
على الأغلب الأعمّ، لن تحدث أزمة السيولة المالية الحالية، التي تجتاح أسواق المال في العالم، انهيارا في البنى الاقتصادية الليبرالية العالمية. فلن تكون نهاية الجنس البشريّ وكوكب الأرض بسبب هذه الأزمة كما تنبّأ المفكّر الاقتصاديّ سمير أمين. ولن ينزل ” الرّعاع ” إلى شوارع سياتل وميونخ وكيوتو، ولن يحطّموا واجهات البنوك والبارات، كما تحلم أن ترى فيه رؤى إسلامويةّ ويسارويّة حال الرأسمالية العالمية. لكنّ هذه الهزّة أيضا لن تكون دون أثر ملاحظ، حيث لن يكون العالم بتشكيلاته الاقتصادية والسياسية النظرية والعملية بعدها مثلما كان قبلها. وأوّل تلك الآثار سيكون خفوت الرؤية الأيديولوجية الرأسمالية، في مجمل نظرياتها الاقتصادية والسياسية، وحتى الاجتماعية والثقافية. فهذه الحزمة النظرية من الأيدلوجيات التي قيّض لها التاريخ البشريّ انتصارها الذئبيّ على كلّ نظرية سياسية واقتصادية وثقافية عداها في العالم منذ انهيار جدار برلين منذ ما يقارب العقدين من الزمن، آن أوان الانتقال بها من روح الهجوم الذي استمر عقدين من الزمن إلى روح الدفاع.
في هذا التحوّل الذي يعتري طربوش النظرية الرأسمالية شيء غير الذي اعترت به تحولات الأيدلوجيات الكبرى السابقة لانتصار الرأسمالية الكبير، منذ الصعود الشهير لبوريس يلتسن الدباّبة في الساحة الحمراء وسط موسكو، معلنا النهاية المباشرة للشيوعية السياسية. فحينما هوت ” شمولية الإمبراطوريات التاريخية ” عقب نهاية الحرب العالمية الأولى، وكان نموذجها انهيار الإمبراطورية العثمانية والألمانية، كانت الرؤى القومية ” المحليّة ” جاهزة وقتها لملء ذلك الفراغ الايديولوجيّ، حيث كانت وقتها مطعّمة بنفحات روح التحرّر والتحديث، حيث كانت الدول القومية العربية والتركية والفارسية نماذج لها في منطقتنا. وحين انهارت ” الشموليات القومية – الفاشية ” عقب الحرب العالمية الثانية. كانت الأيدلوجيات الرأسمالية والشيوعية جاهزة سياسيا ونظريا، لملء ذلك الفراغ الأيديولوجيّ في ذهن معظم سكان معمورتنا الأرضية. وكانت لليبرالية الرأسمالية كأفق اقتصاديّ وسياسيّ وثقافيّ لبني البشر الدور ذاته عقب الانهيار التاريخيّ للشيوعية.
لكنّ عالم اليوم يبدو خاليا من أية نظريات أو استراتجيات تحرّر بديلة أو احتياطية، قادرة على انتشال البشر من محنتهم، والمتمثلة في خفوت روح الإدّعاء التحرّري في النظرية الرأسمالية، وحتى خلوّ العالم من رؤية مدّعية مضادةّ للإدّعاء الرأسماليّ نفسه. فالماركسية حتى في بعض الأنظمة التي مازلت تدّعي تطبيقها، أكثر خجلا من ادّعاء شيء كهذا، فالصّين تجمع بين رأسمالية الدولة اقتصادا وفاشية النظام السياسيّ الداخليذ، وهي آخر من يحلم بأن تقول للآخرين ” أنا حلمكم “. وكوريا الشمالية تجمع بين المجاعة والقروسطية الدولاتية، وكذلك كوبا و.. الخ بالنسبة للأنظمة الماركسية. والإسلام السياسيّ يجمع بين رغبة عنفية بالغة ضد الآخر، نابعة من فهم قزمي للذات، ورؤية آخراوية – من الآخر – مطلقة عن باقي العالم، معتقدة أنه لا شيء يجمعها بذلك العالم الآخر سوى الصراع المطلق . تجمع تلك الرغبة العنفية مع خروج مهلك من التاريخ، وهي بذلك آخر بديل نظريّ خلاصيّ ممكن يجمع البشر. والنظريات الفكرية الشرقية في الهند والصين واليابان تبدو بالغة الارتكاز حول الذات، غير راغبة في ولوج العالم.
نحن نحيى إذن في عالم بدون النظريات والاستراتيجيات التحريرية المستقبلية الكبرى، بعدما أضحى منذ عهد “ما بعد الحداثة ” بدون نظريات فكرية كبرى تعلّل روحه التاريخية.
لكن ربما لقائل أن يقول : وما الضير في ذلك، وما الذي صنعته تلك الأيديولوجيات التحررية الكبرى السابقة ببني البشر، حيث لم تجلب لهم سوى العنف والصراع على شكل المستقبل . حتى قبل ودون حضور المستقبل ذاك أصلا ؟ !.
ثمة ضير لسببين وجيهين :
أوّلا : صحيح أنّ صراع الأيدلوجيات المستقبلية، والذي كان صراعا على المجرد في أغلب مراحله، أي صراعا على الأفكار والرؤى، صراع على تصوّر ” العالم الذي يجب ” وشكله لا على العالم نفسه. وقد أنتج في مسيرته التاريخية عنفا بالغا.
لكن بمقاربة أعمق يمكن إثبات العكس، ولا بأس في سبيل ذلك الاستدلال، ذكر نموذج الفيلسوف المعاصر جيل دولوز ورؤيته لدور الدولة فيما سمّاه بـ ” دور الدولة في امتصاص الرغبة “. فيرى دولوز أنه “لا توجد سوى دولة واحدة منذ البدء فالدولة وجدت بشكل كامل ومرة واحدة” ويقدم دولوز أكبر دليل على هذا الثبات البنيويّ والاستمرارية الوظيفية لكافّة أشكال الدولة، في أننا لو قارنا بين أبرز شكلين للدولة المعاصرة وهما الاشتراكية الديمقراطية والدولة الشمولية لوجدنا أنّ الفارق المظهريّ يتضاءل أمام وحدة الغاية. إذ تقوم دولة الاشتراكية الديمقراطية بمضاعفة القواعد axiomes لاستيعاب الأوضاع الجديدة (المراهقين – النساء – كبار السنّ – السلع –رؤوس الأموال …الخ ) من أجل تنظيم للسوق الداخلية يسمح بالاندماج مع مقتضيات السوق الخارجية، والتحكّم في التدفقات هنا يتم ّعن طريق مضاعفة القواعد الموجّهة، أما الشمولية فإنّها تسحب تلك القواعد. هذا التحكّم في التدفّقات (سلع – رؤوس أموال – بشر..الخ) يسمّيها جيل دولوز بـ ” المهمة العنفية المضادّة للعنف المطلق ” الذي تمارسه الدولة عبر التاريخ، حيث تقوم الدولة بدور عنفيّ ضدّ عنف مقابل ناتج عن ” تدفّق الرغبة “. بصورة مقارنة نستطيع فهم الدور العنفي المباين للأيدلوجيات المستقبلية في تكوين عنف الجماعات وامتصاصه. فمثلما تعمل الدولة بشكل مادّيّ مباشر على تأطير عنفها. فإنّ الأيديولوجيات الخلاصية التحريرية تعمل ذلك من خلال مكانيزم الأفكار والتصورات لمنتسبيها. حيث تكون في أحيان شتّى أكثر فاعلية من جهاز الدولة بذاته. فطالما ثمة ما يطمئن البشر بوجود خلاص ما، أو حتى يوهمهم بذلك على أقل تقدير، حسبما تقدمه تلك الاستراتيجيات الخلاصية . فإنّ البشر لن يسعوا جاهدين للتفكير بخلق خلاص آخر. وهي بذلك سكونية نسبية.
ثانيا : كانت الإستراتيجيات التحررية تاريخيا منتجة واحدة عن الأخرى. فالشيوعية كانت ردّة عنف بليغة على الرأسمالية الوحشية الأوربية في القرن التاسع عشر، كما رأت المفكرة حنة أرندت. والدولة القومية الفاشية كانت ردة فعل منفلتة على عصيان الإمبراطوريات التاريخية في دخول الحداثة، وعودة النظريات الدينية أو ” انتقام الآلهة حسب تعبير جيل كيبل ” هو رد فعل مباشر على العقلنة المحكمة في المجتمعات الحديثة. والنيو- ليبرالية هجوم ذئبيّ على تراث الماركسية … الخ. فأي سيطرة للقوى النكوصية على كافة المجتمعات وفي كل الأصعدة، ستمارس لو خلت كل الميادين من الأطر الفكرية والفلسفية الكبرى ؟ فهل كما كان بديل عبد الناصر بعد هزيمة مشروعه هو سيد قطب . سيكون البابا بيندكتوست وستكون نظريات الكنائس الإنجيلية اليمينية في أمريكا والمتعصبون السيخ والشيوخ الوهابيون والروح الانكلوسكسونية… الخ بدائل عن دانيال باريموباوم وناعوم تشومسكي وميشيل فوكو والأم تيرزا ومحمد أركون … الخ . ؟
أخيرا : أن يرى البشر أنفسهم منذورين للأكل والجنس والنوم والعمل ليس إلا. لا للأفكار الكبرى والأعمال والصنائع العظيمة .. الخ. ففي ذلك ما لا يليق بالفرعون الخفيّ في ذواتهم. وفي مرات كثيرة من التاريخ، حينما رأى البشر أنفسهم في ذلك المكان، فعلوا ما يفعله القطّ المحاصر في الزاوية الضيقة ؟!