
{{اقتباس رقم واحد:}}
يقول “كينزا بورو “الروائيّ اليابانيّ الحائز على جائزة نوبل في رسالة إلى زميله الألمانيّ “غونترغراس”: إنّ الاحتلال الأمريكيّ لليابان أنزل الإمبراطور من السّماء إلى الأرض… وهذا ربح صافٍ للسياسة والديمقراطية. وأنّ الدستور الذي اقترحته قيادة الأركان الأمريكية على الطبقة الحاكمة اليابانية، أكثر مناسبة لاحتياجات اليابان الديمقراطية من الدستور الذي باشرت هذه الطبقة صوغه. وإذ اضطرت النخب الحاكمة إلى الرضوخ ( لديمقراطية ما بعد الحرب ) على ما تقوله بعض النخب ساخرة، فإنّها لم تضطرّ ولم يضطرّها الاحتلال الأمريكيّ ولا الرأي العام اليابانيّ إلى النظر الفاحص في خلل دخول اليابان الحداثة (1).
{{اقتباس رقم اثنين : }}
يلقي الروائيّ البيرونيّ “ماريو فارغاس” تبعة الانقلاب العسكريّ على إيزابيلا بيرون، أرملة الجنرال الشعبويّ خوان بيرون، وحكمها المدنيّ المنتخب باتجاهين :
• العسكريين الانقلابيين
• أصحاب الحرب الشعبية : بيرونيين يساريين، غيفاريين، وماويين …
لم يكتم دعاة الكفاح المسلح غاياته : استدراج الرأسمالية الطرفية والتابعة- على قول سمير أمين وأصحابه- إلى الحسر عن وجهها الحقيقيّ المتستّر بحكم أرملة بيرون المدنيّ والبرلمانيّ … وإيلاء السلطة لأصحابها العسكريين . كان التفجير والاغتيال واحتجاز الرهائن هو شكل “الصراع الطبقيّ” الموكل إليه مهمة حسر اللثام المدنيّ عن دكتاتورية “البرجوازية العسكرية. ”
لقد نحّى أنصار الكفاح المسلّح في عشرات بلدان العالم الثالث قيمة الحكم المدنيّ والبرلمانيّ وضماناته القانونية والشرعية الناقصة والجزئية… وسعوا نحو ولادة ديمقراطية شعبية تامة وعامّة من صراع حزب الشّعب المسلح مع أعلى مراحل الرأسمالية الطرفية ( الدكتاتورية العسكرية ) ( 2) .
يضع الروائيان كلّ من زاويته اليد على خلل وقع ولا زال يقع فيه الفكر السياسيّ الراديكاليّ المنتج في معمعان هذه الجدلية الكونية ( جدلية الانتقال إلى نمط الإنتاج الرأسماليّ) من قبل نخب البلدان التي يجري فيها الانتقال إلى الرأسمالية متأخّراً .
يبارك هذا النوع من الخلل ويعطيه مشروعيته الميل الواضح والصريح نحو الهيمنة عند المجتمعات التي أنجزت مبكّراً عملية التحوّل إلى الرأسمالية.
ذلك أنه على مسار التاريخ المعروف للاجتماع البشري، وكما يلاحظ محمد أركون ( 3 ) رافق الميل للهيمنة كلّ طفرة للمعنى.
ينزلق الفكر السياسيّ في المجتمعات المتأخّرة – وهو يجرّب بلورة ممانعة مشروعة لإرادات الهيمنة التي تبديها المجتمعات المتقدّمة – باتّجاه بلورة ممانعة شاملة لنزعات الهيمنة ولطفرات المعنى المترافقة.
يجري ذلك بطرق مختلفة وبتلفيقات فكرية متنوعة ومتفاوتة في درجة تماسك لبناتها المنطقية . ولا ينفع هذا النوع من الفكر السياسيّ هربه إلى الأمام، بادعائه إمكانية حرق المراحل وانزلاقه إلى تقويض عملية التحوّل الرأسماليّ، بضرب وإضعاف الحامل الاجتماعي لهذا المشروع ( الطبقة البرجوازية).
تتموضع اللينينية في لبّ هذه المحاولات للهروب إلى الأمام التي بدأت قبل قرن من الآن في شروط الانتقال المتأخّر لروسيا القيصرية إلى الرأسمالية. ولئن نجحت هذه المحاولة طويلاً في التمويه على حقيقة ما فعلته ( بناء رأسمالية دولة متنكرة بثياب الاشتراكية ) فإنها قد شكّلت قاعدة انطلاق لدروب في الفكر السياسيّ وضعت تصوّراتها موضع التنفيذ : كالماوية والكاستروية، أو ظلت حبيسة المماحكات الأيديولوجية كالتروتسكية . أو أقحمت مجتمعاتها في دورات عنف مديدة تحت يافطة تثوير الطبقات الشعبية كجماعات التوبامارو، وبادرماينهوف والألوية الحمراء …. الخ .
شّكّل النزوع إلى رمي الطفل بقماطه القذر، سياقاً عاماً انخرطت فيه النخب الفكرية- السياسية العالم ثالثية، في مواجهة معضلة فكّ التشابك بين الطفرة في المعنى التي أنجزتها المجتمعات الغربية بتحوّلها المبكّر إلى الرأسمالية، وبين الميل إلى الهيمنة لدى هذه المجتمعات .
ولعلّ انبثاق الأصوليات الدينية كحركات نضال ضدّ الهيمنة الغربية هي الخاتمة الكئيبة لسياق بدأ بالهروب إلى الأمام باشرته النخب الفكرية اليسارية تفادياً لمواجهة معضلة الانتقال المتأخر إلى الرأسمالية، وانتهى بالوثوب إلى الخلف للتمترس وراء الأيديولوجيات الدينية، التي لطالما اشتغلت كبنية فوقية لأنماط إنتاج ما قبل الرأسمالية ( الإقطاعية، والخراجية ).
بين كراهية الهيمنة وهو شعور طبيعيّ عند من يكون موضوعا لها، وبين كراهية ما يحمله المهيمن من طفرة في المعنى: مسافة جرى ويجري طمسها… على هذا التمييز بين جزمة الجنرال الأمريكي ماك آرثر ( الحاكم العسكريّ لليابان بعد الهزيمة ) وبين الدستور الذي اقترحه على النخبة اليابانية. استطاعت هذه الأخيرة أن تنهض باليابان من بين الأنقاض.
لم يتصرّف الأمريكيّ المنتصر في العراق كما تصرّف في اليابان، فلم يفرض على النخب العراقية دستوراً من صياغته “ربما قد تعلّم من الدرس الياباني “. و ها هو الدستور العراقيّ الخارج من محنة التصويت عليه، نكسة- في الكثير من جوانبه -عن دستور نظام صدام حسين.
لقد خرجت قوى الشدّ إلى الماضي من عقالها .. ووضعت على الدستور بصمات حوافرها.. رغم ذلك هناك الكثير من مثقّفي اليسار يبالط” الحوار بالحوافر ” ويضع المسؤولية على الأمريكان . وينّزه ركودنا التاريخيّ عن المسؤولية .
لقد فشلت التنمية وتضخّم الفساد وغابت الحرية وتفسّخ الاجتماع السياسيّ إلى مكوّناته الأوّلية بفضل الإمبريالية والصهيونية … هذه هي الأغنية التي لا نملّ من الترنم بها…
{{هوامش:}}
1-جريدة الحياة-15-7-1995
2-جريدة الحياة-15-7-1995
3-الإسلام،أوربا،الغرب-رهانات المعنى وإرادات الهيمنة- محمد أركون- دار الساقي