
هل سيفضي تعمّق الأزمة المالية الراهنة إلى إعادة إحياء الصراعات الإيديولوجية، وبالخصوص تلك التي احتدمت طيلة أغلب فترات القرن العشرين بين الاشتراكية والرأسمالية؟ هناك بعض المؤشرات تدلّ على ذلك، وقد غذّتها جملة الإجراءات التي اتّخذتها جلّ الحكومات الغربية في اتّجاه استرجاع دور الدولة الراعية لمواجهة الانخرامات الاقتصادية التي أحدثها تهوّر الرأسمالية النقدية طيلة العشرينية المنقضية.
وبينما كان الاتّجاه السائد في العالم يُوحي بانحسار المقاربات الإيديولوجية – لدى البعض على الأقلّ – لفائدة المقاربات التقنية والعقلانية أو المتخصّصة… نشـّط استفحال الأزمة المالية جبهة الصراع الإيديولوجيّ بين اليسار واليمين من جديد.
و نقدّم في ما يلي نصّا نموذجيّا، لا يخلو من أهمّية جدالية في صيغة طرحه، تعبّر فيه نخبة سياسية فرنسية – من ضمنها ميشال روكار، الوزير الأول الأسبق في عهد فرانسوا ميتران – عن موقف مناضل يدعو إلى ضرورة خوض المعركة الإيديولوجية بين اليسار واليمين، ويدعو إلى تقديم بديل يساريّ لنموذج التنمية على الصعيدين الوطنيّ والعالميّ.
وقد نشر المقال في موقع المؤسّسة التقدّميةTerra Nova تحت عنوان “عودة المعركة الإيديولوجية” وفي جريدة “لومند” بتاريخ 10 – 10 – 2008 تحت عنوان “المعركة الإيديولوجية ستبدأ الآن”.
—-
عودة المعركة الإيديولوجية
تعطي الأزمة المالية فرصة سانحة لليسار كي يعيد بناء أسسه، غير إنّنا ما زلنا بعيدين كلّ البعد عن تحقيق ذلك الهدف.
تتمثل قناعاتنا في أنّ المعركة من أجل نموذج مجتمع جديد قد بدأت. وهي معركة سوف تطبع المرحلة القادمة، سواء بفرنسا وأوروبا أو العالم. ففي فرنسا سنكون قد خرجنا من فترة سلام إيديولوجيّ طويلة، كانت قد ختمت بانتصار قيم اليسار. وقد عاشت فرنسا منذ 1945 على توافق “ديمقراطيّ-اجتماعيّ” شكّل منهاجا للتنمية، ركيزته الدولة- الراعية، تميّز بحركية بنّاءة ربطت ما بين الرخاء والعدالة الاجتماعية، وما بين النمو وإعادة توزيع الثروة، وما بين السوق والدولة. لقد شجّع اليسار، بمعية الديغولية الاجتماعية، هذا المنهج المساواتيّ بعد الحرب العالمية الثانية، وقبِل اليمين مرافقة تلك التطوّرات التي شكّلت محرّك رخاء غير مسبوق طيلة “الثلاثين المجيدة” (1945-1975).
لم يكن ذلك التوافق الديمقراطيّ الاجتماعيّ خاصّية فرنسية بحتة، إذ أنّ الاقتصاد الاجتماعي للسوق وظهور الدولة الراعية هما اللذان ميّزا المنوال الأوروبيّ لما بعد الحرب. فمثّل مستوى الاقتطاع الإلزاميّ (للضرائب)، وهو رمز المجهود الوطني لإعادة توزيع الثروة، أحسن دليل على تناسق هذا المنوال، إذ بلغ المعدّل الأوروبي للاقتطاع الإلزاميّ 42 بالمائة من الدخل الداخليّ الخام مقابل 28 بالمائة بالنسبة لليابان و23 بالمائة بالنسبة للولايات المتحدة وأقلّ من 20 بالمائة بالنسبة للبلدان النامية. توجد هناك بالطبع تباينات هامّة بين البلدان الأوروبية، بيد أنه حتى بالنسبة للأوروبيين الأقلّ عدلا في التوزيع (على غرار إرلندا والمملكة المتحدة) كان معدّلهم يتجاوز معدل البلدان الغربية الأخرى بعشر نقاط.
و مع حلول الأزمة المعاصرة للدولة الراعية نجد أنّ الوفاق الإيديولوجيّ الديمقراطيّ الاجتماعيّ قد تطاير أشلاء. فهذه الأزمة لها سبب بسيط يتمثل في أنّ أدوات الدولة الراعية في القرن العشرين لم تعد تتلاءم ومتطلّبات القرن الواحد والعشرين، فانقلبت تلك الحركية البنّاءة إلى حلقة مفرغة، حيث أصبح النمو الاقتصاديّ الضعيف يخنق أنفاس الدولة الراعية وأصبح التنافس الاقتصاديّ كذلك يعيق إعادة توزيع الثروة و يزيد في إضعاف النموّ.
و تحوّل اليمين منذ ذلك التاريخ إلى الهجوم. لقد تردّد قبل ذلك كثيرا، ولكنّ الأمر قد انتهى الآن. فاليمين يطالب اليوم بـ”الإصلاح” و بـ”التغيير” أي بإنهاء العمل بذلك العقد الاجتماعيّ التاريخيّ: إذا أرادت فرنسا أن تستعيد نموّها – أو تحرّره- فما عليها إلا أن تقبل التقليص من (دور) دولتها الراعية والحدّ من إعادة توزيع الثروة. وهكذا يقترح علينا اليمين عرضا سياسيا مهيكلا حول نمط ليبراليّ محافظ هو بصدد تنظيره تدريجيا والذهاب به إلى أبعد من الترددات المذهبية للساركوزية.
أمام هذه الهجمة، لا يملك اليسار أيّ عرض سياسيّ بديل. فهو يتأرجح بين خطرين محدقين به. الأول خطر المحافظة، فاليسار قد يغريه الجمود وتراه يجد صعوبة للتسليم بأفول النموذج التاريخيّ الذي ساهم في صنعه، وهو في هذه الحال يعرّض نفسه للانحباس والتقوقع في إطار العمل الاحتجاجيّ. ويتمثّل الخطر الثاني في التنازل الإيديولوجي. فعندما يعجز على صياغة عرض سياسيّ بديل فإنّ اليسار قد يترك المبادرة الإيديولوجية تفلت من بين يديه فتنتقل لليمين. ويتحوّل الوفاق الوطنيّ الجديد بالتالي وفاقا ليبراليا.
لا زال ممكنا لليسار أن يأمل في الحصول على نصر سياسيّ، لكنّ ذلك لن يكون إلا بدفع ثمن هزيمته الإيديولوجية، قاصرا عمله السياسيّ على المرافقة الاجتماعية لنموذج لم يعد بحوزته. هذا التنازل يشكّل إغراءا حقيقيا لعدد من الأحزاب الديمقراطية الاجتماعية الأوروبية بألمانيا والنمسا وهولندا.
يتمثّل واجب اليسار التقدّميّ، بالعكس من ذلك، في البحث عن طريق إعادة التأسيس الإيديولوجيّ، أي طريق يؤدّي إلى “تأسيس ثان وجديد للديمقراطية – الاجتماعية”. فهو يمتلك الوسائل لتحقيق ذلك، والمادّة موجودة لديه منذ الآن، والتشخيص الفكريّ تمّ إثراؤه. كذلك، تطوّرت الخبرة التجريبية الأوروبية، داخل الديمقراطيات الاجتماعية في شمال القارّة بالخصوص، وتعدّدت بالأمثل المبادرات المحلية. لم يبق إذن سوى تحويل هذه المادة إلى حلول عملية وبلورتها في إطار برنامج شامل.
إنّ الرأي العامّ هو في انتظار اليسار التقدّميّ. ويواصل المواطنون، في فرنسا كما في أوروبا، إعطاء ثقتهم للقيم التقدمية مثل العدالة والتضامن والنضال ضدّ الظلم والإجحاف. أمّا التأصّل الديمقراطيّ الاجتماعيّ فهو دائما هناك.
الولايات المتحدة والصين
غير أنّ المعركة الإيديولوجية القادمة لن تكون فقط مقتصرة على أوروبا، فهناك احتمال في أن تشمل أيضا ما وراء المحيط الأطلسيّ. لقد عاشت الولايات المتحدة بدورها في ظلّ وفاق إيديولوجيّ طويل المدى حول نموذج ليبراليّ انجلوسكسونيّ. ثم جاءت الأزمة المالية الحالية لتعصف بأسسه بعنف، فأصبحت التأميمات والتعديلات وتدخّلات الدولة مطروحة على جدول أعمال الحكومات.
فهل ستضع هذه الأزمة موضع التساؤل الوفاق الليبراليّ الأمريكيّ الحالي لصالح نموذج آخر تقدّميّ؟ وهل يستطيع هذا الوفاق أن يتجدّد على قواعد حديثة ؟ سوف يكون هذا بلا شكّ رهان المرحلة القادمة. كما أنّ التوترات الإيديولوجية سوف تشهد أيضا استفاقة داخل البلدان الصاعدة وبالأخص داخل الصين. فمنوال التنمية في هذه البلدان يرتكز على تنافسية الأسعار داخل الأسواق الأجنبية. فهو مقام بنيويا على إبقاء تكاليف الإنتاج – كالأجور والمصاريف الاجتماعية – منخفضة. ومع صعود القوّة الاقتصادية سوف تشهد المعركة حول توزيع القيمة المضافة احتدادا. وسوف ينمو ضغط القوى العاملة نموّا سريعا، حتى ولو قامت التنظيمات اللاديمقراطية في هذه البلدان بتعطيل هذه الحركية.
ويمكن أن ينتج عن ذلك مثال مغاير للتنمية، أكثر تقدّمية. وسواء تعلّق الأمر بأوروبا أو بالولايات المتحدة أو بالصين، نجد أنّ مثال التنمية السابق هو محلّ مراجعة فعليّة في كلّ مكان، أو هو مدعوّ أن يكون كذلك. ومن المحتمل أن تنبثق نماذج نموّ جديدة وتتصارع في ما بينها. وبقطع النظر عن هذه النماذج الوطنية، يتحتّم ابتداع نموذج عالميّ للحَكامَة (الحكم الرشيد). فرهانات المستقبل هي قبل كلّ شيء رهانات شمولية تضمّ مجالات المالية والطاقة والبيئة والموارد المائية والهجرات والتكاثر السكاني… لا توجد على مستوى عالمي أدنى حَكامَة تستطيع اليوم أن تواجه هذه التحدّيات. والمعركة الأيديولوجية سوف تنطلق وسوف تتعلق بنموذج التنمية في بلداننا وبكيفية تنظيم الكوكب الأرضيّ. لقد أصبحت هناك ضرورة ملحّة كي يدخل التقدّميون حلبة الصراع.
“أوليفيي فرناند” (Olivier Ferrand) ، رئيس مؤسسة (Terra Nova)
“ميشال روكار” (Michel Rocard) وزير أول سابق بفرنسا ورئيس مجلس التوجيه العلمي بمؤسسة (Terra Nova)
“إيريك موران” (Eric Maurin) خبير اقتصادي ومدير علمي بمؤسسة (Terra Nova)