
يدُك الرّقيب الأوّل، تشطب ما كتبَت، لأنّ بَوْحَك أقلّ من اللّزوم، أو فاق الحدّ.
يدك من لحم ودم، هذا أقلّ الوصف وأبسطه، هذه الدرجة الصفر للوصف.
لحم يدك من عجين القرون فيه من كَتب التاريخ بأوامر وأمزجة الخلفاء والملوك والسلاطين وقادة الجند والقتلة وأهل القصر وفقهاء الصّراط المستقيم من عرب ومن عجم وأئمة وأساقفة وأحبار، فيه الخرافة والحدود والتراتيل والتراتيب.
ودم يدك من الهاربين بالكلمات والصور، يزرعونها بين الأودية والمدائن قبل موعد المقصلة.. دمها كل فكرة قيلت وكتبت، بيانات الرفض وإعلانات العقل وطلب الحرية.. كلّ الرسوم: بشخوصها والأعين الشاهدة والحركات والتدوينات. رسائل الخُلد.. وقال أصحابها: نحن التاريخ وما يبقى، نحن الناس بلا سيرة ولا جيوش ولا فتوحات ولا دم بأيدينا إلا ما فيها خالقا ومبدعا ومسجلا..
—
للرقابة أجهزتها، وهي آليات لفرض قيم ومعايير تكتسب سلطتها الحقيقية لا بفعل القوانين وحسب، بل بفعل التسليم بأنّ الحدود التي تضعها هي الحقيقة وأنّ الخروج عنها من العيوب.
لا يمكن فرض رقابة داخل مجتمع من قبل أيّ سلطة دون إشباع وعيه العام بمسلّمات أو إحلال حالة خوف حقيقيّ باقتطاع فئة من هذا المجتمع وجعلها عدوّا والتنكيل بها لتكون عبرة للآخرين.
فأجهزة الرقابة لا تصنع الممنوع، إنها ترصد من يأتيه وتعاقبه. ولكنّ مؤسّسات كبرى هي التي تحدّد الممنوع، وقد برزت من بينها المؤسسة الدينية صنّاعة الضوابط وعرّابة الطغاة في التاريخين الإسلاميّ والمسيحيّ (… ثمّ اليهوديّ/الصهيونيّ مع دولة إسرائيل).
باسم الربّ أُحلّت كلّ صنوف العذاب على الخارجين على أمر حكامهم، وباسمه شرّعت الاحتلالات و”الفتوحات” والزحف وسلب الحرية وقتل المُخالفين من كلّ عرقٍ.
الدين ينشأ فكرة إنسانية ثم يبقى أقلّيا بالصيغة التي حضر بها، فحيث تُعلنه دولة ملكا لها يتحوّل إلى مولّد عنفٍ.
المؤسسة الدينية متواطئة تُعطى غطاءها لأقلية مُتسلّطة، وللأغلبية إما “الانحشار” مع السلطة في الزاوية المُحدّدة أو يكونون في العراء فيصيبهم سهم أو رصاصة أو إبعاد ونفي وإقصاء.
(وليس المؤمنون بدين والخارجين على المؤسّسة الدينية الرسمية بثوّار، إنهم يريدون فقط أن يكونوا المؤسّسة الدينية الرسمية فيعقدون تحالفهم مع حكّام جدد أو يصنعون حُكّّاما من بطانتهم… وإن لم يتسنّ فهم الحكام، وليكن الجحيم).
—
لم تكتف المؤسسة السياسية بما وفّرته لها المؤسسة الدينية، ولتُحكِمَ الإغلاقَ سنّت القوانين، ورُفع شعار “دولة القانون” في أكثر من مكان، ليكون أَسْرا جديدا للحرّيات وللإبداع. فكثير من القوانين لم تُوضع لضمان الحقوق ولكن لضربها.
ونلاحظ في العالم العربيّ كثرة التشريعات في مجالات الصحافة والإبداع المسرحيّ والسينمائيّ وبخصوص المسائل الأكاديمية والحقوق المدنية، كحقّ التنظّم.
إنّ السّلطات التنفيذية تفرض التشريعات لتُحيل المخالفين إلى سلطة قضائية مؤتمرة بأمرها، وحين يتأكّد عند الجميع أنّ هناك سلطة واحدة وأنّ المعنى الوحيد لمخالفة القانون هو عدم طاعتها، يكون خضوع المجتمع لسلطة رقابتها وحينها لا يقلّ الإصداح بالرأي فحسب، بل ويقلّ الهمس. ويكون الكلام ضدّ الحكومة (تماما) كالكفر بالله. إنّ المؤسسة الدينية هنا تعطي القدسية من سجلها المفاهيميّ، ويكون الحاكم ربّا أرضيا بكلّ المقاييس: إنه مانح الحياة.
—
في المجتمعات العربية، لم يعد الرقيب عنصرا خارجا فحسب، لقد أصبح ساكنا في وعي الناس. يعرفون ما يجب فعله أو قوله وما لا يجب، استبطنوا ضوابط السلطة السياسية، أتقنوا تفاصيلها، تشرّبوها في الشوارع والمخافر ومن التلفزيون والجرائد وفي ملاعب الكرة وفي المعاهد والكليات ومواطن العمل.
لم يعد هناك أساتذة يُملون، الكلّ فقيه يعرف ما يجب فعله، والغريب أنّ الأغلبية تعرف أنّ من حقها ما هو مرفوض، وبعض الأغلبية يسرق ما أمكن.
لقد قلّ العناء على مؤسسات الرقابة الرسمية بعد أن ثبّتت أجهزة الحكم في العالم العربيّ(وبلدان شبيهة) سلطانها.. وبعض “المتمرّدين” يُعتبر وجودهم ضروريا للتنفيس أحيانا أو للزينة، وأحيانا للترهيب حينما يُرمى بأحدهم وراء الشمس.
—
اُكتب إن شئت، سيلومك بعض من وافقوك سرّا، ويلعنون الشياطين الحمر والزرق الذين وسوسوا لك. سيصفونك بالغباء. سيقولون إنّه كان بإمكانك أن “توصل” فكرتك دون متاعب.
اُكتب إن شئت، ستحرم من الإمضاء في تسعة وتسعين كيلومترا مربعا من الورق الصادر كلّ يوم باسم الصحافة والثقافة. وستُنشَرُ مكان كلماتك القليلة صورة إضافية لزعيم حيّ أو ميّت أو زاوية إشهارية لشركة مناولة تُشغّل الخادمات من كلّ الدنيا وبكلّ ألوان الجلدة الآدمية.
—
إنّ الكاتب أو المبدع في الأوطان المُراقبة (من الصّين إلى موريتانيا، ومن شواطئها الأطلسية إلى الغابات اللاتينية) مُحاصر بالمنع، لا يقرب صورة الربّ لأنه كذلك، ولا يخدش صورة الزعيم لأنه وليّ الربّ على عباده أو صانع الثورة والحياة وباني الدولة وبيديه (لا بقوّة شعبه!) شُيِّدتِ المدارس ومدّت الطرقات وبُنيت المستشفيات وكتبت الكتب (وهو وراء هدف انتصار فريق كرة القدم!).
ومن العيب خدش “الحياء”… والحياء فكرة مُعوّمة بعضها من دين وبعضها من سلالات الكبت، وهو حرام أو ممنوع…
وكلّ نقد لظواهر اجتماعية مسٌّ بالموروث والخصوصيات الوطنية…
—
(العمى،، لا تنظر للوطن هكذا.. اُنظر،، نحن نرسمه لك، نحن نستضيفك، وقطعنا لك تذكرة للإقامة،، اشتراكا سنسحبه إن لم تنضبط..
هناك أعراف ومقاييس وقوانين مضبوطة ترى بها وطنك، تحلم بها، تتطلّع من خلالها لمستقبل شعبك.. وإننا نراك، حتى لو أغمضت عينيك نراك.. من تقاسيم وجهك نعرف ما تفكّر فيه. أنظر ما أجمل الوطن بعيوننا، ونحن المصلحة العليا، ونحن الحقيقة كلها، والحاضر نحن والمستقبل ليس أنت…).
—
من يراقب من،، وأنت (العربيّ البسيط في حقّه) مراقب من الجميع.
–هل لك أن تصرّح بنقد نظام الحكم في بلدك؟
*هناك من سيشي بك.
–هل لك أن تصرّح بنقدك لنظام حكم في دولة أخرى؟
* إنك تضرّ بالمصلحة الوطنية والمصالح الدبلوماسية.
–هل لك أن تتذكّر أنّ محرقة حدثت فعلا …
*سيصفعك شوفينيّ باسم القضية وكأنها لا تعنيك، وتُتَّهم بالدم الفلسطيني وقد بكيت لأجله.
–هل لك أن تناقش الشريعة؟
*سيستغفر منك الملتحي وغير الملتحي الذي لم يسجد مرة ولم يتغيب يوما عن خمارته.
–هل لك أن تنظر لامرأة جميلة؟
*أنت فاسق، (ويبلع من اتّهمك ريقه بعينيه).
–هل تتسامح مع المِثْليين؟
*إنك شاذّ.
–هل تفكّر في الانتماء لحزب غير حزب السلطة؟
*تحمّل العواقب.
–هل تعارض قانون الإعدام؟
*نتمنّى أن تقع بأيدينا ننفّذ فيك شرع الله ودستور البلاد.
–هل لك أن تتجوّل ليلا دون بطاقة هوية؟
*أين بقية المجموعة، وماذا تخططون؟
–هل لك أن تفتح نافذتك قبل التثبّت من خُلوّ الهواء؟
* سيُطلُّ جيرانك من كلّ زاوية للتأكّد من لون قميص نومك.
–هل لك أن تربّي ابنك كما يجب (كما تريد)، وأنت المتشبّث بالقيم الإنسانية بانفتاح وبالقيم الوطنية بلا غلوّ؟
*أنت أب سيّئ أو أمّ… “لا سمح الله”..
–هل لك أن تكتب الآن ما تفكّر فيه فعلا؟
(هناك من يطرق بابك ضَعِ الورق تحت السرير وتظاهر بالنوم)
—
هل يعني هذا دعوة للانفلات؟ دعوة لمجتمع بلا قيم؟ لدول بلا قوانين؟ لفوضى؟؟
هذه هي التهمة التي توجه لكلّ من ينتقد أشكال الرقابة. والصواب (في اعتقادنا) أنّ النظام لا يعني الاعتداء على حرّية الأشخاص وحقّهم في التفكير والإبداع والانتماء لمجموعات. وأنّ القيم الجامعة لها أسسها في الفكر الإنسانيّ على مرّ التاريخ، وأنّ التعايش بين مواطني دولة واحدة أو شعوب دول متعدّدة لا يقوم على النفي.
كما أنّ ما تقدّمه أجهزة الرقابة من أسباب منع وقمع تفرضه بقوة سلطتها لا بقوّة حجتها، وهي تعمل على السيطرة على الناس وتدجينهم.
وقد تسبّبت الرقابة، في أغلب الدول العربية، في تراجع منتوج الفكر والإبداع وتحاول المؤسسات المُراقبة أن تعوّض الفراغ بشبه فنّ وشبه فكر وأشباه سياسيين وعُلب منظّمات تدّعي النشاط في كلّ المجالات ولا تصنع شيئا.
وإنّنا إذ لا ننفي ضرورة الرقابة فإنّنا نحدّدها بخلق حالة وعي مواطنيّ وحضاريّ لا بأجهزة قمعية،، نعوّضها بالتعايش السلميّ والاحترام المتبادل وقبول الآراء والحوار المفتوح والسلطة الديمقراطية، وبليبرالية الفنون والإبداع، وبحرية الكتابة وإصدار المنشورات، وليس من خوف أن يؤذي المكتوب أحدا إذا كان صادرا عن مواطنين تشبّعوا بالقيم التي ذكرنا. وجهد التغيير ليس هّينا، صحيح أنّ عقودا ضاعت بسبب أنظمة متسلّطة ونخب متناحرة بلا بوصلة، ولكنّ التاريخ الصواب ممكن حيث أنّنا لن نخلق من فراغ فهذا الإرث الفكريّ الإنساني وفّر من أدوات التغيير ما يكفي.
نعم للرقابة،، نراقب من يعتدي على حقوق الآخرين. نراقب من يسلب حقّ الحياة. نراقب من يكمّم الأفواه. نراقب من يعتدي على التاريخ. نراقب من يريد لأجيالنا عودة لعصور الظلام. نراقب من يهتك أعراض الناس. نراقب من يمنعنا من الحركة. نراقب من يمنعنا من الكتابة.
ونعم لدستور الدولة ولبرنامج الدولة ومخطّطات الدولة،، كلما كانت نابعة من قوانين خادمة للشعب لا لأقلّية، وجامعة لا مفرّقة ومحترمة لإنسانية الإنسان لا لجُمَلِ سماسرة اللاهوت ومن يفتون باسم خزائن مالهم.
—
الحرية والعدل والحقّ والمساواة، ثم راقب كما تشاء.