تنبيه العربان قبل خراب العمران

” الغد بعيد مرهق، اليوم عبء قاتل والماضي عار معلّق. أشياء كثيرة أود البوح بها، يكتب صديقي الفيلسوف، ولكنّ عصيان الألفاظ أقوى من سلطة الوعي. ‘ جزائري يا حلوتي’ كما غنّت المأسوف عليها أ.غريكي، لم تعد حلوة أبدا، يلاحظ بمرارة ويفسّر كاتبا : ” تعرّت أمام الحقيقة الموحشة فبدت – رغم كلّ مخزونها الثمين – عجوزا شاحبة، كالحة الوجه، شرهة للدّم ! عجبا لها كيف تستولي عليها الوحشية ويتقزّم فيها الإنسان ليتحوّل إلى ألعوبة كارتونية تلهو بها مشاعر الجنوح والضيق والكيد! من رحابة الوطن – الحلم إلى ضيق المقرّ وقسوة المفرّ! يتحكّم فينا سلطان الموت ويهزم كلّ تطلّع للحياة !

إنها صرخة ضدّ الحماقة، بيان مفجوع يكاد يُحرق ورق البطاقة المجمّد عليها. دمعة حرى انهمرت من أنامل رجل مرهف الحسّ، ضاقت به مساحات الوطن الجريح. ماذا تبقى من ذلك الوطن الذي كنا نحلم به جمهوريّا عصريّا تسود فيه العدالة الاجتماعية والذكاء… ونحن على مقاعد الدراسة؟” تحوّلت خريطة وطني إلى مقبرة مفتوحة/شرهة. بيننا وبين الموت عشق صوفيّ خاصّ! ما الذي يجعل المنطق الجنائزيّ يقتات من كل توثّب للحياة؟ أنانيات ضيّقة، شهوات تسلّطية، ترسّبات انتقامية لاواعية… خيوط دافعة لهذه الدمية الروسية البشعة! ”

آهات واعترافات نفس ذاهلة أمام احتضار الحلم، تخرج عفوية طاهرة متحررة من عنجهية الوعي الجمعيّ البليد.”طقس ربيعيّ بهيج، مطر رومانسيّ خفيف أستعيد معه اليوم صورة حالمة مستعصية لسيّاب يركض في شوارع مدينة كلها غطرسة وبلادة”. يغدو الوجع الذاتي المدوّن مرثيّة تبكي وطنا صريعا والمراسلة الحميمية مرآة تعكس بمرارة محنة شعب مخدوع أعير مستقبله، في غفلة منه، إلى غباوة بربريّة حوّلت اقتصاد السوق إلى اقتصاد سوء، والانفتاح إلى احتكار والجدل الديمقراطيّ إلى انبطاح لتعاليم الفقهاء والمشعوذين.

وهكذا “تفجّر مكبوت الحقد… انسدّت الآفاق وسقطت الرموز… اللعنة تطاردنا… القرف كل القرف زادنا اليوميّ، متاعنا النفسيّ في سخرية الأيام.. كلما اتّسعت الرؤية ضاقت العبارة، يقول النفّري، ولكن أمام الظلام الذي ادلهمّ على الوطن المنكوب، تضيق الرؤية وتتّسع العبارة وتغدو قراءة الحميميّ شيئا ثمينا، شهادة تنهل من قاموس الجحيم الجزائريّ :” نحن نتجرّع سياط الحسرة والذهول والانسحاق.. كم كنا نتوهّم أننا أقوياء في التحكّم في ألم الزمن، ولكن قسوة الزمن أبّدت الألم وأحالتنا إلى كائنات هشّة/مطعونة مسحوقة تئنّ في صمت وتنتظر غودو ‘الذي لن يعود’.

صدّقني لا شيء أجلب للألم مثل التفكير، يكتب الشاعر الفرنسيّ أراغون، ويكتب صديقي على بطاقته الصغيرة التي حملت لي على ظهرها منظرا لطبيعة جزائرية ساحرة افتقدتُها منذ سنين: “هذه ليلة مطريّة استحضرفيها نشيد الأمطار للشاعر سان جون بيرس. ما أطيب رائحة الأرض أثناء وبعد هطول المطر. هل بإمكان المطر أن يطهّرنا من هذه العفونة الزاحفة ؟ يتامى الروح/صعاليك العقل، نرقب الآتي الذي لا يأتي. رصيف الأفراح لا يجيب لذا لا يجب علينا أن نهيّئ مباهجنا كما قال ‘جيد’… مسكونون برعب اللحظة، طعم الفجيعة قاس/جلاّد”.

في زمن تَرهُل واهتراء، صريع هلوسات اللاوعي الجمعيّ، لا يتعاطف لا مع الشعر ولا مع الفلسفة، تلجأ الذات المفكّرة والشّاعرة إلى ذاتها، تتساءل عن كنه الوجود المقرف فتينع الكلمة في صمت رهيب تسمّر اللحظة دهرا أبديّا على حدّ تعبير خليل حاوي وريلكه مجتمعين :” عبث /يتم تمزّقات لا تقوى على حملها النفس الحيرى. آه منّا علينا. أمسيتي باردة /باهتة/حمقاء. لواعجي تستبدّ بي. لا الحالم الباحث عن الإشراق ‘رامبو’ يؤنسني ولا شار أو جبران… مالح طعم الماء، مغبرّ وجه الأرض. كالحة أزمنتي. خمرتي تبحث عن نشوتها.

هكذا تكلّم صديقي كاتبا في نبرة نيتشويّة راصدا الجرح وناقلا الوجع الإنسانيّ ومعلنا عن تهافت كيان مجتمعيّ برمته:” آفاقي شبه مسدودة، غامضة، باعثة على الدهشة والقتامة. أنا حزين وحدي أقاسي وحدتي… ما الحيلة في عالم تشظّت تخومه وأصبح عبئا ثقيلا على أناس متعبين، يلهثون وراء سراب اللحظة؟

في أتعس لحظات اليأس والمرارة ينهزم الوعي ويفقد القلب كلّ أمل في تجديد القدر “دورة زمنية مقلحة/مقيّدة بأعراف متخشّبة/سقيمة، وتسألني عن الإنسان؟ لماذا يا صديقي هذا الشقاء الفرديّ والجمعيّ المتنامي؟ أم ترانا نطلب المستحيل في زمن يناصبنا العداء؟

كثيرا ما أستأنس بالعودة إلى قراءة” لماذائيات” صديقي القاتلة والتي تحمل في ذات الوقت دفئا من تلك الجزائر الأخرى التي تعيش فيّ حتى وإن كنت لا أعيش فيها فتعيدني كلّ كلمة إلى ذكرى طيّبة: قهقهة، رواية، سمفونية، فيلم، مسرحية، زجاجة خمر… تقاسمنا متعتها في زمن جزائريّ آخر هو أحلى فترات العمر الهارب وسط شظايا الوجود المقوّد.

لم يبق لنا وسط حطام هذا المشهد الكئيب وتناسلاته المخزية سوى البكاء على ديمقراطية لم نهنأ بها حتى اجتاحنا التأسلم والجشع والتسلّط.. فمرحبا أيتها اللاعقلانية، قد أصبح خبراء الإيمان لا يخافون فيك لومة لائم، صامدون في وجه التاريخ، لا يريدون الحراك ولا يريدون أن يرى غيرهم ما لا يريدون أن يروا .

ولكن سيأتي يوم نبكي فيه كالإيرانين مشروع حداثة لم نحافظ عليه مثل العقلانيين وساعتئذ لا يبقى لنا سوى الدعاء على الحرية بطيب الثرى.