
هل من موقع للفلسفة الآن؟ أي بعد أن تعمّمت البراجماتية كممارسة مبتذلة، وبعد انتشار ما هو “حياتيّ” ويوميّ وهيمنته، وبعد اكتساح الليبرالية الجديدة؟
سنلحظ منذ البدء أنّ الوضع يتّسم بغياب الفلاسفة و تصدُّر المفكرين الاقتصاديين، والآن تصدُّر علماء السياسة وأيضاً علماء الاجتماع. ليبدو أنّ مجال الفلسفة قد ضاق أو هو تلاشى. وأنّ البحث في “الواقع” هو ما يتملّك المفكّرين. وأنّ المباشر واليوميّ هو الذي يفرض “نظرياته”، وبالتالي يفرض تصدُّر “علماء الاقتصاد” و”علماء السياسة”. وأنّ الفكر النظريّ قد عانى من الانحطاط ، حيث بدا كمبرّر لمصالح ضيّقة ولسياسات برجماتية.
هذه الأجواء هي التي كانت تسود كلما توغّلنا في القرن العشرين، والتي بدا أنها انتصرت في بداية الألفية الجديدة مع انتصار براجماتية السياسة الأميركية. وهي ذاتها الأجواء التي كانت توحي بأنّ الفلسفة قد انتهت وصارت جزءاً من الماضي. وأنّ القوّة الغاشمة و”فتح الأسواق” هما أساس الألفية الجديدة هذه. لهذا أصبح فرانسيس فوكوياما وصموئيل هينتنغتون مُفكِّريْ القرن الجديد وراسِميْ سياساته، أو هما فيلسوفا هذا القرن دون منازع، انشغل العالم بهما وانقسم تأسيساً على تصوّرهما.
لكن هل إنّ الفلسفة كانت بعيدة عن الواقع؟ هل غفت لحظة عنه؟ وهل أنها ولدت في الخيال وظلّت سارحة فيه؟ هل هي نتاج عقول مفصولة عن “الجسد”؟
هذه المسألة التي يجب أن تتوضّح أوّلاً، لأنّها مفتاح الراهن كما هي مفتاح التاريخ. لقد كانت الفلسفة نتاج الواقع وكانت تنضح منه. كانت تتفعّل من خلال اليوميّ والمباشر لكنها كانت تصعّده إلى أقصى التجريد، الأمر الذي كان يضعه خارج “الفهم”، ويُظهرها كطلاسم ليس من قيمة واقعية لها. لهذا غادرت التاريخ، أو هكذا كان يبدو لوهلةٍ. ولا شكّ أنّ في ذلك جزءا من الحقيقة، وهو جزءٌ مهمٌّ على كلّ حال. وبدا العالم خالياً من الفلاسفة بالمعنى التقليديّ للكلمة. لكن إلى أين غادرت؟
سنلمس أنّ كلّ الذين وُضعوا في خانة الفلسفة، وكانوا فلاسفة القرن العشرين، هم في الغالب مفكّرون أكثر منهم فلاسفة. بمعنى أنّ الطابع النظري لمجهوداتهم انصبّ على دراسة الواقع. أي دراسة المجتمع بما هو اجتماع واقتصاد وسياسة وممارسة، وبما هو وعي وثقافة. ولقد أدّت مجهوداتهم الفكرية هذه إلى أن يصنّفوا كفلاسفة، ربما رغماً عنهم. هذا هو وضع سارتر وهابرماس، ميشيل فوكو ودريدا، وربما أيضاً بيير بوردو عالم الاجتماع الماركسيّ. وسنلمس هنا الفارق بين هؤلاء وفلاسفة القرون الأقدم، منذ أرسطو وأفلاطون إلى ديكارت وكانط وهيغل، مروراً بالفارابي وابن سينا وابن رشد. حيث بدا أنّ موضوع الاشتغال بات مختلفاً، وأنّ “حصّة” الواقع في منتوج كلٍّ من النمطين مختلفة. وأنّ “الفروع الجديدة” التي باتت تُكتشف، مثل الاجتماع والاقتصاد، والتي كانت تعنى بفهم الواقع تحديداً، أخذت تحلّ محلّ الفلسفة. ليبدو أنّ الفلسفة تتلاشى، حيث لم يعُد لوجودها قيمة ما دام البشر بدؤوا في البحث في واقعهم. لقد أصبحت تبدو كزائدة لا “منفعة” منها. لا تفيد في الاقتصاد ولا تخدم “تنظيم” المجتمع، ولا تقدّم ما يفيد للسلطة والدولة.
إذن، لقد أفضى تطوّر الفكر إلى التركيز على كلّ الفروع التي تسهم في وعي الواقع، وبالتالي هيمنت فروع الاقتصاد والسياسة والمجتمع. وهذا ما سنلمس أنه هاجس فلاسفة القرن العشرين. وبالتالي لماذا هم فلاسفة؟ لا شك في أنّ إنتاجهم النظريّ كان يلامس الفلسفة وإلا لما وُضعوا هنا. لكن ذلك يوجد اختلاطاً بين الفلسفيّ والفكر النظريّ، ويقود إلى تداخلات لم توجد لدى الفلاسفة القدماء وفلاسفة القرنين السابع عشر والثامن عشر ومعظم القرن التاسع عشر.
إنّ قولة ماركس أنه صفّى الحساب مع الفلسفة القديمة، التي أتبعها إنجلز بالتأكيد على “نهاية الفلسفة الكلاسيكية الألمانية”، معبّرة هنا. لأنها تبدو وكأنها الفاصل بين الزمنين اللذين أشرنا إليهما. بمعنى أنّ مجهود ماركس قد أفضى إلى تحوّل عميق في وضع الفلسفة وفي دورها. وإذا كان ماركس لم يُشر إلى نهاية كلّ فلسفة، إلا أنّ الفلسفة في شكلها القديم قد انتهت، وبات لزاماً أن تتلاشى. لهذا كان ماركس هو المؤسّس الحقيقيّ لعلم الاقتصاد، وهو الذي أعطى أقصى الدفع لعلم الاجتماع، وربما أيضاً لعلم السياسة. وسنلمس أنّ فلاسفة القرن العشرين الذين أشرنا إليهم خرجوا من “جبّ” ماركس.
لكنّ المسألة لم تبدُ كنتاج مباشر لماركس هكذا، حيث أنّ تطوّر العقلانية والعلم فتح الأفق لتطور مختلف الفروع القديمة (مثل علم التاريخ) والجديدة (مثل الاقتصاد وعلم الاجتماع وعلم السياسة). والتي أصبحت فروعاً مستقلة، وذات أهمية في صيرورة الوجود الواقعي. للاقتصاد الرأسماليّ، ولتكوين الدولة الحديثة وللطبقات والصراع الطبقيّ. بمعنى أنّ هذه الفروع قد تأسّست من الآن فصاعداً كعلوم. وهي العلوم التخصّصية التي باتت ترتبط بشكل مباشر بالحياة الواقعية، من أجل تنظيمها أو التعمية عليها. من أجل تنظيم الاقتصاد الرأسماليّ وضمان الربح الأعلى، ومن أجل تنظيم دور الدولة و”تهذيب” سيطرتها، وكذلك من أجل نشر الأيديولوجية عبر المدارس والإعلام وكلّ الوسائل الممكنة.
ولقد حكم القرن العشرين منطقان، المنطق الوضعيّ والماركسية. وسنلمس أنّ الوضعية انحكمت إلى الشكلية والسكون والانعزال، وبالتالي إلى التخصّص. ومن ثَمّ متضمّنة المنطق الصوريّ القديم، ومنحكمة له. هذا الأمر الذي جعلها تبحث – عبر الفروع المختلفة – في الظواهر، وفي استقلالية تامّة لكلّ فرع، لتنتج “علماء الاقتصاد” و”علماء السياسة” و”علماء الاجتماع”. مما يجعلنا نشير إلى تغلغل الفلسفة فيها، حتى وهي ترفض ذلك وتؤكّد على العلم، الذي هو هنا مناقض للفلسفة، تغلغل الفلسفة القديمة المؤسِّسة للمنطق الصوريّ. لقد هربت من الفلسفة إلى المدى الأقصى، وغرقت في “العلم” إلى ما باستطاعتها، وظنت أنها تتأسّس كعلم محض، دون فلسفة أو أيديولوجية، وأنّ صدقيتها تنبع من هذه العلمية بالتحديد. وكان هذا المنطق هو الذي يُظهر عمق طابعها الأيديولوجيّ، ويوضّح كم هي متّكئة على الفلسفة، لكن الفلسفة القديمة ذاتها. لقد بنت علمها، إذن، على الفلسفة القديمة، وإن كانت أخفته بكلّ ما استطاعت من قوّة.
لهذا سيبدو التخصّص كتحديد لمفهوم الهوية الأرسطيّ بلا جدال، حيث أنّ الاقتصاد هو الاقتصاد وليس شيئاً آخر. وعلم الاجتماع هو علم الاجتماع ولا يمكن أن يكون غير ذلك. والسياسة كيان قائم بذاته، بعيداً عن الاقتصاد والاجتماع، وهو من فعل “مختصّين” فقط. وأيضاً سنلمس بأنّ مشكلات الاقتصاد لا علاقة فيما بينها، هي مستقلّة كلّ منها عن الأخرى. والمشكلات الاجتماعية هي نتاج المجتمع (الذي هو بلا الاقتصاد أو السياسة). إنها مشكلات “اجتماعية” فقط. والمشكلة هي ما نلمسه فحسب، هو ما يظهر، دون ترابطات أو أبعاد أو أساس. هنا بالتالي نحن لازلنا في حدود الفلسفة القديمة، ولتبدو العقلانية الحديثة أنها إعادة إنتاج لمنطق أرسطو ومنظومته.
لكنّ كلّ ذلك تحت غطاء “علميّ”، ووفق منطق يؤكّد على العلم في مواجهة الفلسفة، ويعتبر أنّ العقلانية الحديثة هي العلم وليس الفلسفة، وهو الأمر الذي جعل فوكوياما وهنتنغتون “فيلسوفيْ” نهاية القرن العشرين ومن أنبياء القرن الواحد والعشرين.