
شهر رمضان فيه مشقّات عديدة وفيه مُتع لا تُحصى، ومن الحكمة أن يتذوّق المرء مشقاته ومتعه. من متعه سهراته الحافلة، لا أعني السهرات الثقافية والفنية والفرجوية، بل سهراته الشعبية والعائلية التي يحضر في الكثير منها أصناف من تزجية الوقت والاستمتاع به في أجواء من خلوّ الذهن والترويح عن النفس والتنافس السلميّ والمراهنات المشوّقة، خصوصا من خلال لعبة الورق بمختلف تسمياتها وقواعدها، وهي لعبة لم تقدر التلفزات وبرامجها ومسلسلاتها على الإضرار بمكانتها وحظوتها لدى المغرمين بها، رغم ما للتلفزات من سطوة وتأثيرات جسيمة على الكثير من التقاليد والأعراف العائلية والاجتماعية.
طالما اعتقدت أنّ لعبة الورق اخترعها عقل رياضيّ عبقريّ فذّ اكتشف بواطن النفس البشرية وأوجد لها معادلة لعبة تأسرها، تشتقّ قانونها من أصلب قوانين الحياة ذاتها: الصدفة والحساب في مجال العلوم الطبيعية… والخبرة والمنهجية والحذق والمغامرة في مجال العلوم الإنسانية، مع ذكاء تلقائيّ في التعرّف على نفسيات المتنافسين ومخاتلتهم والتمويه عليهم والإيقاع بهم “للتشكيب” (1)عليهم أو “الفرشة” الحاسمة. وفي كل ذلك لا ندري هل أنّ اللاعبين هم الذين يلعبون بـ”الكارطة” أم أنّ “الكارطة” هي التي تلعب بهم، وكم في ذلك، أحيانا، من مطابقة بين نوعية علاقة الإنسان بمصيره، وهل هو سيّد مصيره، أم مصيره هو السيّد عليه من حيث يدري أو لا يدري؟
كنت أعزو اختراع لعبة الأوراق إلى الغربيين لأنّهم، حسب فهمي العموميّ المشترك، أرباب أغلب الاختراعات الحديثة، فضلا عن عقولهم الخلاّقة في ابتكار الجانب الأوفر من اللُّعب التي تحظى برواج عالميّ في العديد من الميادين، من الرياضة إلى لعب الطاولات والآلات الكهربائية والالكترونية وبرامج المسابقات التلفزية إلى لعب المخاطرات العنيفة وتسلّق الجبال والتزحلق على الثلوج إلخ… وحين تساءلت عن مصادر لعبة الأوراق وحاولت البحث في ذلك على الانترنت فوجئت أنّ لعبة الأوراق ليس مصدرها أوروبا ولا أمريكا، وإنما هي لعبة موغلة في التاريخ وشاركت حضارات دارسة وأمم قديمة في وجودها وصياغتها وتطويرها عبر القرون والأجيال من أجل البلوغ بها إلى الأشكال التي عليها الآن، وأنّ للعرب نصيبهم المؤكّد في تاريخ هذه اللعبة خلال حقبة المماليك في مصر وكذلك مسلمي الأندلس، ومن هناك انتقلت إلى أوروبا وخصوصا إلى إيطاليا وفرنسا، وقد شهدت اللعبة رواجها الشعبيّ الكبير مع ثورة الطباعة التي أتاحتها للعموم.
ثمّة من المؤرخين من يعيد أصولها إلى مصر القديمة وإلى الحضارتين الهندية والصينية، لكن الثابت في الأمر كله أنّ لعبة الأوراق كانت لها صلة بالرموز الدينية ولها علاقة وطيدة بالكهانة والعرافة والاطلاع على الغيب والتنبؤ بالمستقبل، منذ بداياتها إلى وقتنا الحاضر. كما أنّ الثابت، في الحين ذاته، هو أنّ لعبة الأوراق هي ابتكار للعقل البشريّ في كلّيته وعبر تاريخه، وهي شركة مساهمة للذكاء والسحر البشريين لا يمكن تصفيتها وتقاسم أسهمها الخفية، وذلك ما يفسّر بكلّ تأكيد الألفة والمؤانسة والقرابة التي تتمتّع بها هذه اللعبة في علاقتها بالناس في البلدان والشعوب والأجناس والأجيال، لأنها من ابتكارهم جميعا، من ابتكار المخيّلة الجماعية المبدعة للجنس البشريّ، وليست من ابتكار عقل قوميّ أو عرقيّ متفوّق على غيره من بني جنسه، كما لا يشوب نفوذها في النفوس أيّ نوع من الإكراه، عدا الإفراط فيها والإدمان عليها، عندئذ ينقلب سحرها على اللاعب ليكون هلاكه، إلا من رحم ربّك!
إنها من جهة تنطوي على أسمى معاني المساواة والديمقراطية وحكم القانون بين الراغبين في اللعب، ومن جهة ثانية سريعة الاستجابة للدهاء والمكر والتحايل والغشّ… إنها لعبة فيها اللعب النظيف وفيها التلاعب… النظيف أيضا! لأنّ التلاعب كلّما فقد “نظافته” وإتقانه ومهارته تعفّن وفاحت رائحته وانقلب وبالا على مقترفه.
لست في مقام المدح ولا القدح، كما إنني لست في مقام استعراض ما طرأ على هذه اللعبة من أطوار وتغييرات وانتقالات وممارسات وسياسات ومهامّ، وهذا كله مبذول في العالم الافتراضيّ لمن شاء مزيد الاطلاع، ولكن حسبي التأكيد على أنّ الكثير من تفاصيل الحياة، التي عادة لا تثير الاهتمام، تتبدّى حين التفكير فيها والنبش في سجلاتها على أهمية بالغة لم تكن لتخطر على بال، وللبرهنة العابرة على ما نحن بصدده نتذكّر كيف تفتّق ذهن قيادة الجيوش الأمريكية في حربها على العراق على تثبيت صور أعضاء الحكومة العراقية على اثنتين وخمسين من أوراق لعب الكارطة، وهو العدد الفعليّ لأوراق اللعبة، ثم زادته ثلاث ورقات أخرى ليصبح العدد الجملي 55 مسؤولا حكوميا مطلوبا، وكأنّها بذلك تريد أن تخالف حجم لعبة الأوراق وعددها الذي ينسب في صيغته الراهنة إلى الفرنسيين… ومن المفارقات أنّ بعض الجهات الفرنسية قامت بردّ تهكّميّ بطبع اثنتين وخمسين ورقة كارطة جعلت الورقة الأولى” لَصَّ بسطون” لرامس فيلد وزير الدفاع الأمريكي ويتلوه رئيسه بوش وهكذا دواليك… والمثير أنّ الأمريكان أهملوا في ورق لعبهم الحربي ورقة الجوكر (المهرّج)، والتي هي ورقة جوهرية بلا مثيل تحسب إضافتها تاريخيا للألمان، وبالمقابل فإنّ الفرنسيين أثبتوا ورقة الجوكر وخصّصوها لجهة يضيق المجال عن ذكرها.
هذا، وشيوخ الفتوى المنتشرون كالفطر في العالمين الواقعيّ والافتراضيّ لا يكفّون عن إصدار فتاوى التحريم لكلّ أنواع اللعب، وخصوصا منه لعب الكارطة التي لا يعرفون عنها شيئا ومع ذلك تخرجهم عن أطوارهم تماما… فماذا لو جرّبوا مرّة “طرح شكّبة”(3)، يسيرا غير عسير، لعلّه يغريهم بصرف أوقاتهم فيما يرفّه عنهم، ويخفّف على الناس من عسر فتاويهم المتكاثرة التي تدلّ على سأمهم وتمطّط أوقاتهم الكئيبة غير القابلة للمرح الحلال، تأسّيا بالحديث الشريف: “روّحوا عن أنفسكم ساعة بعد ساعة فإنّ القلوب إذا كلّت عميت”. صدق رسول الله.
الشواهد:
1ـ شَكَّبَ،يُشكّبُ،تشكيبا:فعل اشتقّه التونسيون ابتداعا من لعبة الشكبّة،ومن معانيه الحافّة استدراج المنافس الى فخّ،أو دفعه الى الخطإ على عيون الأشهاد.وهو مصطلح دارج في المعجم السياسيّ للمقاهي التونسية
2ـ الكارطة:اللفظ التونسيّ العامّيّ المعرّب للعبة الورق
3ـ طرح:مقابلة، مباراة
-*شكبّة:لعبة ورق تلعب باستعمال 40ورقة،وهي أكثر ألعاب الورق شعبية في تونس