد الرعي، عقد المغارسة، عقد المساقاة، عقد تضمين الصناع في المدن…) تشتغل وفق الآليات التي تقوم عليها مؤسسة الخماسة. هذا لا يعني أني أخلط بين مفهوم نمط الإنتاج ومفهوم عقد الشغل كما اتهمني بذلك بعض الذين لم يقرؤوا ما كتبت، وما أكثرهم! لقد كان لا بدّ من اختيار تسمية لهذا النمط الإنتاجي مستمدة من الواقع التونسي، ومن واقع الكادحين الفلاحين الذين كان لهم الفضل في صنع خيرات تونس على امتداد قرون طويلة. و يمكن تعريف نمط الإنتاج المخامسي كما يلي : هو نمط إنتاج يتسم بالطابع التغيبي لملاكي وسائل الإنتاج، وبحصولهم بوسائل غير إقتصادية أهمّها الرّبا على الريع العقاري في شكل عمل من المنتجين المباشرين، علما بأن ذلك الريع لا يقتصر على فائض العمال، وإنما يلتهم جزءا من العمل الضروري لإعادة إنتاج قوة العمل، الأمر الذي يؤدّي بالمنتجين المباشرين عمليا إلى التخلي عن جزء هام من حريتهم الشخصية وذلك بالرغم من تمتعهم بحريتهم قانونيا، ورغم أن ميزان القوى الديمغرافي كان دائما لصالح هؤلاء الكادحين، فقد كانوا يعانون من استلاب ثقافي وديني ساحق. ونمط الإنتاج المخامسي نمط مغلق خلافا لنمط الإنتاج الفيودالي الذي كان الأقنان يتمتعون فيه ببعض الحوافز التشجيعية والمدن تتمتع فيه بكل حرّيتها. ونمط الإنتاج المخامسي – وخلافا لما جاءت به الماركسية الكلاسيكية – لم يشهد مرحلة صاعدة بأتمّ معنى الكلمة، وإنما هو نمط إنتاج ولد وهو شبه ميت (عدم تمتع العمال بأبسط الحوافز التشجيعية، تزييف وعيهم الطبقي من قبل الأولياء والطرق الدينيّة، الأوبئة، اختلال الأمن، تزامن ولادة هذا النمط مع ولادة الرأسمالية في أوروبا وبداية محاصرة هذه الرأسمالية لتونس). لقد كان نمط إنتاج شبه ميّت وليس ميّتا لأنّ تونس شهدت بعض الحيويّة اقتصاديّا وثقّافيّا في القرنين 14 و15.
إذن من الأسباب الرئيسية في رأيي لتخلف تونس هو نمط الإنتاج المخامسي الذي اخترعه المجتمع في فترة معينة، لكنه كان اختراعا باهتا وغير فعال ومغلقا إغلاقا محكما.
لماذا تتحدث عن نمط الإنتاج الفيودالي وليس الإقطاعي كما درج المؤرخون العرب على ذلك؟
لقد عرّب المثقفون العرب الكثير من المفاهيم الغربيّة بطريقة خاطئة، فالإقطاع في التاريخ العربي الإسلامي مغاير تماما للفيودالية الأوروبية، وأغلب الأخوان المشارقة على سبيل المثال لم يفهموا جيّدا كتابات سمير أمين وعرّبوا « نمط الإنتاج TRIBUTAIRE » بالخراجي، في حين أن التعريب الصحيح هو « إتاوي» لأنّ الإتاوة فائض عمل وإنتاج بينما الخراج ضريبة حكومية، وسمير أمين يقصد الإتاوة وليس الخراج. أنظر كذلك كيف يطلق الكثير من الكتاب العرب كلمة « استعمار » على حقائق مختلفة بعضها عن بعض، فالمعروف أن الاستعمار يمكن أن يكون «كولونيالية»، كما يمكن أن يكون «إمبريالية» كما يمكن أن يكون «عولمة»… إلخ
أين مقولتك «نمط الإنتاج المخامسي» من الموضوعيّة التاريخيّة التي ينشدها كل مؤرخ؟
الموضوعية التاريخية حلم كل مؤرخ، وهي ليست سهلة المنال، لكنها ليست مستحيلة، وفي رأيي أن أقصى ما يمكن بلوغه هو جزء كبير من الحقيقة لا كلها، وهذا ما يفسر مشروعيّة ما يسمّى بـ«إعادة كتابة التاريخ » الدائمة. وقد وضع المؤرخون والفلاسفة منذ القديم مناهج كثيرة تصوّروا أنها ستوصلهم إلى الموضوعية، لكن تبيّن لهم أنّ الواقع عنيد وأحيانا عنيد جدّا، وهذه المناهج كثيرة، فقد ظهرت منذ عصر النهضة الأوروبية الإنسانوية والرومنطيقية والوضعية والتاريخانية والماركسية والبنيوية والفرويدية و«ما بعد الحداثة » (انظر كتابي : مفهوم التاريخ وتاريخ المفهوم في العالم الغربي منذ عصر النهضة إلى اليوم). إنّ الرأي عندي هو أنّ المؤرخ عليه أن يستوعب جيدا هذه المناهج ويختار ما يريد منها، ولا يكتفي بهوس تجميع المعلومات من الأرشيفات، وعليه أن يكون جسورا ويتقدم بأطروحات ونظريات جديدة، ولا يهمّ إن أخطأ، لأن مسيرة العلم كما قال الفيلسوف انقلز هي الانتقال من خطأ فادح إلى خطأ أقلّ فداحة.
لماذا تتمسّك بالماركسيّة رغم كل النقد الموجّه لها الآن؟
أعتقد أن الماركسيّة هي الآن أفضل نظرية معرفة موجودة على السّاحة الفكرية رغم كل نقائصها، فمفاهيم مثل نمط الإنتاج و التشكيلة الاجتماعية والدور الرئيسي للعامل الاقتصادي والصراع الطبقي… مفاهيم وجيهة جدّا، فمن ينكر اليوم أن الاقتصاد هو محرك التاريخ؟ ومن ينكر الصراع بين العمال ورأس المال؟…
إن الماركسيّة كمنهج للدراسة شيء وكبناء مجتمعي شيء آخر، ولا ينبغي الخلط بين المستويين. ما فشل في الإتحاد السوفيتي هو تطبيق معيّن للماركسيّة، لكن هناك تطبيقات أخرى ممكنة. هل يمكن أن نخلط بين مجتمع طالبان في أفغانستان والإسلام؟ إن أغلب الذين ينقدون الماركسيّة من المثقفين العرب لا يعرفون عن الماركسيّة شيئا، وفاقد الشيء لا يعطيه. نقاد الماركسيّة في العالم العربي مثل نقاد الأدب، فكم هم نقاد الأدب في العالم العربي الذين يستحقون هذه التسمية؟ الأكيد أنه سيأتي يوم ينتج فيه العلماء نظرية أحسن من الماركسيّة، لكن إلى أن يأتي ذلك اليوم، فأنا متمسّك بالماركسيّة رغم أن لها نقائص هامة في ميادين مثل الدولة والفن والأدب واللّغة والدين، وأنا متفتح على المناهج الأخرى مثل البنيوية والفرويدية، لأنّ الانغلاق على نظرية واحدة هو عين الضلالة.
ما تقييمك لواقع البحث التاريخيّ في العالم العربي اليوم؟
لقد حقق المؤرّخون العرب قفزة كمية كبيرة في مجال البحث التاريخيّ، لكن لا يمكن بأي حال من الأحوال الحديث عن مدرسة أو مدارس تاريخية عربية رغم بعض المحاولات الرائدة مثل محاولات عبد العزيز الدوري (العراق) أو عبد الله العروي (المغرب) أو هشام جعيط (تونس)… إنه ليس من السهل بعث مدرسة تاريخية جديدة، أي اختراع منهج جديد، والمناهج السائدة في العالم العربي اليوم هي مناهج صاغها علماء غربيون. نحن لا نستورد البضائع فقط من العالم الغربي وإنما نستورد كذلك الأفكار. أما القول بأنه علينا أن نعود إلى ابن خلدون مثلا، فهذا وهم “جميل” لأن نظريات ابن خلدون –رغم أهميتها العالمية- ليست صالحة لفهم العالم العربي اليوم، وإنما هي صالحة جزئيا لفهم جوانب معينة من الواقع المغاربي في القرن الرابع عشر، ومن العبث كذلك اعتبار ابن خلدون مكتشف الماركسية. إن ابن خلدون عبقريّ، ما في ذلك شك، لكن لا ننسى أنه ابن القرن الرابع عشر، وعلماء الغرب قرؤوه وتجاوزوه مثلما فعلوا مع ابن رشد وابن النفيس والرازي… إلخ. كفانا عبادة للماضي لأنّ “الإفراط في استهلاك التاريخ مضرّ بالأحياء” كما قال الفيلسوف الألماني نيتشه.
أعتقد أن معوقات البحث التاريخيّ في العالم العربي اليوم هي ضعف التكوين النظري للكثير من المؤرخين، وتدخّل الدولة في تدريس التاريخ، والخلط بين التاريخ والتربية المدنية، ومحدودية اّلإلمام باللغات الأجنبية، وضعف التكوين البيداغوجي للكثير من مدرّسي التاريخ في مختلف مراحل التعليم، وقلة الإهتمام بترجمة أمهات الكتب الغربية، “وسباق المؤرخين ضد الساعة” للحصول على لقب “دكتور” وذلك على حساب التأني الذي يتطلبه البحث التاريخيّ الجادّ.
هل يمكن الحديث بالنسبة إلى التاريخ العربي عن تاريخ قديم وتاريخ وسيط وتاريخ حديث وتاريخ معاصر على غرار ما يفعل الأوروبيون؟
ـ تحقيب التاريخ الأوروبي (قديم، وسيط، حديث، ومعاصر) صالح لأوروبا فقط، ولا يصلح للتاريخ العربي الإسلامي رغم أن الجامعة التونسية وجامعات عربية أخرى تصر على تطبيق هذا التحقيب الأوروبي على تاريخنا، فكلمة “وسيط” على سبيل المثال تعني بالنسبة إلى الأوروبيين الفيودالية والتخلف الحضاري بينما تمثل هذه الفترة “الوسيطة” بالنسبة إلى العرب أزهى عصورهم.
أعتقد أن هناك ثلاثة أحداث لا يمكن الاختلاف حولها بالنسبة إلى المنطقة العربية: الانخراط في الفعل الحضاري ظهور الإسلام والاندماج في المنظومة الرأسمالية العالمية، والرأي عندي أن على مؤرخي كل بلد أن يبحثوا داخل هذا التاريخ الطويل عن التحقيب الملائم لبلادهم، وربما المعيار الذي يمكن أن يعتمدوه هو نمط الإنتاج (المعيار الاقتصادي)، أما اعتماد معيار السلالات الحاكمة، فرغم أنه معمول به كثيرا في الجامعات العربية، إلا أنه معيار غير سليم لأنه يمكن لمجتمع أن يشهد تعاقب الكثير من السلالات الحاكمة لكن دون أن يطرأ على قاعدته المادية أو هياكله الفوقية (الدين، الثقافة،…) أي تغيير يذكر.
كيف ترى مستقبل علم التاريخ في عصر المعلوماتية؟
لا مجال لإنكار عظمة الثورة المعلوماتية، فهي ثالث ثورة تقنية في التاريخ الإنساني بعد الفلاحة والصناعة، وما توفره ثورة المعلومات والاتصال من وسائل للمؤرخ مفيد جدا، لكن لا يمكن أن نتصور أن الحاسوب سيعوض الذكاء البشري. لقد كانت البوصلة اختراعا رائعا، لكن الذي اكتشف أمريكا هو كريستوف كولمبوس وليس البوصلة.
ما رأيك في ما يسمّى اليوم في العالم الغربي بـ”تاريخ الحاضر” أو “التاريخ الآني”؟
قرأت بعض كتابات المتحمسين لهذا الاتجاه، فوجدت أنها مجرد تحاليل صحفية لا أكثر ولا أقل. يجب في رأيي أن تتوفر للمؤرخ “مسافة زمنية” تفصله عن الأحداث وتكون كفيلة بتزويده بحد أدنى من الصفاء الذهني والرصانة.
تحدثت منذ حين عن الماركسية كبناء مجتمعي. ما رأيك كمؤرخ في التاريخ المعاصر في أسباب الانهيار المذهل والمفاجئ للاتحاد السوفيتي؟
_ الأسباب كثيرة وهي:
– إصرار البلاشفة على قطع المراحل التاريخية بسرعة
– غياب الديمقراطية السياسيّة
– تجمد الفكر الماركسي
– العجز عن تطوير قوى الإنتاج لتحسين حياة الناس
– محاولة استئصال الدين
– اعتبار التقنية محايدة اجتماعيّا
– إيمان أصحاب القرار بالانهيار النهائي الحتمي للرأسمالية في أوروبا وأمريكا
– عدم حلّ مسألة القوميات غير الروسيّة حلاّ سليما
– تحول الأحزاب الشيوعية خارج الاتحاد السوفيتي إلى مجرد أبواق دعاية للسوفيات
– الخلافات داخل المعسكر الاشتراكي
– الترهل البيروقراطي
– تحمل الدولة السوفيتية لأعباء ثقيلة جدّا ( التسلّح، إعانة حركات التحرر وبلدان كثيرة في العالم الثالث…)
– الأخطاء القاتلة لميخائيل غورباتشاف
وأهم سبب في رأيي هو تحول الحزب الشيوعي إلى أقلية « برجوازية» منفصلة عن المجتمع ومتمسكة بامتيازاتها ورافضة لأي تجديد في المجتمع.
و ما يجري في الصين الشيوعيّة اليوم؟
حققت الصين منذ 1992 نموا اقتصاديا وعلميّا لافتا للانتباه، وأنا لا أعتبر بدعة إدخال جرعات من الرأسمالية في الاقتصاد الاشتراكي الصيني لتحسين أدائه، ألم تتدخل الدولة الرأسمالية بفضل عالم الاقتصاد كاينز جرعات من «الاشتراكية» في صلب الرأسمالية لإنقاذها من أزمتها الكبرى عام 1929؟ إن السؤال هو: هل أن ما يجري في الصين هو تحوّل بطيء نحو الاشتراكية أم هو تحوّل مستـتر نحو الرأسمالية؟ لا أحد يستطيع الإجابة الآن.
اعتبرت “العولمة” شكلا جديدا من أشكال الإمبريالية. كيف ذلك؟
لقد حل مصطلح “العولمة” منذ أواخر القرن العشرين محلّ مصطلحات مثل المجتمع الصناعي أو اقتصاد السوق. ومفهوم “الامبريالية” بالمعنى اللينيني للكلمة (لينين) اختفى من خطاب اليسار العالمي، ومردّ ذلك بدون أدنى شك الهيمنة الساحقة على العالم لصالح للولايات المتحدة الأمريكية. والرأي عندي أنه يمكن تحقيق تاريخ الإمبريالية كالتالي: الفترة من أواخر القرن التاسع عشر إلى 1917 (الثورة البلشفية)، الفترة من 1917 إلى 1991 (انهيار الإتحاد السوفيتي) وأخيرا فترة “العولمة” وهي الفترة التي لا تزال متواصلة إلى اليوم، وهي المرحلة التي شهدت الأحداث التالية:
– انهيار الإتحاد السوفيتي وتحول الهيمنة الأمريكية على العالم إلى هيمنة ساحقة.
– تحول الصين الاشتراكية إلى قطب عالمي.
– تشكل الإتحاد الأوروبي.
– نجاح الدول الامبريالية في إنشاء الخطط التنموية للأنظمة الراديكالية في “العالم الثالث”.
– استنفاذ السياسة الفوردية، الكينيزية في البلدان الرأسمالية لطاقتها القصوى.
– ظهور ثورة المعلوماتية.
– تحكم الشركات المتعددة الجنسيات (وأغلبها أمريكية) في غالبية النشاط الإقتصادي العالمي.
– بروز مؤسسات عالمية لخدمة رأس المال (صندوق النقد الدولي، المنظمة العالمية للتجارة…).
– تراجع نضال العمال والشرائح الوسطى ضد رأس المال في العالم الرأسمالي.
– ولادة “عالم رابع” مهمش.
– تثبيت قوة العمل على تخوم النظام الرأسمالي العالمي (منع الهجرة العالمية إلى البلدان الرأسمالية).
– اكتساح الثقافة الرأسمالية في صيغتها الأمريكية لكل العالم.
لقد أصدرت منذ ثلاث سنوات كتابا عن الحركة القومية العربية. ألا تزال مصرا على أن لهذه الحركة مستقبلا؟
تعيش الحركة القومية العربية انحسارا متواصلا منذ هزيمة 1967، ولا أدلّ على ذلك من ظهور حزب مصر الأمّ (2003) في مصر “قلعة العروبة”، وهو الحزب الذي يطالب جهارا بتحرير مصر من العروبة وجعلها مصرية خالصة!
ويعود هذا الانحسار في رأيي إلى الأسباب التالية:
– معارضة التحالف الإمبريالي، الصهيوني لأية وحدة عربية مهما كان نوعها وشكلها.
– رسوخ الكيانات القطرية (مصر، تونس، المغرب الأقصى…).
– التباين في التطور الاقتصادي والاجتماعي والثقافي بين الأقطار العربية.
– غياب الديمقراطية.
– الذوبان التدريجي للشرائح الوسطى بفعل سياسات “الانفتاح” (مثال مصر).
– عدم حل مسألة المجموعات غير العربية حلا ديمقراطيا (الأكراد، البربر، الأقباط،…).
– غياب النظرية والبرامج الواضحة.
– التسرع والارتجال (الوحدات الكثيرة بين ليبيا وجاراتها).
– محدودية الثقافة السياسية لأصحاب القرار.
– الصراع على الزعامة بين الحكام العرب.
– ازدهار حركات الإسلام السياسي.
– الويلات التي جرها على العراق وعلى العالم العربي محاربة النظام البعثيّ العراقي لإيران واحتلاله للكويت.
إنّ قدر العرب هو أن يتّحدوا لأنهم مهدّدون بالخروج نهائيا من التاريخ، وربما بالانقراض كما حصل للهنود الحمر أو للأزتاك. إن الوحدة العربية ليست “يوطوبيا” في عصر التكتلات الكبرى. ليتعظ العرب بما فعله الأوروبيون الذين اتحدوا رغم أن مقومات الوحدة بينهم ضعيفة جدا مقارنة بمقومات الوحدة العربية.
لقد كان أوّل كتبك عام 1981 “النشاط الصهيوني بتونس بين 1897 و1948” الذي كتب لك توطئته الشاعر الكبير محمود درويش، فما رأيك في ما آل إليه الصراع الفلسطيني –العربي- الصهيوني؟
إن من نافلة القول أن “قضية الشرق الأوسط” ليس صراعا بين الفلسطينيين وإسرائيل، وإنما هي صراع وجود بين الأمة العربية والتحالف الإمبريالي –الصهيوني-.
لقد عملت الدول الرأسمالية العظمى على زرع إسرائيل في قلب المنطقة العربية، وذلك منذ محاولة محمد علي قبيل أواسط القرن التاسع عشر خلق كيان عربي مصنّع وموحّد وقويّ حول مصر، والأسباب هي:
– العداوة التاريخية الحضارية بين العرب وأوروبا منذ ازدهار الإسلام وتحوّله إلى إمبراطورية عظمى.
– الموقع الاستراتيجي للوطن العربي.
– الثروات العربية وعلى رأسها النفط.
ولقد عملت الدول الامبريالية في الفترة الأخيرة على منع العرب من امتلاك أسلحة الدمار الشامل، وفي اعتقادي أن احتلال العراق حاليا هدفه حماية إسرائيل وليس الحصول على النفط، لأن الأمريكيين قادرون على الاستحواذ على هذا النفط بالوسائل الاقتصادية التي يتقنونها جيدا.
إن الصعوبات الكبرى التي تمر بها القضية الفلسطينية راجعة إلى التردّي السياسي الذي سقط فيه العرب، وانّ المرء ليصاب بالدوار عندما يعلم أن العرب أتيحت لهم ثروة (النفط) لم تتح لأمة في التاريخ، لكنهم بذروا تلك الثروة وحولوها من نعمة إلى نقمة. صحيح أن الأنظمة السياسية العربية حسنت كثيرا من مستوى عيش السكان، وحاضر العرب ماديا هو اليوم أفضل مما كان عليه في أي عصر مضى، لكن العرب قادرون على الدخول من جديد في التاريخ لو تخلى أصحاب القرار عن الأخطاء القاتلة التي يواصلون ممارستها وهي الاستبداد واضطهاد المثقفين والتبذير والأنانية القطرية والتطبيع مع إسرائيل والاحتماء بالدول العظمى “الصديقة”، والتفسيرات الماضوية للإسلام، وعدم الوعي بأنهم ورثاء أمة عظيمة.
كيف ترى دور المثقف العربي اليوم؟
لنعتبر من باب التبسيط أن المثقف هو كل متعلم من طراز رفيع نسبيا ومنتج للمعرفة ومهتم بصفة نشيطة بمشاكل بلده وأمته وعصره، ونترك جانبا الجدل المعروف حول ماهية المثقف (تعريفات غرامشي ومانهايم…)
لقد أدى إدماج العرب في المنظومة الرأسمالية العالمية بالطريقة التي نعرف (الاستعمار المباشر وغير المباشر) إلى ميلاد صنفين من المثقفين: صنف متمكن من التراث لكنه جاهل للعالم الراهن أو رافض له، وصنف عارف بالعالم الراهن ومبهور به لكنه رافض للتراث أو معرفته له محدودة، وهذان الصنفان من المثقفين عاجزان عن القيام بدور إيجابي حقيقي، وما هو مطروح في جدول التاريخ العربي الراهن هو إيجاد صنف جديد من المثقفين، صنف عارف بماضيه معرفة نقدية وعارف بالعالم المعاصر، وعامل على أن يتوحد العرب ويتحولوا إلى منتجين للحضارة لا مجرد مستهلكين لما ينتجه الغير؛ على أن يكون الطريق إلى ذلك تنمية وطنية ديمقراطية ومعتمدة على الذات ولصالح أغلب طبقات الأمة.
أصبح الحديث يدور عن الديمقراطية وكأنها “مصباح علاء الدين السحري” الذي سيحول العالم العربي – لو طبقت- إلى جنات عدن، فما رأيك؟
الديمقراطية شرط ضروري وحاسم لكنه غير كاف لحل مشاكل العالم العربي، لكن لا بد من الاعتراف بأن الديمقراطية لا تزال مع الأسف مطلب النخبة لا مطلب الجماهير العربية، والأسباب كثيرة أذكر من بينها:
– الموروث الإسلامي القائم على “باراديغم” طاعة الأمير، والمعروف أنه لا يوجد أثر لكلمة “حرية” في التراث العربي الإسلامي (انظر على سبيل المثال لسان العرب وهو أعظم قاموس لغوي عربي). الحرية الوحيدة الموجودة في الجهاز المفاهيمي الإسلامي هي حرية الإنسان الحر مقابل الإنسان العبد. وأسوق هنا حادثة طريفة، فعندما وصل الملك الفرنسي لويز فيليب إلى الحكم عام 1830، نزلت جموع من الجزائريين تهتف بحياة الري فيليب. (الري تحريف لكلمة Roi الفرنسية أي الملك)، وعندما سقط النظام الملكي عام 1840 وقامت الجمهورية في فرنسا، نزلت نفس الجموع تهتف بحياة ” الري بيبليك” ظنا منها أن كلمة République (جمهورية) تعني ملكا (ري) اسمه بيبليك. إن هذه الجموع مثلها مثل أغلب الجماهير العربية اليوم لا تتصور إمكانية أن يعيش شعب بدون ملك! والملك في نظر هذه الشعوب معناه الشخص الذي له الحقّ أن يفعل ما يريد برعيته.
– عدم ارتباط الديمقراطية في العالم العربي بتحوّل مجتمعيّ حاسم ومصيريّ على غرار ما جرى في أوروبا إبان الصراع الضاري بين الإقطاع والبرجوازية حيث كانت الديمقراطية مسألة حياة أو موت بالنسبة إلى البرجوازية.
– قدم مؤسسة الدولة المركزية وعراقة تقاليد الانصياع لها في بعض البلدان العربية (مصر، تونس، المغرب الأقصى).
– المفعول الهدام للعصبيات الضيقة (القبيلة والجهوية) وخاصة التعصب الديني الذي شوه صورة الإسلام في العالم قاطبة.
– الاستبداد الذي يمارسه الحكام.