
ما المختلف الذى يمكن للذكرى السابعة لهجمات الحادي عشر من سبتمبر أن تقدّمه كذريعة للقول بإنها مختلفة عن ذكرى السنوات الماضية؟
لقد أحيى العالم-أو تذكّر وحلّل وبحث- خلال 6 مناسبات للذكرى تأثير هذه الهجمات على النظام العالميّ وقضاياه وطبيعة تفاعل وحداته فيما بينها.
وعبر هذه السنوات يمكن للمرء أن يحدّد بسهولة طابع الاستمرارية في السّياسات الأمريكية التي أعقبت هجمات 11 سبتمبر، فالحرب(السلوك الذى فضّلته إدارة الرئيس الأمريكيّ جورج بوش كردّ ملائم على الهجمات)، لا تزال دائرة في العراق وأفغانستان، ولا يزال تنظيم القاعدة (وتنظيمات أخري) قادرا على إجراء تفجيرات ضدّ مواقع أمريكية وسياحية مثلما حدث مؤخّرا في اليمن وباكستان.
ومع هذه الاستمرارية ينمو الاعتقاد أكثر بفشل واشنطن في تحويل مسار الأداة العسكرية لصالحها بمعنى تحجيم نفوذ الجماعات المتطرفة، وتقليل حجم مناخ الخوف الذى اعترى العالم الغربيّ حيال التهديدات التي يفرضها تنظيم القاعدة وأشقاؤه من الجماعات التي تتبنّى العنف منهجا وسبيلا لتصفية الأعداء المفترضين.
تواصل هذه الساسيات عبر الفترة الزمنية التي تفصل اللحظة الراهنة ولحظة وقوع الهجمات لا ينفي حدوث جديد أطلّ علينا في أحدث ذكرى لهجمات سبتمبر، سواء على مستوى تعامل وحدات النظام الدوليّ مع بعضها البعض(الحرب الروسية- الجورجية)، أو من خلال تطورات المنتج المركزيّ الذي أفرزته 11 سبتمبر وهو سياسات المنهج الجدليّ لـ “الحرب على الإرهاب”.
أبرز ملامح هذا الجديد الذي أطل علينا تكمن في أمرين:الأوّل هو وضوح التناقض البيّن داخل الخطاب الغربيّ حيال إعلان انتصاره (أو هزيمته) في “الحرب على الإرهاب” بمعنى دحره لتنظيم القاعدة وحركة طالبان وغيرهما من تشكيلات متطرّفة أطلق عليها لفظة “التمرّد الإسلاميّ العالميّ”.
أمّا الجديد الثاني فيتمثل في ردّ الاعتبار “بخجل” لفكرة الحوار مع هذه التنظيمات المتطرّفة، والاعتقاد أنّها (أي التنظيمات) ربما تسعى لبلورة مراجعة تنبذ فيها العنف.
{{مؤشّرات الهزيمة}}
عشيّة الذكرى السابعة كان العالم على موعد مع تصريح لافت لواحد من أبرز مهندسي “الحرب على الإرهاب”، وهو رئيس هيئة الأركان المشتركة الأمريكية مايكل مولين الذى أشار إلى أنه بعد سبع سنوات من بدء العمل العسكريّ في أفغانستان فإنّ واشنطن لا تزال عاجزة عن تحقيق “الفوز Winning” وليس “الانتصار Victory ” في البلاد التي شهدت ميلاد حركة طالبان .
من السّهل في هذا السياق تعليل الأسباب التي دفعت بمولين إلى إيراد هذه النتيجة، ذلك لأنّ القاصي والداني يعلمان أنّ النجاحات الأمنية التي حقّقتها القوّات الأمريكية في العراق قابلها من ناحية أخرى فشل ذريع في أفغانستان.
بعض مظاهر هذه الفشل تكمن في إتاحة الفرصة لطالبان والقاعدة حتى يستجمعا قواهما ويشنّا سلسة منظمة من الهجمات على قوّات التحالف الدوليّ أو المؤسّسات الأفغانية الوليدة (الجيش والشرطة).
وهناك أيضا خسارة قوات التحالف لكسب تعاطف السكان المحليين(أحد أسباب النجاح في العراق) جرّاء عشرات العمليات الفاشلة التي شنّتها قوّات التحالف على الأراضي الواقعة على الحدود مع باكستان والتي يعتقد أنّ أسامة بن لادن ونائبه أيمن الظواهري يختبئان بها، حيث خلفت هذه الهجمات مئات من القتلى المدنيين.
وهناك مظهر آخر للفشل يتمثّل في تأزيم علاقات واشنطن بباكستان (الحليف القويّ في الحرب على الإرهاب) نظرا لعمق الضغوط التي تمارسها الأولى على النظام في إسلام أباد من أجل وقف نشاط حركة الأمريكيّ داخل الأراضي الباكستانية.
وحسب صحيفة نيويورك تايمز في 25 فبراير الماضي فقد بدأت مرحلة التأزّم منذ تشديد الرئيس الأمريكيّ لجورج بوش لهجته ضدّ الرئيس الباكستاني السّابق برويز مشرّف حتى يعمل الأخير على الحدّ من نشاطات الأمريكيّ في باكستان.
وخلال شهور تحوّلت هذه المطالب إلى فعل عسكريّ مباشر، حيث كثّفت واشنطن هجماتها على أهداف تعتقد أنها لحركة الأمريكيّ وتنظيم القاعدة في داخل الأراضي الباكستانية، مما دفع قائد الجيش الباكستانيّ الجنرال أشفق كياني لأن يردّ بصورة غير مسبوقة بأنّ بلاده لن تسمح بعمل أيّ قوات أجنبية على أراضيها .
يقال، حسبما أوردت نيويورك تايمز، إنّ الرئيس الأمريكيّ وافق في يوليو الماضي على السماح ولأوّل مرّة لقوات أمريكية خاصّة بشنّ هجمات برية داخل باكستان دون موافقة الحكومة هناك.
الخسائر الأمريكية لم تتوقّف عند هذا الحدّ، ففي الذكرى السنوية السابعة لهجمات سبتمبر والتي تعدّ الأخيرة في عهد الإدارة الحالية مضت بعض الأصوات بعيدا في سياق تدشين حوار مع التنظيمين الأكثر أهمية في سياق الحرب على الإرهاب وهما الأمريكيّ والقاعدة، رغم أنف هذه الإدارة طبعا.
يمكن هنا عرض بعض الأمثلة، فبعد أن أبدى الرئيس الأفغانيّ حامد كرزاي في مارس 2007 رغبته في الجلوس مع من أسماهم جناح “المعتدلين” في حركة طالبان، وقال في حوار شهير مع مجلة “ديرشبيجل”الالمانية أنه مستعد تماما لعقد مصالحة سياسية مع كلّ من الملا عمر وقلب الدين حكمتيار لطيّ صفحة الماضي وتدشين صفحة جديدة ، كشف لنفس المجلة في فبراير الماضي عن مباحثاته المباشرة مع جناح المعتدلين في الحركة.
تعلم الإدارة الأمريكية أنّ دعوة كرزاي كانت بمثابة إعلان يأس من تحسّن الأحوال في البلاد، لكن الخطير كان في موافقة أصوات غربية على فكرة الحوار هذه، فها هو وزير الدفاع البريطانى ديز براون في حكومة جوردون براون يعلن أيضا موافقته على الحوار مع عناصر طالبان، إلا أنه استبعد حوارا مع القاعدة، ورفع وزير الداخلية في نفس الحكومة آلان ويست سقف الحوار ليصل إلى تأييده لمدّ صلات ما مع القاعدة.
وها هو هيوج أوردي رئيس جهاز شرطة أيرلندا الشمالية يدعو بوضوح الحكومة البريطانية بأن تتفاوض مع زعماء القاعدة كجزء مما أسماه إستراتيجية جديدة لإنهاء حملة العنف .
ربما يمكن التوقف أكثر مع فرضيات اودرى، ذلك لأنه رأى أنّ تجربة الشرطة البريطانية في معالجة الجيش الجمهوريّ الأيرلنديّ أكّدت أنّ العمل البوليسيّ وحده -أي كشف المؤامرات والقبض على الناس- لن يدحر الإرهاب. ومن ثم فإنه لا يمكن استثناء القاعدة من التفاوض خصوصا وأنه لا توجد حملة إرهابية واحدة على مرّ التاريخ انتهت بدون تفاوض.
بالطبع لا يوجد اجماع غربيّ على طبيعة الحوار، إلا أنّ بزوغ الفكرة في حدّ ذاتها يمثل تطورا ما، رغم أنّ تبنّي منطق الحوار مع القاعدة قد يتحوّل إلى خازوق سياسيّ فعليّ.
هذا ما حدث مع حملة الهجوم على وزيرة الخارجية السويسرية ميشلين كالمي مثلا التي اشتمّ منها في خطاب امام سفراء بلادها حول العالم في أغسطس الماضي أنها تحبّذ الحوار مع تنظيم القاعدة وأسامة بن لادن، وردّت وزارتها سريعا بأنّ هذا السيناريو “غير وارد على الإطلاق”.
بالطبع لا يتصور أحد أن يجلس جورج بوش (او أيّ من أطقم إدارته) في خيمة واحدة مع أسامة بن لادن أو الملا عمر، لكنّ ما تأمله بعض القطاعات الغربية التي أنهكت نوعا ما بفعل نتائج الحرب على الإرهاب هو شقّ طريق ما بين هذه التنظيمات المتطرفة.
لورانس رايت قدّم دليلا على هذا، ففي تحقيقه المطوّل المنشور على ثلاث حلقات في صحيفة الأوبزرفر في يوليو الماضي قال إنه وعلى هامش المساجلة الضارية ما بين أيمن الظواهرى-الرجل الثاني في تنظيم القاعدة-وسيّد إمام الشريف-منظّر تنظيم الجهاد -حول موقف الأخير النقديّ من عمليات القاعدة، فقد كان السؤال الأهم في هذا الصدد لدى دوائر صناع القرار الغربيين في إمكانية أن يقوم تنظيم القاعدة نفسه بعمل مراجعة شاملة لأفكاره مثلما فعلت جماعات متشددة اخرى على غرار الجهاد المصرية والجماعة الإسلامية في مصر كذلك .
لكن دون المضيّ قدما في هذه التأملات عشية الذكرى السابعة لهجمات سبتمبر، ينبغى طبعا التوقف لملاحظة أن دعوات الحوار انتكست جراء ردود أفعال عنيفة للغاية في اليمن وباكستان.
في اليمن، بات واضحا الفشل في إجهاض نموّ تنظيم القاعدة (والجماعات المتشدّدة الأخرى)، فبعد ستة أشهر من محاولة فاشلة للهجوم على السفارة الأمريكية في صنعاء نفّذها الفرع المحليّ للتنظيم (أي كتائب جند اليمن)، أعيد تكرار المحاولة ولكن بنجاح هذه المرة.
ضربة اليمن مؤلمة بالنسبة للإدارة الأمريكية، ذلك لأنّ الإدارة، كما يرد في آخر تقرير أصدرته الخارجية الأرهاب كانت ترى في العمليات الإرهابية في اليمن جزءا من الماضي بحيث يصعب تكرار حادثة على غرار تفجير المدمرة الاميركية “يو اس اس كول” في خليج عدن (أكتوبر 2000) مما أسفر عن مقتل 17 بحارا اميركيا .
هذا اضافة إلى أنّ صنعاء كانت ولا تزال في صلب إستراتيجية الولايات المتحدة لمحاربة الإرهاب بسبب تغلغل بعض مواطنيها بكثرة في النشاطات المعادية لواشنطن (نحو ثلث المحتجزين في معتقل جوانتانمو وعددهم 250 تقريبا يمنيون).
وفي الفترة الأخيرة تصاعدت الأصوات الأمريكية التي ترى في اليمن أفغانستان ثانية بفعل تشابه البيئة الجبلية الوعرة ما بين البلدين التي توفر حماية طبيعية لعناصر التنظيم، وهناك أيضا البيئة الثقافية الجاذبة من مركزية لدور القبائل وتقاسمها للسلطة الإجتماعية والقانونية مع الدولة، الأمر الذى يمثل بيئة شديدة الجاذبية لأفراد التنظيم.
لهذا كان من الطبيعيّ أن تضع واشنطن صنعاء في بؤرة اهتمامها، وأضحى الرئيس اليمنيّ علي عبد الله صالح شريكا في”الحرب العالمية على الإرهاب” كما يصفه موقع وزارة الخارجية الأمريكية .
وضمنت له هذه المشاركة تدفق المساعدات، وضمنت له أيضا أن يتمتع بزيارة واشنطن أربع مرات (على الأقل)، منها واحدة إلى منتجع سى إيلاند التي عرض فيها تجربة بلاده في الإصلاح السياسىّ! (قمّة الثمانية 2004) في الوقت الذي كان فيه الرئيس المصري حسنى مبارك يضجّ بالغيظ حيال تعنّت الإدارة معه في ملف الإصلاح ومجاملتها لصالح.
وبنفس الدرجة من الألم، وربما أكثر، جاء الهجوم الانتحاريّ في باكستان ليضيف حصيلة جديدة لعمليات طالبان أو القاعدة في تلك البلاد المنكوبة التي تحوّلت مصدر رعب جديدا للإدارة الأمريكية من إمكانية أن تصير بفعل التنظيمات المتشدّدة إلى دولة فاشلة.
هذا ما حذّر منه المحلّل البريطانيّ “وليام داريمبل” في أعقاب اغتيال رئيسة الوزراء السابقة بى نظير بوتو (ديسمبر 2007) في مقال له بصحيفة التايمز البريطانية .
وحسب داريمبل فإنّ باكستان تواجه بالفعل تحدّيا جدّيا تفرضه الجماعات الإسلامية المتشدّدة التي باتت تسيطر على المجال العام مقلّصة المساحة التي تشغلها القاعدة المجتمعية المطالبة للديمرقراطية بحيث أصبح ينظر إلى باكستان على انها أكبر مركز في العالم يستضيف عناصر الإسلام الردايكاليّ، سواء من عناصر أجنبية (عناصر القاعدة أو طالبان) أو من خلال عناصر باكستانية تفرّخها المدارس الدينية.
أهمية أطروحة المحلل البريطانيّ السابق الإشارة إليها، هو في أنها لم تنسق إلى الدعوات الرومانسية التي رهنت أزمة باكستان وجودا وعدما في رئيسها برويز مشرف، وهو ما وقعت فيه مؤسّسة بحثية قويّة مثل “مجموعة الأزمات الدولية” التي سبق لها أن وصفت الرئيس الباكستانيّ بأنه “عقبة”في سياق حرب الولايات المتحدة على الإرهاب، وأنه بمجرد رفع واشنطن يدها عن مشرّف عن طريق إنفاذ حكم القانون والديمقراطية عبر حكومة منتخبة شعبيا ويقودها أحد الأحزاب المعتدلة فإنه هذا كفيل بخفض التهديدات الإرهابية في هذه البلاد.
بالطبع جاءت تفجيرات 20 سبتمبر 2008 لتلقي بمزيد من الشكوك على مجموعة الإجراءات الجاهزة لانتشال باكتسان من ورطتها، خصوصا وأن التنظيمات المتشددة باتت أنشط من أيّ وقت مضى في مهاجمة أهداف حتى لو كانت شديدة التحصين.
باتت الولايات المتحدة إذن أمام سلسلة طويلة من الأزمات المتفاقمة، في أفغانستان التي علا فيها نفوذ طالبان مرة أخرى، وفي باكستان، وفي أسامة بن لادن الحرّ الطليق، وفي خروج بعض الأصوات التي بدأت تدعو للحوار مع هذه التنظيمات، هذا بالطبع فضلا عن استمرار سياسة الخوف التي أنتجت فيما أنتجت قضايا ضرب الحقوق المدنية في الصميم، وخدمة البنية التحتية للتشدّد بفعل الولع باستخدام الأداة العسكرية، وأخيرا وليس آخرا فشل مشروع العراق الذي راهنت عليه الإدارة في أن يكون ألمانيا الشرق الأوسط.
{{مؤشّرات النصر}}
لا تجبُّ مؤشرات الهزيمة السابق ذكرها مؤشرات أخرى نقيضة توحي بنصر الغرب على القاعدة بدليل ترنّحه أو تراجعه على أقل تقدير من الناحيتين الفكرية والعسكرية.
ومؤشرات التراجع يمكن تصنيفها في ثلاث أطر أساسية، الأولى تتمثل في إدراك القوى الغربية بشكل أفضل الحجم الفعليّ لقوة لتنظيم القاعدة ومدى قوته وتأثيره على قطاعات واسعة من الرأي العام مقلصة بذلك حجم المبالغات المهول الذى ردّدته ما بعد 11 سبتمبر حول التنظيم وتأثيره ودرجة التهديد العالية التي يفرضها.
وهناك مؤشر ثان يتعلق بتراجع القاعدة نتيجة الضربات العسكرية المتلاحقة سواء من قبل القوات الأمريكية(والحكومات المتحالفة معها) ضدّ عناصر التنظيم في العراق.
أو من خلال إنحسار عمليات العنف ذاتها في عدد من دول العالم إما عن طريق التضييق الأمنيّ(مصر،الأردن،المغرب، الجزائر،إندونسيا) أو بدخول تنظيمات جهادية على علاقة ما بالقاعدة(من حيث المحتوى الإيديولوجى على الأقل) في خضمّ عملية سلمية ما (حالة الفلبين).
في العراق، ساهمت ثلاثة عوامل أساسية هى تشكيل مجالس الصحوة السنية، والهدنة التي أعلنها جيش المهديّ وأخيرا إستراتيجية زيادة عدد القوات الأمريكية أو The Surge التي أعلنها الرئيس الأمريكيّ في خطاب له بتاريخ العاشر من يناير 2007 في أن تخفف من معدلات العنف التي هبطت إلى نحو 80 %، متزامنة مع انخفاض معدل العنف الطائفي لأكثر من 90% .
أما المؤشر الأخير على التراجع فيتمثل في تراكم حالة من المراجعات الفكرية في عدد من أقطار العالم الإسلاميّ (مصر، السعودية، ليبيا) والتي أفرزت انتقادات أطلقتها أصوات جهادية باتت تعلن بلا استحياء ليس فقط خلافها الأصيل بل وعداءها أحيانا لنهج القاعدة العنيف. يضاف إلى هذا انخفاض جاذبية التنظيم بشكل كبير كوعاء مارس أشكال من التأويل الدينيّ برر بها مواقفه، صحيح أن هذه الجاذبية كانت ضعيفة طول الوقت مقارنة بالحركات الإسلامية “المسماة معتدلة”، إلا أنها أضحت الآن على المحكّ.
بعض هذه المؤشرات تحتاج إلى تفصيل، وحسب الرؤية الغربية يمكن استنتاج أنّ جديد الذكرى السابعة يمكن أن يحيل إلى أنّ عملية “خلق العدوّ” التي مارسها بعض السياسين الغربيين قد سلكت طريقها إلى الانحسار.
في مقال حديث طرح الصحفي البريطانيّ الشهير سيمون جينكنز فرضية مضمونها أنّ السياسيين الغربيين مارسوا استراتيجيتهم القديمة في صنع خصوم خارجيين وتضخيم تهديدهم وذلك بهدف واحد وحيد هو تجاوز أى مصاعب داخلية قد تواجههم .
طبق جينكيز- وهو رئيس تحرير سابق لصحيفة التايمز البريطانية في أوائل التسعينيات- هذه الفرضية على علاقة الحكام الغربيين والقاعدة.وخلص إلى أن أجهزة الأمن الغربية والاستخبارات الغربية بالغت في إبراز قوة تنظيم القاعدة “أكثر مما هي في الواقع بنسبة ألف ضعف”.
وحسب الصحفي الشهير فإن القاعدة لم تكن في زمن هجمات 11 سبتمبر سوى بضعة معسكرات متفرقة في أفغانستان حيث لم يكن مدعاة للترحاب أن تكون محاربا عربيا هناك. وبدلا من أن يرصد السياسيون الغربيون هذه الحقيقة ردّت الحكومات الغربية على تلك الهجمات بأن “صورت القاعدة على أنها تنظيم ذو فعالية قاتلة ونفوذ عالميّ.. ممّا ساهم في تضخيم موقعه في نظر المناوئين للولايات المتحدة، ودفع بالآلاف إلى الانضمام إلى صفوفه.”
الشواهد على ما ساقه جينكيز من تضخيم الساسة الغربيين لخطر القاعدة كثيرة وواضحة، في دعاية فجّة للحرب على أفغانستان مرورا بصكّ مصطلحات تمثل الوعاء الإيديولوجي للحرب مثل “الحرب على الإرهاب” أو دول “محور الشر”.
خذ مثلا طبيعة الاجراءات والتصريحات التي صدرت في مستهل نشاطات الدول الغربية في الحرب على الإرهاب، اجتمع في أكتوبر من عام 2001 رئيس الوزراء البريطاني تونى بلير آنذاك مع مسئولى وسائل الأعلام البريطانية (المقروءة والمرئية والمسموعة) لمجرد وضع خطة عمل للتعامل مع الصور والبيانات التليفزيونية الصادرة عن تنظيم القاعدة ذلك لأنّ هناك مخاوف من أن تكون تسجيلات الفيديو هذه تحتوي على رسائل مشفرة لعناصر التنظيم.
هناك أيضا خبر تداولته الصحف الأمريكية الكبرى حول نتائج تحقيق أجراه الكونجرس الأمريكيّ وعرضت نتائجه في يوليو 2003 (بعد غزو العراق) أثبت أن القاعدة قد دربت ما بين 70 ـ 120 الف إرهابيّ وانّ عددا كبيرا منهم قد تم زرعه داخل الولايات المتحدة.
الآن لم تعد هناك أخبار تشابه هذه الاجتماعات وهذه التقارير المبالغ فيها، لم يعد هناك من يدلي بتصريحات مثل التي قالها وزير الدفاع الأمريكيّ السابق دونالد رامسفيلد معبرا فيها عن يقينه من امكانية أن يوفّر صدام حسين خلال أسبوع أو شهر أسلحة دمار شامل للقاعدة. “Within a week, or a month, Saddam could give his WMD to al-Qaeda.”
(تصريحه في نوفمبر 2002).
أو ذلك التصريح الذى ردده تشيني نائب الرئيس الأمريكيّ بأنّ هناك “دلائل واضحة على العلاقة التي تربط بين القاعدة و العراق ”
“There’s overwhelming evidence… of a connection between al-Qaeda and Iraq”.
(تصريحه في يناير 2004).
او كذلك تصريح الرئيس الأمريكيّ نفسه في 17 يونيو 2004 عندما قال السبب في إصراري على وجود علاقة بين العراق وصدام والقاعدة هو وجود علاقة بين العراق والقاعدة”.
“The reason I keep insisting that there was a relationship between Iraq and Saddam and al-Qaeda is because there was a relationship between Iraq and al-Qaeda.”
والغريب أن هذه التصريحات جاءت لتفادي التسريبات التي انتشرت حيال نتائج تحقيق “لجنة 11” سبتمبرالمشكّلة من الحزبين الرئيسيين للتحقيق في الهجمات على برجي التجارة ووزارة الدفاع الذى توصلت فيه إلى غياب أيّ أدلة ملموسة حول ايّ علاقة بين الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين وتنظيم القاعدة.
لم يعد في الذكرى السابعة لهجمات سبتمبر مجال لمزيد من هذه التصريحات أو الاجتماعات، فقط سجال سياسيّ علنيّ وخفي حول مستويات القوات في العراق وأفغانستان، وحول طبيعة التقدم المحرز هنا او هناك.
المؤشر الثاني للتراجع والمتمثل في تراجع التأييد الذى حظي به تنظيم القاعدة وسط المسلمين في كثير من البلدان العربية والاسلامية وحتى الأوربية، هو حقيقة فعلية خصوصا بعد رصد حالة السخط العام التي ولدها تساقط الضحايا المسلمين جراء الإعمال الإنتحارية التي ينفذها التنظيم سواء في بلاد المغرب العربيّ أو مصر أو في باكستان نفسها.
لكن وبعيدا عن التراجع وسط جمهور المسلمين، فإنّ قطاعات غربية ترى أنّ التراجع الأهمّ يكمن في مستوى التحوّل الذي طرأ على تفكير الكثير من الجهاديين السابقين ممن كانوا يناصرون توجّهات التطرف والإرهاب مثل الشيخ سيد أمام الشريف (في مصر) والشيخ سلمان فهد العودة(السعودية) والشيخ نعمان بن عثمان (ليبيا).
وأهمية هذا المؤشر انّه يضرب في الصميم شرعية الحجّة المركزية لدى لتنظيم القاعدة والمتمثلة في أنّها القطب الأوحد لحركة الجهاد والمقاومة الإسلامية حول العالم.
لننظر مثلا إلى عدد من المساهمات النقدية لخطاب القاعدة، فمثلا دعا الشيخ سلمان العودة زعيم القاعدة أسامة بن لادن في رسالة وجّهها إليه بتاريخ 14سبتمبر 2007، الى الكفّ عن عمليات العنف التي يتبنّاها، متسائلا “كم من الدماء أريقت؟ وكم من الأبرياء والأطفال والشيوخ والعجزة والنساء الذين قُتلوا أو شُردوا أو طُردوا باسم “القاعدة”؟.
جرى التركيز في وقت إرسال هذه الدعوة على شخصية المرسل. فهو رجل لا ينتمي إلى المؤسسة الدينية الرسمية، وسبق له أن ذاق مرارة السجن، ويصفه البعض بأنّه واحد من أبرز دعاة الخطاب المتشدد في السعودية.
أضح ” العودة” الآن أيقونة إعلامية جديدة، يشرف على موقع إلكترونيّ شهير هو “الإسلام اليوم”، ويظهر أسبوعيا في الفضائيات العربية، باختصار طغى نفوذه من مجرد داعية متشدّد إلى نجم من نجوم الدعوة.
محورية الدم البريء عند الشيخ العودة كأساس لنقد القاعدة كان منطلق دعوة ناجح إبراهيم -واحد من أشهر منظّري الجماعة الإسلامية في مصر-لأسامة بن لادن في وقف أعمال العنف.
لكن إبراهيم مضى بعيدا عن خطاب الفضائيات الذى تبناه العودة باتهام بن لادن بانّه يحيد عن الجهاد في الإسلام، ذلك لأنّ المفهوم الذي تتبناه القاعدة خاطئ والسبب في أنّ “الإسلام كان واقعيًا في رؤيته لحقائق الحياة والنفوس والاجتماع البشري، ولذلك اعترف الإسلام بالحرب………لأنه يعلم أنّ طبيعة وسنّة الاجتماع كثيرًا ما تفضيان إلى التنازع والبغي والتنكر للحق والاعتداء على الآخرين……… في حين أن القاعدة جعلت القتال والجهاد غاية في حد ذاته، فهي تقتل وتفجّر وتدمّر في أيّ مكان في بلاد المسلمين أو في بلاد غيرهم، قتل في هذه التفجيرات مسلمون أم غيرهم لا يهمّ، أتت بنتيجة إيجابية على الإسلام والمسلمين أو بأخرى سلبية لا يهمّ، احتلت بلاد المسلمين نتيجة لذلك أو حرّرت لا يهمّ”.
طَرْقُ ناجح إبراهيم الخفيف على أثر عمليات القاعدة على “”دول العالم الإسلاميّ” كان الرافد الرئيسيّ لمساهمة نعمان بن عثمان القياديّ السابق في الجماعة الإسلامية المقاتلة (ليبيا) الذى وجّه بدوره رسالة في نوفمبر من العام الماضي إلى الظواهري هذه المرة، أكّد فيها ما سبق أن ردده من ” فشل تجربة الجماعات الجهادية في كل الدول العربية” وأن مجمل الخطاب الاعلامي والدعوي للجماعات الجهادية يٌـفرق ولا يجمع. وهو “تصعيدي عاطفي استفزازي” سيؤدي إلى إسقاط نظام طالبان ثم وقوع عدد من الدول الإسلامية تحت الإحتلال الأمريكيّ.
وفي الرسالة أورد بن عثمان انّ ما يحدث الآن” هو حالة تضارب واضح بين المقاصد الكلية للشريعة الاسلامية وبين مقاصد فريضة الجهاد. واخشى ما أخشاه أن يقع المسلمون من أهل القبلة بين مطرقة الحملة الصليبية وسندان “القاعدة”.
جمع الجهاديّ المصريّ سيد إمام الشريف منظّر الحركة الجهادية العالمية هذه الحجج في مراجعته المعنونة “وثيقة ترشيد الجهاد في مصر والعالم”، محللا فيها الأسانيد الفقهية التي يعتمد عليها تنظيم القاعدة في تبرير العمليات الانتحارية وهي شرعية قتل “الكفار” الذين يشاركون في الانتخابات في البلدان الإسلامية والغربية.
في هذه الوثيقة، وقبلها كانت الرسالة التي نشرت في صحيفة الشرق الأوسط بتاريخ 6 مايو 2007 دعا “فضل” جميع الحركات الجهادية في العالم الى “ترشيد عملياتها الجهادية وفق الضوابط الشرعية” وذلك لأنّ الصور “المستحدثة من القتل والقتال باسم الجهاد” انطوت على مخالفات شرعية كالقتل على الجنسية وبسبب لون البشرة أو الشعر أو القتل على المذهب، فضلا عن أن هذه العمليات شهدت “قتل من لا يجوز قتله من المسلمين وغير المسلمين”.
هذه الآراء تحديدا تمثل نقلة فعلية في خريطة الحركات الجهادية في العالم، ذلك لأنها استعارت فضيلة “النقد الذاتي” من التيارات الفكرية الأعمق وزنا، إلا أنّ العالم الغربيّ قد لا يحفل بصيغة النقد هذه، لكنه على الأقل معنيّ بأيّ تفاعلات قد تسحب بساط التأييد من تحت أقدام القاعدة.
المثال على هذا هو ما كتبه بيتر وهنر من شغل في السابق منصب نائب للمساعد الخاص للرئيس الأميركي جورج بوش في صحيفة الفايناشيال تايمز البريطانية مركزا على أنّ نقطة التحوّل في محاربة القاعدة كانت في خسارة التنظيم لمعركة العقول .
ففي اللحظة الحالية تراكمت مراجعات أصوات بارزة في العمل “الجهاديّ العالميّ” التي تناوئ توجهات القاعدة مثل المصريّ فضل أو السعودى العودة هذا، فضلا عن تصاعد في عدد المسلمين الذين الذين ينبذون إستراتيجيات التنظيم.
{{هزيمة القاعدة: مؤكدة أم صعبة}}
من العرض السابق يمكن القول إن فرضيات هزيمة أو أنتصار القاعدة تبدو غير محسومة، فالواضح والجليّ أن هناك تراجعا فعليّا للتنظيم، بما يحمله هذا التراجع من صعوبة استهداف الولايات المتحدة مرّة أخرى.
لقد نجحت القاعدة (او تنظيمات متشدّدة أخرى) في بثّ الرعب في عدد من قلاع القارة الأوربية عن طريق إرهابيين محليين في اسبانيا (11 مارس 2004 ) وفي لندن( 7 و 21 يوليو 2005)، لكنّ محلية هؤلاء الإرهابيين تظل مشكلة أوربية خالصة، ذلك لأنّه لم يحدث حتى الآن أن وجدت الولايات المتحدة نفسها أمام أمريكيين محليين يتبنون الإرهاب اللهم إلا خلية صغيرة لامريكيين من أصل يمنيّ (يحلو للبعض التركيز على هذه القضية لإثبات فشل استيعاب المهاجرين في أوربا مقارنة بنجاحه في الولايات المتحدة).
لكن من ناحية أخرى تظل القاعدة موجودة وحية، وتستطيع في أيّ لحظة شنّ هجمة هنا وهناك، والنجاحات العسكرية في هذا الصدد لا تعني أيّ جديد.
وسبق لوزير الدفاع روبرت جيتس في مايو الماضي أن أطلق أكثر التقييمات تشاؤما عن التقدم الذي حققته ادارة بوش في حربها على الإرهاب عندما أشار إلى أنّ نتائج إستراتيجية الحرب على القاعدة في العراق تمثلت في تعطيل مراكز القيادة والتحكم والاستيلاء على الملاذات الامنة لكنها من ناحية مقابلة “تمخضت فقط عن عدوّ…أكثر تشرذما وعن حركة عقائدية لم تعد مقيدة بتسلسل قياديّ صارم.”
القاعدة حسب جيتس أضحت ” قوة مستقلة في حدّ ذاتها قادرة على تحريك قوة من الأتباع المخلصين دون اتصال مباشر وقادرة على إذكاء العنف دون أوامر مباشرة.”
والحلّ لهذه المشكلة هو تبنّي تحليل وهنر السابق الإشارة إليه عن طريق تدشين استراتيجية غير عسكرية تحمل اسم “الاقناع” بمعنى تشجيع الشعوب العربية والاسلامية على دعم حكوماتها بدلا من دعم الجماعات المتطرفة واقناع من يمول هذه الجماعات المتطرفة ويجند لها الانصار ويوفر لها ملاذات امنة بأن جهودهم لا طائل من ورائها.
هذا الاقناع أو الانقلاب الفكريّ ضدّ القاعدة كان بمثابة المؤشّر الذي اعتمد عليه مدير المخابرات المركزية الأمريكية مايكل هايدن ليقول انّ تنظيم القاعدة لقي هزيمة كبيرة في العراق والسعودية وأصبح في موقف الدفاع في أنحاء العالم.
وحسب نصّ مقابلته مع صحيفة واشنطن بوست برّر هذا الرأي مشيرا إلى أنّ القاعدة تلقّت “انتكاسات كبيرة” في المحتوى العقيديّ” مع تراجع غالبية العالم الاسلامي عن مفهومها ( أي القاعدة) للإسلام.”
ربما يمثل الاعتداد الغربيّ بتراجع القاعدة الفكرى أو فتح حوار معها أحد المظاهر الجديدة للذكرى السابعة لهجمات سبتمبر، لكن ربما يكون من المهم الاشارة الى استمرارية النغمة القديمة في الحديث عن القاعدة. “الظلم في الشرق الأوسط يطيل من عمر القاعدة”، هكذا كتب روبرت فيسك مضيفا بأنّ”القاعدة طريقة في التفكير، وليست جيشا. إنها تتغذّى من الآلام والرعب والقسوة – قسوتنا”.
تقدم هذه السطور التي كتبها فيسك تفسيرا مريحا للغاية للباحثين عن مبررات لهجمات تنظيم القاعدة، فطالما أستمر الظلم ستستمر القاعدة إلى ما لا نهاية، ذلك لأن الغرب سيكون في حالة حرب دائمة مع المسلمين لأنه يملك لديه الآن”22 ضعفا مما كان للغرب من قوات عسكرية إبان الحروب الصليبية، سنكون في حالة حرب مع المسلمين” .
تقدم سطور فيسك هذه حلا مريحا للغاية للباحثين عن أسباب “قوة” تنظيم القاعدة، إلا انها تفشل في الوقت ذاته في الإجابة عن تساؤلات لماذا تتراجع القاعدة في أماكن وتتمدد في أماكن أخرى.
الهوامش:
نص العبارة التى قالها I’m not convinced we’re winning it in Afghanistan ، أنظر خبر وكالة الأنباء الفرنسية على الرابط
http://afp.google.com/article/ALeqM5hSz2IjnxbXaRx1Ri5gATRNxCGHKQ
أنظر تصريحاته فى http://ara.reuters.com/article/worldNews/idARAOLR12814620080911
أنظر نص تصريحاته حول الحوار فى http://www.spiegel.de/international/0,1518,469876,00.html ، وحول لقاءاته مع جناح المعتدلين فى الحركة http://www.spiegel.de/international/world/0,1518,557188,00.html
Analysis: Sir Hugh Orde’s view on al-Qaeda may harm his Met career, Times , May 30, 2008
Lawrence Wright, The heretic: How Al-Qaeda’s mastermind turned his back on terror – Part one, the Observer, July 13, 2008
United States Department of State Publication, Office of the Coordinator for Counterterrorism, Country Reports on Terrorism 2007 (Issued April 2008)
http://www.state.gov/r/pa/ei/bgn/35836.htm
William Dalrymple, A failed state groping for a way back from the brink. The Sunday Times, December 30, 2007
هذا ما عبر عنه ثلاثة خبراء بارزين فى الشان العراقي في مقال بالعدد الأخير لمجلة الشئون الخارجية الأمريكية
Stephen Biddle, Michael E. O’Hanlon, and Kenneth M. Pollack, How to Leave a Stable Iraq: Building on Progress, Foreign Affairs, September/October 2008
Simon Jenkins, Oh do pay attention, 007, this enemy simply isn’t worthy of you, The Sunday Times June 1, 2008
Peter Wehner, Al-Qaeda is losing the war of minds, Financial Times, March 4, 2008
Robert Fisk, So al-Qa’ida’s defeated, eh? Go tell it to the marines, the Independent, June 1, 2008